زهرةٌ خارج السّياج: جماليّة الرّؤيا المتمرّدة عند يوسف رِقّة في «زهور بريّة على كوكبٍ غامض »
فاتن مرتضى
يوسف رِقّة ليس مجرّد شاعرٍ يخطّ الكلمات، بل هو حارسُ ضوءٍ ومخرجٌ بارع، يدركُ بحدسهِ كيف يحوّل عتمةَ الورق إلى خشبةٍ تتجلّى عليها رقصةُ الرّؤيا الكبرى. في ديوانه «زهورٌ بريّة على كوكب غامض»، لا يسكن الحبرُ السّطور، بل ينبض كعِرقٍ أخضر يركض ويتعثّر ويقوم، مثل كائنٍ أزليّ يفتّش عن ملامح وجهه في مرايا الزحام الكونية. هنا، لا تُقرأ القصيدة كفعلٍ عابر، بل تُعاش كحالةِ انبثاقٍ بصرية وروحية، كأنّها مشهدٌ يتخلّق في جوفِ العتمة قبل أن يصطفيه الضوء.
تبدأ الرّحلة من عتبة العنوان؛ ذاك التركيب الذي يزاوج بين رهافة الزهرة واتساع المجهول. حين يصف رِقّة زهورَهُ بـ«البريّة»، فهو لا يمنحها نعتًا جماليًا، بل يُطلقُ صرخةً وجوديّة حادّة ضد التدجين والقوالب الجاهزة. إنها زهرةٌ تعلنُ “مانيفستو” التمرّد في وجه الحديقة:
«أنا زهرةٌ بريّةٌ / لا تعترفُ بالحدائقِ / ولا باليدِ التي تقطفُها / أنا ابنةُ الرّيحِ.. / وسرُّ الأرضِ في انفلاتِها».
بهذا الانفلات، تخرج الزهرة من إطار الزينة لتصير كيانًا حرًا يختار الرّيح وطنًا ، ويؤثر فوضى الحياة الأولى على هندسة الأسوار.
أما «الكوكب الغامض» فليس إلا استعارةً للذات في اغترابها النبيل، تلك التي تفضّل دهشة المجهول على طمأنينة المعلوم، وتجعل من الغموض خيارًا معرفيًا لا عجزًا تعبيريًا، فما الغموض هنا إلا مساحةً تأملٍ شفيفة، لا ضبابًا يحجب الرّؤية بل كوكبًا يُعاد اكتشافه:
«على كوكبي الغامض.. لا مرايا تشبهُ وجوهَنا، الصمتُ هناكَ إضاءةٌ خافتة، والكلامُ ظلٌّ يطاردُ أصحابَه؛ كأنّما الحقيقةُ لا تنكشفُ إلا حين تكفُّ اللغةُ عن صراخِها، لتبدأَ الرّوحُ في قراءةِ ما لم يُكتب».



