سجلوا عندكم

إلى الدكتور وليد الأيوبي شهادةً لما علّمنا إيّاه قبل أن يعلّمنا ما في الكتب

Views: 123

الدكتور روي ج. حرب*

أكتب هذه الشهادة لا بصفتي طالبًا سابقًا فحسب، ولا بصفتي أكاديميًا يعرف قيمة الأستاذ ودوره في بناء الإنسان، بل بصفتي واحدًا من أولئك الذين أتيحت لهم فرصة أن يتعلّموا، في مرحلة دقيقة من حياتهم، درسًا لا يُكتب عادةً في المناهج ولا يُدرَّس في الكتب: أن يكون الإنسان وفيًّا لواجبه، وأن يحترم رسالته، وأن يحضر حين يكون الحضور موقفًا.

تعود بي الذاكرة إلى العام ٢٠٠٦، وهي مرحلة لم تكن عادية في لبنان. كانت البلاد تعيش واحدة من تلك الفترات الثقيلة التي تختلط فيها السياسة بالخوف، وتصبح الأخبار اليومية محمّلة بالقلق، وكانت الاغتيالات والانفجارات والتوترات الأمنية تجعل الإنسان يعيد حساباته قبل أن يخرج من منزله، ولو كانت المسافة قصيرة.

في ذلك الوقت، كنت أتابع دراساتي العليا، وكان الأستاذ الأمير الأيوبي يدرّسنا مادة أساسية ومهمة في مسيرتنا الأكاديمية. وكان يأتي من طرابلس إلى حيث كانت دراستنا، في رحلة لم تكن بالنسبة إليه مجرد انتقال من مدينة إلى أخرى، بل كانت، بالنسبة لنا مع مرور الوقت، درسًا حيًا في الالتزام.

كان موعد المادة يمتد تقريبًا من السادسة مساءً حتى التاسعة. وكان الأستاذ يأتي من طرابلس، في وقت كانت فيه الطرق والأوضاع العامة لا تشجع على المغامرة، ويصل في موعده، بل كثيرًا ما كان يصل قبلنا.

وأذكر جيدًا أننا، نحن الطلاب، كنا أحيانًا نتبادل الكلام قبل المحاضرة:

“اليوم صار انفجار هون…”

“شو بدنا بهالروحة؟”

“المسافة قريبة، بس الوضع مش مطمّن…”

كانت تلك الأسئلة طبيعية في زمن غير طبيعي.

أما هو، فكان يأتي.

يأتي في موعده.

يأتي بهدوئه.

يأتي بثباته.

يأتي وكأن لا شيء يمكن أن ينتقص من قدسية الموعد الذي قطعه مع طلابه.

قد يبدو الأمر، للوهلة الأولى، تفصيلًا بسيطًا: أستاذ يحضر إلى صفه. لكن بعض التفاصيل الصغيرة تصبح عظيمة حين نضعها في سياقها الصحيح. فالالتزام في الظروف العادية فضيلة، أما الالتزام حين تكون الظروف صعبة، فهو موقف أخلاقي.

وهذا تحديدًا ما تعلّمناه منه.

لم نتعلم منه المادة وحدها، على أهميتها. ولم تكن القيمة الحقيقية لتلك المرحلة محصورة في المعلومات التي تلقيناها منه، أو في المفاهيم التي درسناها، أو في المعرفة الأكاديمية التي أضافها إلى مسيرتنا. لقد تعلمنا منه شيئًا أعمق بكثير: أن العمل رسالة، وأن رسالة التعليم لا يجوز أن تتوقف عند أول عقبة.

كان يستطيع أن يجد ألف سبب لعدم الحضور، لكنّه اختار أن يحضر. وهنا تكمن قيمة الحكاية، فبعض الناس يعلّمونك بالكلام، وبعضهم يعلّمونك بالسلوك. والأستاذ الحقيقي هو الذي تصبح أفعاله امتدادًا لما يقوله في قاعة الدرس.

لقد علّمنا، من دون أن يعظنا، أن الواجب لا يُقاس بسهولة أدائه، بل بمدى تمسّك الإنسان به حين يصبح أداؤه صعبًا.

ومن يعرف الأستاذ الأمير الأيوبي، أو تعامل معه عن قرب، يدرك أن هذه الواقعة لم تكن حادثة منفردة في شخصيته، بل كانت انعكاسًا لطبيعته الإنسانية والمهنية.

فمن أبرز ما يميّزه الاحترام.

احترامه للآخرين ليس مجاملة اجتماعية عابرة، بل أسلوب في التعامل. يحترم الإنسان أمامه، ويحترم وقته، ويحترم رأيه، ويحترم موقعه، حتى عندما يختلف معه. وهذا النوع من الاحترام نادر، لأنه لا يصدر عن خوف أو مصلحة، بل عن تربية داخلية راسخة.

ثم هناك الاتزان.

وفي زمن تكثر فيه الانفعالات، ويصبح الصخب أحيانًا وسيلة لإثبات الحضور، يبدو الإنسان المتزن أكثر قوة. والأستاذ الأمير الأيوبي من أولئك الذين لا يحتاجون إلى رفع الصوت كي يُسمَعوا، ولا إلى المبالغة كي يثبتوا حضورهم. لديه هدوء الواثق، وحضور من يعرف نفسه وموقعه وما يريد أن يقول.

ومن صفاته التي تركت أثرًا واضحًا في الذاكرة هي الثقة بالنفس.

ليست الثقة بالنفس عنده استعراضًا ولا غرورًا، بل هي تلك الطمأنينة الداخلية التي تجعل الإنسان قادرًا على الوقوف في مكانه من دون أن يحتاج إلى إقصاء الآخرين. ثقة هادئة، رصينة، لا تحتاج إلى إعلان نفسها؛ يكفي أن تراها في طريقة حديثه، وفي حضوره، وفي تعامله مع الناس، وفي ثباته أمام الظروف.

أما الأصالة، فهي ربما من أكثر الصفات التي يصعب تقليدها.

الأصيل لا يحتاج إلى أن يتقمص شخصية غيره. يبقى كما هو، لأن جذوره ثابتة. وفي الأستاذ الأمير الأيوبي شيء من هذه الأصالة: في لغته، وفي حضوره، وفي نظرته إلى الناس، وفي علاقته بالعلم، وفي احترامه للمهنة. تشعر أمامه أنك أمام شخصية تكوّنت عبر سنوات طويلة من المعرفة والتجربة والقيم، لا أمام صورة مصطنعة صُنعت لتناسب مناسبة أو مرحلة.

وهناك أيضًا الكِبَر، بمعناه النبيل: كِبَر النفس، لا التكبر.

ذلك الكِبَر الذي يجعل الإنسان كريمًا في حضوره، واسعًا في نظرته، قادرًا على تجاوز الصغائر. فالكبير حقًا ليس من يجعل الآخرين يشعرون بصغره أمامه، بل من يجعلهم يشعرون بقيمتهم إلى جانبه.

ولعل أجمل ما في هذه الصفات كلها أنها لم تكن منفصلة عن مهنة التعليم.

فالأستاذ، في المعنى العميق للكلمة، ليس موظفًا ينتهي دوره بانتهاء ساعات الدوام، وليس ناقلًا للمعلومات من كتاب إلى طالب. الأستاذ الحقيقي يترك أثرًا في شخصية الطالب، في نظرته إلى العمل، وفي مفهومه للمسؤولية، وفي علاقته بالعلم، وفي طريقة تعامله مع الحياة.

وهذا ما أستطيع أن أشهد عليه.

بعد مرور سنوات على تلك المرحلة، قد لا أتذكر كل تفاصيل المادة التي درستها، وقد تتراجع بعض المعلومات أمام زحمة الحياة وتراكم التجارب، لكنني ما زلت أتذكر الأستاذ الذي كان يأتي من طرابلس مساءً، في ظروف كان يمكن أن تبرر غيابه، ويصل إلى الصف في الموعد، وأحيانًا قبلنا.

هذه الصورة بقيت، وبقي معنا معناها.

ففي النهاية، التعليم الحقيقي ليس فقط ما يبقى في الذاكرة من صفحات ومواد، بل ما يتحول إلى قيمة نعيش بها.

ولذلك، حين أتذكر تلك المرحلة، أقول إنني لم أتعلم من الأستاذ الأمير وليد الأيوبي مادةً أكاديمية فحسب؛ تعلمت منه أن هناك فرقًا بين أن تؤدي عملك، وأن تكون مؤمنًا برسالتك.

***

*تربوي وكاتب ومؤلف وإعلامي لبناني، يجمع في مسيرته المهنية بين الإدارة التربوية والتعليم والكتابة والإنتاج الفكري والإعلامي.

*الدكتور الأمير وليد جميل الأيوبي: نبذة عن السيرة الذاتية الأكاديمية والمهنية والسياسية

+ مرشح التغيير لرئاسة الحكومة اللبنانية. 

+ ناشط في المجتمع المدني في لبنان وكندا منذ أكثر من ثلاثين عاما…وهو مؤسس حركة “ثورة بلا حدود” وأمينها العام.

+ مرشح لمنصب عميد كلية الحقوق والعلوم السياسية والإدارية في الجامعة اللبنانية.

+ مرشح لمنصب عميد المعهد العالي للدكتوراه في الحقوق والعلوم السياسية والإدارية والاقتصادية في الجامعة اللبنانية.

+ مرشح سابق لمنصب سفير لبنان لدى منظمة الأمم المتحدة للتربية والتعليم والثقافة (الأونيسكو)

+ مرشح سابق لمنصب مدير كلية الحقوق والعلوم السياسية والإدارية في الجامعة اللبنانية (الفرع الثالث)

+ أستاذ العلوم السياسية في ملاك الجامعة اللبنانية.

+ لديه أكثر من ثلاثين سنة من الخبرة في مجال التعليم والبحث العلمي الجامعي.  

+ حائز على رتبة الأستاذية من الجامعة اللبنانية (كلية الحقوق والعلوم السياسية والإدارية)

+ ترأس قسم العلوم السياسية والإدارية في الجامعة اللبنانية (الفرع الثالث)

+ شغل سابقا منصب عضوية مجلس الفرع الثالث في كلية الحقوق والعلوم السياسية والإدارية.

+ يشغل حاليا منصب عضو اللجنة العلمية في المعهد العالي للدكتوراه في الحقوق والعلوم السياسية والإدارية والاقتصادية في الجامعة اللبنانية.

+ حائز على شهادة الدكتوراه في العلوم السياسية من كلية الدراسات العليا في جامعة مونتريال-كندا

+ حائز على شهادة الماستر في الإدارة العامة من جامعة مونكتون-كندا

+ حائز على شهادة الباكالوريوس في العلوم السياسية والاقتصادية من جامعة مونتريال-كندا

+ في رصيده عددا لا حصر له من المحاضرات العلمية، والمداخلات الإعلامية المتخصصة، وقد أشرف أكاديميا على العديد من البحوث الأكاديمية في العديد من الصروح الجامعية العامة والخاصة، داخل لبنان وخارجه، ونشر العديد من الكتب والدراسات، ولديه العديد منها قيد النشر، وتتمحور اهتماماته البحثية حول علم الدولة وعلم الجيوبوليتيكا.

+ من أبرز القضايا السياسية الوطنية والقومية، الإقليمية والدولية، المنشورة وغير المنشورة، التي تناولها الكاتب: كتاب عن الدولة الحديثة والنظام السياسي اللبناني والطريق الثالث؛ جماعات الضغط؛ الإصلاح الإداري؛ الخصخصة؛ الجامعة اللبنانية؛ اللامركزية الإدارية؛ النزوح السوري في لبنان؛ تفجير مرفأ بيروت؛ التنمية العربية؛ المسألة الشرقية؛ الصراع الدولي على الطاقة؛ الإسلام السياسي؛ السياسة الخارجية الأميركية…ومؤلف يناهز 900 صفحة يتناول فيه الكاتب سيرته الذاتية من المنظور البوليتيولوجي؛ إضافة الى عدد لا حصر له من المقالات المتخصصة في المسائل السياسية والإدارية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية…المحلية والإقليمية والدولية…

 

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *