العلامة محمد خليل الباشا: حارس الذاكرة الذي علّمني كيف أقرأ الحياة
فاروق غانم خداج
كانت الكلمة التي استوقفتني يومها ولم تفارق ذاكرتي: العلّامة. في زمنٍ باتت فيه الألقاب تُمنح بسهولة، بدت هذه الكلمة نادرة، لا تُقال إلا لمن تجاوز حدود الاختصاص إلى رحابة المعرفة. كنتُ في السادسة عشرة، على مشارف إنهاء المرحلة الثانوية، حين سمعت أستاذ اللغة العربية يتحدث عن رجلٍ يختلف عن سواه: محمد خليل الباشا. لم يكن يقدّمه ككاتبٍ أو مؤرخٍ فحسب، بل كحالةٍ معرفية متكاملة، كرجلٍ نذر عمره لتوثيق ما يوشك النسيان أن يبتلعه.
لم تكن الحصة يومها درسًا منهجيًا، بل درسًا في الشغف. تحدّث الأستاذ عن مشروعه التوثيقي، عن كتبه التي تحفظ سير الرجال والنساء، وعن ذاكرةٍ كادت تضيع لولا جهده. كنتُ بطبعي أميل إلى الصمت، لكن شيئًا في داخلي استيقظ. لم يكن الفضول وحده، بل إحساسٌ بأن هذا الاسم يخبئ وراءه معنى أعمق من مجرد مؤلف، وأن في سيرته ما يستحق أن يُتبع لا أن يُسمع فقط، بل أن يُقتفى أثره.
عدتُ إلى مكتبةٍ قريبة من ثانويتي في مدينة عاليه، وسألت عن كتبه. أخرج لي صاحبها مجلداتٍ كبيرة، ثقيلة كأنها تحمل أوزان الزمن نفسه. تصفحتُ صفحات معجم أعلام الدروز في لبنان، فرأيت أسماءً وسيرًا تتنفس من بين السطور. لم تكن كتبًا تُقرأ بسرعة، بل عوالم تُسكن. كانت غالية الثمن بالنسبة لطالبٍ مثلي، لكنني قررت أن أدّخر، أن أؤجل رغباتٍ صغيرة في سبيل اقتناء معرفةٍ تبقى. شعرت أن امتلاك كتابٍ من هذا النوع ليس شراءً، بل انخراطٌ في مشروع ذاكرة طويل، والتزامٌ صامت تجاه المعنى.
وما زلت أذكر كيف كنت أعود إلى تلك الكتب في الليل، أفتحها ببطء، وأشعر أنني لا أقرأ أسماءً فقط، بل ألامس حياةً كاملة تُستعاد من العدم. كان في ذلك النوع من القراءة شيء يشبه التأمل، كأن الصفحات ليست ورقًا، بل طبقات من الزمن تُزيح بعضها بعضًا في صمت.

بعد أسابيع، أخبرنا أستاذنا أننا سنزور الرجل نفسه. قال ذلك ببساطة، لكنني شعرت أنني على موعد مع شيءٍ سيبقى في الوجدان. ذهبنا مجموعةً من الطلاب، وكان في صوته ما يوحي بعلاقةٍ أعمق من مجرد معرفة، كأننا ندخل إلى مساحة فكرية لا إلى زيارة عادية.
لا أذكر تفاصيل المكان بدقة، لكنني أذكر اللحظة التي فُتح فيها الباب. وقف أمامنا رجلٌ هادئ الوقار، عميق النظرة، يشبه العلماء كما نراهم في الصور القديمة. تقدّم وصافحنا واحدًا واحدًا بكلتا يديه، مصافحةً تحمل احترامًا صادقًا، كأنه يسلّم على فكرة العلم فينا قبل أن يسلّم علينا نحن. في تلك اللحظة، شعرت أن المسافة بين الأستاذ والتلميذ ليست سلطة، بل مسؤولية مشتركة تجاه المعرفة.
جلسنا، وبدأ يتحدث. لم يكن خطيبًا، بل مربّيًا يزرع الفكرة بهدوء. قال إن العلم واسع، وإن على الإنسان أن يعرف شيئًا من كل شيء، كما كان يفعل الفلاسفة. لم يدعُ إلى التشتت، بل إلى الاتساع، إلى أن لا يضيق العقل بما يحب.
قال أحد الزملاء إنه يقرأ المتنبي، فابتسم وقال: اقرأه وسواه لتدرك قيمته. لا تكتفِ بالقليل. ثم أضاف: إن المال قد يحدّ الإنسان، أما العلم فكلما ازداد اتسع، لا ليملك أكثر، بل ليكون أكثر.
الأول يُحصي ما تملك، والثاني يُغيّر ما تكون.
وحين سُئل عن اللغة، قال: اقرأ سيبويه. وعن التراث، ذكر شكيب أرسلان. وعن الشعر، أشار إلى الفرزدق. لم تكن الأسماء مجرد إحالات، بل خرائط معرفة تمتد من الجذور إلى الحاضر، وتربط القديم بالجديد في انسجام نادر، وكأن المعرفة عنده شبكة واحدة لا تتجزأ.
وعندما طُرح سؤال عن قلة حضور الشاعرات، قال بهدوء: إن دور النساء أكبر مما نظن، فهنّ أصل التربية وبداية الوعي، وهنّ من يصنعن خلف الأسماء العظيمة جذورها الأولى، في صمتٍ لا يقل أثرًا عن أي خطاب.
قبل أن نغادر، قدّم لي نسخة من كتاب القول الفصل في رد العامي إلى الأصل للأمير شكيب أرسلان، الذي حققه بنفسه، وقال: هذه هديتي لك. احتفظت بالكتاب كما يُحتفظ بذكرى لا تُستعاد، بل تُحفظ، وكأنها بداية طريق لا نهاية له.

كان ذلك اللقاء أول احتكاك حقيقي لي بعالمٍ يتجاوز حدود المدرسة، ويحوّل المعرفة من مادة إلى تجربة حياة.
مرت السنوات، وأصبحتُ مدرسًا. التقيت شعراء وباحثين ومؤرخين، لكلٍ منهم مكانه ولقبه. لكن كلمة علّامة بقيت نادرة، وكأنها انسحبت من زمننا بهدوء. أدركت أنها لا تُمنح لكثرة ما نعرف، بل لاتساع ما نفهم، وقدرة العقل على جمع المتفرق في رؤية واحدة.
هكذا بدا لي محمد خليل الباشا: لم يكن ابن حقلٍ واحد، بل كان يتنقل بين اللغة والتاريخ والتحقيق والترجمة، بل حتى في موضوعات تبدو بعيدة كعلم النحل، كأن المعرفة عنده لا تُجزّأ بل تُعاش. لم تكن الوظيفة عنده إلا وسيلة، أما الوجهة فكانت دائمًا المعرفة.
فقد تولّى إدارة اليانصيب الوطني اللبناني بين عامي 1966 و1980 برتبة مدير عام، وعمل في التدريس، وتابع دراساته في المعهد العالي للدراسات الشرقية والجامعة الأميركية في بيروت حتى نال شهادته سنة 1954، وأسّس وأدار مؤسسات اقتصادية وإدارية متعددة، متنقّلًا بين الإحصاء والارتباط ومراقبة الشركات ومجالات الاستثمار.
لم تكن هذه المواقع وظائف عابرة، بل خبرة دولة صاغت شخصيته ومنحت مشروعه التوثيقي صرامةً وعمقًا نادرين. رجلٌ جمع بين دقة الإدارة واتساع المعرفة، حتى صار مرجعًا في الحفظ والتوثيق، وواحدًا من الذين يعملون بصمت ليبقى ما هو أوسع من الأفراد: الذاكرة.
رحل عام 2009 بعد مسيرة طويلة في خدمة الذاكرة، لكنه لم يغادرها. بقي في كتبه، وفي كل اسمٍ أنقذه من النسيان.
وفي كل قارئ تعلّم منه أن المعرفة ليست امتلاكًا بل تحوّلًا.
وأن الذاكرة ليست أرشيفًا، بل مقاومة صامتة ضد الفقد.
اليوم، كلما فتحت كتابًا، أعود إلى تلك الجملة الأولى: العلم كثير. وأفهم أن الدرس لم يكن في ما قيل، بل في الطريقة التي يُقرأ بها العالم: ببطء، بعمق، وبإيمانٍ أن ما يستحق أن يُعرف، يستحق أن يُعاد اكتشافه دائمًا، وأن الحياة نفسها ليست إلا محاولة دائمة لفهم ما لا يُختصر.
*كاتب لبناني وباحث في الأدب والفكر الإنساني



