“عندي ثقة فيك” ندوة ثقافيّة تفاعليّة لكتاب لينا خاطر “فيروز وزياد” في المهرجان اللبناني للكتاب-أنطلياس
ضمن فعاليّات المهرجان اللبناني للكتاب (43) في الحركة الثقافية- أنطلياس، عُقدت ندوة ثقافيّة تفاعليّة بعنوان «عندي ثقة فيك» خُصِّصت لمناقشة كتاب الدكتورة لينا خاطر «فيروز وزياد» الصادر عن دار أنانا، والذي زيّن غلافه عمل تشكيلي بريشة الفنان هادي عيسى.
يعود أصل الكتاب إلى بحث جامعي أعدّته الدكتورة لينا خاطر عام 2002 لنيل درجة الجدارة في العلوم الموسيقية من جامعة الروح القدس – الكسليك، بإشراف الأب لويس الحاج. ومع استمرار التجربة الفنية التي جمعت فيروز بابنها زياد الرحباني بعد ذلك التاريخ، رأت خاطر ضرورة استكمال البحث، فتعاونت مع الباحث إيلي صفير الذي تولّى دراسة «العقد الأخير» من الأغاني والتجارب والحفلات المشتركة حتى عام 2013.

جوزيف بشارة
استُهلّت الندوة بكلمة للأستاذ جوزيف بشارة استعاد فيها عبارة للشاعر جوزف حرب: «ما جينا عالدني لنفرح، جينا لنخفّف حزن»، ورحّب بالحضور:
مساء الإصرار على إعلاء صوت الشعر والموسيقى فوق صوت القنابل…
مسا الأب بولس الأشقر الذي في هذا الدير نادى عاصي ومنصور من طفولتهما التائهة وعلّمهما الموسيقى
ومسا زياد والأب مارون عطالله الذي احتضن زيادًا عند انطلاقته في هذا الدير
وأكيد مسا صوت فيروز، ذلك النور العابر لكوابيس الحروب.
يونس وصفير
استعرض الشاعر والأكاديمي حبيب يونس تاريخ اكتشاف صوت فيروز على يد الأخوين فليفل، حيث لاحظا أنها لا تؤدي اللحن فحسب بل تعيد صياغته بأسلوبها الخاص. وقد أكّد عاصي الرحباني لاحقاً هذا الانطباع، معتبراً أن صوتها الاستثنائي شكّل الركيزة الأساسية لمشروع فني وثقافي رائد في الموسيقى العربية.
وأوضح يونس أن فرادة الصوت الفيروزي لا تكمن فقط في مساحته التقنية، بل في خامته النادرة التي تجمع بين اللمعان والجفاف، ما يمنحه قدرة كبيرة على التعبير الدرامي. كما أشار إلى أن التدريب المستمر مكّنها من التحكم الدقيق بالطبقات الصوتية والعُرب والتجميلات، الأمر الذي جعل صوتها من أكثر الأصوات اكتمالاً في الغناء العربي.
وتناول الباحث إيلي صفير التحوّل الذي شهدته التجربة الموسيقية مع زياد الرحباني، موضحاً أن اللحن لم يعد احتفالياً كما في المرحلة الرحبانية الأولى، بل أصبح أقرب إلى لحن تأملي يعكس مرور الزمن وتجارب الحياة. وفي هذا السياق، اعتبر صفير أن فيروز تجاوزت دور المغنية لتصبح «حضارة متكاملة وهوية إنسانية» تمنح اللحظة الغنائية عمقاً جمالياً خاصاً.
كما توقّف حبيب يونس عند تجربة زياد الرحباني، مشيراً إلى أنه، رغم انتمائه إلى الإرث الرحباني، شقّ طريقه الفني باستقلالية واضحة، فجمع بين الامتداد لروح عاصي الرحباني والابتكار بلغة موسيقية حديثة. ولفت إلى أن جُمَله الموسيقية تبدو بسيطة للوهلة الأولى، لكنها تكشف عند تحليلها عن بناء معقّد ومبتكر، كما في أغنيات مثل «صباح ومسا» و«تنذكر ما تنعاد».
وفي سياق الحديث عن عبقرية زياد، أشار المتحدثون إلى أن فيروز وصفت ابنها ذات مرة بأنه يمتلك قدرة خاصة على مراقبة التفاصيل والتقاط ما يختبئ في «عتمة الأشياء»، وهو ما يفسّر حضور السخرية الممزوجة بالبعد المأسوي في أعماله. وقد تجلّى ابتكاره الموسيقي في مزجه بين الموسيقى الشرقية والجاز والارتجال، وفي إعادة توزيع الأدوار بين الإيقاع والهارمونيا بطريقة غير مألوفة.
كما ساهمت تجربة زياد في تقديم قراءة جديدة لصوت فيروز، إذ دفعها إلى استخدام كامل مساحتها الصوتية، وهو ما اعتبره بعض الباحثين «ولادة ثانية» لهذا الصوت.

لينا خاطر
من جهتها، عرضت الدكتورة لينا خاطر الجوانب العلميّة لصوت فيروز، وأوضحت أن سرّ تميّزه يعود إلى دفء خامته واتساع مداه الصوتي، وهو ما حافظت عليه فيروز عبر تمارين الفوكاليز (Vocalises)، بحسب ما كانت تؤكده أستاذتها في جامعة الروح القدس السيدة بديعة حداد. وقد ساهم هذا التدريب في توسيع المساحة الصوتية لديها وإتقان أداء الطبقات المختلفة.
وأضافت خاطر أن هذه الخامة الصوتيّة الدافئة لعبت دوراً مهماً في نجاح تجربة فيروز مع الجاز في أعمال زياد الرحباني، إذ تتمتع الأصوات النسائية المنخفضة غالباً بجاذبية خاصة في هذا اللون الموسيقي. كما ربطت بين مضمون بعض الأغاني والقضايا الاجتماعية، معتبرة أن أعمال زياد وفيروز تناولت مبكراً موضوعات تتقاطع مع مفاهيم العدالة الاجتماعية والصحة النفسية، بلغة فنية قريبة من الناس.

أسئلة إشكاليَّة
وقد طرح جوزيف بشارة خلال الندوة مجموعة من الأسئلة الإشكالية حول هذه التجربة، من بينها دور «الجنود المجهولين» في المسيرة الرحبانية مثل بوغوص جلاليان وبديعة حداد، وما إذا كانت تجربة زياد امتداداً لمشروع الأخوين رحباني أم قطيعة معه، إضافة إلى التأثيرات الموسيقية المصرية في أعماله، ولا سيما إرث سيد درويش وزكريا أحمد.
وتخلّل اللقاء أداء غنائي قدّمته الدكتورة لينا خاطر لعدد من«الفيروزياد» بمشاركة تفاعلية من الحضور.
وخلصت الندوة إلى أن اللقاء الفني بين فيروز وزياد الرحباني لم يكن مجرد تعاون عائلي، بل شكّل مرحلة جديدة في تطوّر الأغنية الرحبانية، يمكن وصفها بـ«الجمهورية الرحبانية الثانية»، حيث اكتسبت الأغنية الفيروزية أبعاداً أكثر تأملاً وواقعية، فيما استمر صوت فيروز حضوراً فنياً وإنسانياً يتجاوز حدود الزمن والمدارس الموسيقية.



