سجلوا عندكم

علي الشرفا في “الإسلام يشهد بصحّة العقيدة المسيحيّة”… حوار حقيقي من أجل الأخُوَّة الإنسانيّة 

Views: 1124

 د. جورج طراد

  في هذه الأزمنة الصعبة، ووسط الحروب الظالمة التي تجتاح المنطقة وتخلِّف دمارًا هائلا وتشريدًا مخيفًا  وأنهار دماء، يتعطّل العقل إلى حدّ بعيد عند معظم الناس وتزدهر مواسم التطرف، بكل أنواعه.. وكأن ما في بلداننا من ويلات لا يكفيها. هكذا تعيش منطقتنا مرحلة من التطرّف المناقض لكل عقلانيّة يمكن أن يلجأ إليها الإنسان السويّ.

  ولعل التطرف الديني، وأرذله التطرف المذهبي، هو أخطر ما ابتُلِيَتْ به منطقتنا. وقد جرّ علينا ذلك، وما يزال، عشرات النزاعات التي يستغلها المغرِّضون ليؤجّجوا نارها ويعيدوا إضرامها كلما بدا انها على وشك الخمود. ولا حاجة بنا إلى القول إن مئات آلاف الضحايا قد سقطوا في عالمنا العربي وفي المنطقة المجاورة نتيجة لذلك في خلال العقود الماضية. فهل من طريقة لوقف هذه المأساة المتمادية؟ وهل من دواء ناجع يمكن ان يشفي المتطرفين من عطشهم إلى القتل ودائما باسم الرسالات السماويّة؟

  الحقيقة أن المسألة بحاجة إلى المزيد من العقلانيّة والصبر وحسن تدبّر ما جاءت به الكتب السماوية نفسها، وليس ما علق بها من تفسيرات واجتهادات هي في غالب الأحيان، ثمرة مصالح شخصيّة عمد المنتفعون منها إلى تسخير النصوص الدينيّة لخدمة مآربهم الشخصية.  والأمثلة على ذلك أكثر من ان تُعَدّ، لذلك لا حاجة بنا إلى الدخول في متاهاتها.

  وقد تكون مؤسّسة “رسالة السلام ” واحدة من أبرز الهيئات العقلانيّة التي تعمل، بروح علمية مدروسة، على مكافحة التطرّف الديني وعلى إظهار الحقائق الروحية بكل وضوح، إستنادًا إلى النصوص الدينية نفسها، ومن دون الحاجة إلى التفاسير الشخصانيّة، وذلك على هدي القاعدة الذهبيّة التي تقول أنه لا حاجة للإجتهاد في حال وجود النص!

  ويبدو أن هذه الجهود قد بدأت بإعطاء أُكُلِها بدليل أن وفد مجمع الأساقفة الكاثوليك في ألمانيا برئاسة مستشار الفاتيكان ماتياس كوب، قد زار مقرمؤسسة “رسالة السلام ” في القاهرة، ما يوحي بأن هناك قناعة مشتركة لدى الطرفين بالبحث معًا عن نقاط مشتركَة تتعلق بالبُعد الإنساني الذي تركّز عليه كل الرسالات السماويّة.

  ومتى ما علمنا أن مَنْ يقف وراء كل نشاطات “رسالة السلام” منذ عدّة سنوات، هو المفكر العربي علي الشرفاء الحمادي، أدركنا مدى جديّة هذا المشروع الإنساني الناضج الذي تزداد الحاجة الماسّة إليه في منطقتنا يومًا بعد يوم. فالرجل ينطلق من طرح فكريّ واضح المعالم يستند إلى كل ما من شأنه إحياء مبادىء الرحمة والسلام والعدل بين الناس، إلى أي رسالة سماويّة كان انتماؤهم. وهو يؤمن، ومن خلال استناده الراسخ إلى النصوص القرآنيّة وتدبّره لها، إيمانًا راسخًا بأن كل الديانات السماويّة تبشّر بالإخاء الإنساني. ولعلّ أبرزما يستند إليه هو، كما جاء في “سورة النساء”، أن ” المسيح هو كلمة الله وروح منه”.

   وقد تجلى هذا العقل المنفتح عند المفكر علي الشرفاء الحمادي بكل أبعاده الناضجة، في كتابه البالغ الأهمية ” الإسلام يشهد بصحة العقيدة المسيحيّة”، الصادر عن مؤسسة “رسالة السلام”،  بما يقلّص مساحة التنافر المصطنَع بين الديانتين السماويتيْن، ويضاعف من المساحات المشتركة بينهما. وهذا المنطق ليس بغريب عن علي الشرفاء. فكل مسيرته السابقة تثبت أنه رجل حوار وتلاقٍ من الطراز الأول، وقد اكتسبتْ أفكاره هذه سمعة عالمية محترَمَة أوصلت ثمار جهوده إلى الدوائر العالمية بعد أن رسخّتْ نفسها في عالمنا العربي.

  أنه  فكر إنفتاحي يصلح للتأسيس عليه في أيّ حوار مسيحي – إسلامي حقيقي يُراد له فعلآ أن ينجح ويقدم حلولًا ناجعة فلا يبقى مجرّد علاقات عامة بروتوكوليّة تتجلى في لقاءات موسميّة عابرة لا تترك أي أثر فعلي ملموس على صعيد العلاقة بين أبناء الديانتيْن. فالمطلوب التركيز على الإنسان، كل إنسان وكلّ الإنسان. وهذا ما يقوم به المفكر علي الشرفاء الحمادي من خلال مؤلفاته جميعًا ومن خلال نشاطات مؤسسة “رسالة سلام” التي تجسّد أفكاره وكلّ تطلعاته.

  كم نحن بحاجة، في هذه الأزمنة الصعبة، إلى مثل هذا العقل الناضج! 

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *