حين يتفوّق السلاح على العقلنة
د. زهيرعلامة
ما الذي يدفع هذا العالم، بكل ما بلغ من علمٍ وتقدّمٍ وادّعاء حضارة، إلى أن يكدّس هذا الكمّ الهائل من الأسلحة التدميرية، وأسلحة الدمار الشامل، وكأنه لا يثق إلا بالموت حارسًا لمصالحه، ولا يرى في السلام إلا هدنةً مؤقتة بين حربين؟
أيّ عقلٍ هذا الذي يكتشف الدواء بيد، والشفاء بيد، ويصنع الفناء باليد الأخرى؟
وأيّ ضميرٍ ذاك الذي يتحدّث عن الإنسانية في المؤتمرات، ثم يوقّع في الغرف المغلقة صفقات السلاح، ويبارك ميزانيات الخراب، ويمنح الشرعية لسباقات الجنون؟
إنّ السؤال لم يعد: لماذا تقوم الحروب؟
بل: لماذا العالم يُدار أصلًا بعقلية الحرب؟
لماذا باتت القوة هي اللغة الوحيدة التي يفهمها الكبار، وأصبحت الحكمة والعقلنة تبدو كأنها ضعف، والرحمة كأنها ترف، والضمير كأنه عبءٌ زائد في حسابات الدول والمنظمات؟
الحقيقة المرّة أنّ البشرية، رغم كل ما تدّعيه من رقي، لم تتحرّر بعد من غرائزها الأولى. غيّرت ثيابها، وطوّرت أدواتها، ورفعت شعارات براقة عن السلام والعدالة وحقوق الإنسان، لكنها في العمق ما زالت أسيرة الخوف والطمع والهيمنة.
فالخوف يُنتج السلاح، والطمع يضاعف إنتاجه، والهيمنة تمنحه الشرعية، ثم يأتي من يلبسه ثوب “الردع” و”حفظ التوازن” و”الدفاع عن المصالح”، فتُصبح الكارثة سياسة، ويُصبح الاستعداد للفناء نوعًا من العقلانية الدولية.
ما أكثر ما سمع العالم من كلماتٍ كبيرة عن السلام، وما أقلّ ما رأى من أفعالٍ تصونه.
فالسلام عند كثير من القادة ليس قيمة أخلاقية، بل فترة لإعادة التموضع.
والإنسان في ميزان المصالح ليس دائمًا إنسانًا، بل رقمًا، وخسارةً جانبية، وصورةً عابرة في نشرة الأخبار.
أما المدن المدمّرة، والأطفال الذين يُنتشلون من الركام، والأمهات اللواتي يشيخن في لحظة، فكل ذلك كثيرًا ما يُرحّل إلى الهامش، لأنّ المركز مشغول بحساب النفوذ، وتوازنات الردع، وتقاسم الخرائط، وتوزيع الحصص.
وأين الحكماء؟
أين أولئك الذين يفترض أن يقفوا في وجه هذا السيل الأسود من الجنون؟
أين القادة الذين يعرفون أن عظمة الأمم لا تُقاس بما تملك من صواريخ، بل بما تحفظه من كرامة الإنسان؟
أين العقول الكبيرة التي تدرك أن الدولة التي تخيف العالم ليست بالضرورة دولة عظيمة، وأنّ القوة التي لا يضبطها ضمير تتحوّل، مهما تجمّلت، إلى شكلٍ من أشكال الهمجية الحديثة؟
لقد صار العالم، في كثير من مشاهده، يتيم الحكمة.
فالكبار يتحدثون عن الأمن، لكنهم يصنعون أسبابه المسمومة.
ويتحدّثون عن القانون الدولي، ثم يثقبونه كلما تعارض مع مصالحهم.
ويتحدّثون عن الشرعية، لكنهم يوزّعونها على مقاس القوة لا على ميزان الحق.
وهكذا يشعر الإنسان البسيط، في كل مكان، أنّ العالم لا تحكمه العدالة بل موازين البطش، ولا تقوده الضمائر بل غرف المصالح، ولا يحرسه الحكماء بل خبراء إدارة الأزمات بعد افتعالها.
ومن يقرأ التاريخ جيدًا، يدرك أنّ الحروب العبثية ليست استثناءً عابرًا، بل تكاد تكون أحد أكثر الثوابت سوادًا في المسيرة البشرية.
حروب تبدأ بشعار مجيد وتنتهي بمقبرة واسعة.
حروب تُخاض باسم الشرف، أو الأمن، أو المجد، أو العقيدة، أو التحرير، ثم لا تخلّف في النهاية إلا الخراب، والمرارة، وأجيالًا تحمل ندوبًا لا تراها الخرائط.
كم من إمبراطورية عبرت فوق جماجم الأبرياء ثم سقطت، وكم من قائدٍ ظنّ أنّ النار التي أشعلها ستبقى تحت سيطرته، فإذا بها تلتهمه وتلتهم من حوله.
المأساة ليست فقط في وجود الشر، فالشر قديم قدم الإنسان،
بل في أن يُنظَّم الشر، ويُقنَّن، ويُموَّل، ويُدار بعقولٍ باردة، ثم يُقدَّم للناس على أنّه ضرورة سياسية.
وهنا تبلغ الحضارة أقصى مفارقاتها:
أن يكون الإنسان قادرًا على بلوغ القمر، وعاجزًا عن كبح شهوة التدمير في داخله.
أن يبني أعقد الأنظمة الاقتصادية والتكنولوجية، لكنه يفشل في بناء نظام أخلاقي عالمي يضع قيمة الإنسان فوق قيمة المصالح.
أن يعرف تفاصيل الجينات والخلايا والكون، لكنه لا يعرف بعد كيف ينتصر على وحشه الداخلي.
إنّ هذا الجشع الذي يملأ عقول كثير من القادة وقادة المنظمات ليس مجرد عيبٍ شخصي، بل هو انعكاس لبنية عالمية اختلّ فيها الميزان.
عالمٌ يكافئ الأقوى لا الأعدل، والأكثر نفوذًا لا الأكثر حقًا، والأقدر على التخويف لا الأقدر على البناء.
وفي مثل هذا العالم، يصبح السلاح استثمارًا، والحرب مشروعًا، والدم مادة تفاوض، وتغدو الحقيقة نفسها ضحيةً أولى قبل أن تبدأ المعركة.
ومع ذلك، لا يجوز أن نستسلم لفكرة أنّ الشر قدرٌ نهائي، أو أنّ البشرية محكومة إلى الأبد بمنطق القتل.
فكل حضارة لا يردعها ضميرها تسقط، ولو امتلكت ما امتلكت من أسباب القوة.
وكل نظام دولي لا يُقيم وزنه على العدالة، إنما يؤجّل انفجاره ولا يمنعه.
وكل قائد يظن أنّ فائض القوة يغنيه عن الحكمة، يكتشف متأخرًا أنّ التاريخ لا يرحم الغطرسة، وأنّ الأمم لا تُخلّد بالخوف الذي تزرعه، بل بالأمان الذي تمنحه.
نحن لا نحتاج إلى مزيد من السلاح بقدر ما نحتاج إلى إعادة تأهيل الضمير الإنساني.
لا نحتاج إلى قممٍ جديدة تُلقي الخطب، بل إلى شجاعة أخلاقية حقيقية تعترف بأنّ العالم وصل إلى لحظة صار فيها امتلاك وسائل الفناء أسرع من امتلاك حكمة النجاة.
نحتاج إلى قادة يعرفون أنّ البطولة ليست في القدرة على الضغط على الزر، بل في القدرة على منع الوصول إليه.
نحتاج إلى من يذكّر هذا العالم بأنّ الطفل الذي يُقتل في حربٍ لا يفهم خرائط النفوذ، وأنّ الأم التي تنتظر ابنها تحت القصف لا يعنيها من انتصر سياسيًا، وأنّ الإنسان، أيّ إنسان، يجب أن يبقى القيمة الأعلى، لا التفصيل الأقل.
فكم من الحروب خيضت عبر التاريخ بلا معنى حقيقي إلا غرور القوة؟
وكم من الحروب تُخاض اليوم بالعبث نفسه، وإن تغيّرت الأسماء والذرائع؟
وكم من دمٍ سيسيل بعد، قبل أن يفهم العالم أنّ الأمن الذي يُبنى على خوف الجميع ليس أمنًا، وأنّ الردع الذي يقوم على احتمال إفناء البشرية ليس حكمة، وأنّ السلام الذي تحرسه الترسانات وحدها سلامٌ أعرج، قابل للسقوط عند أول جنون؟
إنّ السؤال الذي يوجعنا اليوم ليس ساذجًا ولا مثاليًا، بل هو السؤال الوحيد الذي يستحق أن يُطرح في زمنٍ تتقدّم فيه أدوات الموت على أدوات النجاة:
كيف صار الإنسان، وهو الكائن الذي يحمل في داخله قدرة الحب والرحمة والإبداع، عاجزًا إلى هذا الحد عن حماية نفسه من نفسه؟
ربما لأنّ العالم لم يفقد المعرفة، بل فقد البوصلة.
ولم يفقد القوة، بل فقد المعنى.
ولم يفقد القادة، بل فقد كثيرًا من الحكماء.
وحين يغيب الحكماء، ترتفع أصوات السلاح.
وحين تُهمَّش الأخلاق، تتقدّم المصالح كأنها قدر.
وحين يعتاد العالم رؤية الخراب، يصبح الصمت شريكًا في الجريمة.
لهذا، لا بد من تكرار السؤال، لا مرةً ولا ألف مرة، بل ما دام في العالم قلبٌ حيّ:
لماذا كل هذا السلاح؟
لماذا كل هذا الشر المنظّم؟
لماذا كل هذه الحروب العبثية التي تبدأ بشعار وتنتهي بإنسان مسحوق؟
لعلّ خلاص البشرية لا يبدأ من مختبرٍ جديد، ولا من معاهدةٍ تُوقَّع تحت الأضواء، بل من لحظة صدقٍ كبرى تعترف فيها الإنسانية بأنّ أخطر أسلحة الدمار الشامل ليست تلك المخزّنة في الصوامع، بل تلك المزروعة في النفوس حين يتفوّق الجشع على الضمير، والقوة على الحق، والمصلحة على الإنسان.
هذه هي المأساة.
وهنا يبدأ طريق الخلاص.



