أنور سلمان في ذكراه العاشرة لا يموت الشعر ولا الغناء ولا العلياء

Views: 243

سليمان بختي

في الذكرى العاشرة لرحيل الشاعر أنور سلمان ١٩٣٨-٢٠١٦، لا نتذكره هنا بقدر ما نستعيده تجربة وسيرة،  ونستعيد صورة الشاعر في اهابه ورقته، كأنه لم تغادر قصيدته الخاطر والوجدان ولم يعبر الشارع إلى مصيره والحتف. ولكن أنور سلمان عاش حياته مثل قصيدة تريد أن تلتف إلى ذاتها بصمت من يرى أن الصدفة لا تحتاج   لغير الماء والزمن لتصنع اللؤلؤة.

أدرك أنور سلمان منذ البداية أن الشعر تبريه حاجة القول، رقته وانغماسه، انغماسه طويلا في ماء القلب، لذلك احتمى سلمان طويلا بقنطرة الحب ليظل عليلا ، عليلا من الرقة. وما بين الزهو والشدو يحضر الغناء من قلب الكلام،  وكانه أول الكلام  بل أول الوجود. لم تغرنه الأسطورة ولا الرمز ولا فصاحة الخطاب ولا استعراض اللغة بل كان يذهب إلى قصيدته بلغة الناس ، لغة الحياة ، لغة الاحساس الانطباعي الاول. فلا عجب إذن أن يكون أنور سلمان شاعر المختصر المفيد مسابقا اللفظ على المعنى ، وشاعر السهل الممتنع ، وشاعر الحداثة المبنية على أسس متينة شكلا ومضمونا. لذلك عندما سئل غير مرة في حوار مع جريدة “النهار”  عام ١٩٩٥:” أين أنت من الشعر الكلاسيكي والشعر الحديث؟ وأين أنت بينهما تأثرًا  وقراءة؟”

 أجاب:”بين حداثة لا ترى في ملامحها القصيدة وبين كلاسيكية مراياها لم تعد مضيئة . أنا مع الشعر الحديث”. ولا عجب أن يطلق عليه الشاعر شوقي بزيع لقب “شاعر الكلاسيكية الحديثة واحد روادها الكبار”.

وفي ظني أن أنور سلمان مع القصيدة التي تنجو ومع الشعر الذي ينفذ إلى القلب بلا مدارس ولا تصنيفات، وأنه مع التحرر والحداثة بلا جلبة او صخب أو هجنة.

 

جاء أنور سلمان إلى الشعر من اكثر من انغماس واحد في الحياة. مارس التعليم والصحافة ، كما عمل في لجنة مراقبة النصوص الشعرية في الإذاعة اللبنانية. وكان من الهيئة المؤسسة لمجلس المؤلفين والملحنين ، وكان عضوًا في الهيئة الإدارية في اتحاد الكتاب اللبنانيين لعدة مرات. انضم عام ١٩٥٩ الى حلقة الثريا مع شوقي أبي شقرا وإدمون رزق وجورج غانم وميشال نعمة وغيرهم . جاء إلى حلقة الثريا حائزًا جائزة مارون عبود، واذكر أني سألتُ الشاعر الراحل شوقي ابي شقرا ١٩٣٥-٢٠٢٤ عن تجربة أنور سلمان ودوره في الثريا، فقال:” عندما وفد أنور سلمان إلى حلقة الثريا كنتُ في طريقي إلى مجلة شعر إلى المغامرة . ولكن انور بقي الصديق المرهف،  وشعريًا كان الاكثر غنائية في جيله والأكثر تماسكًا في بناء القصيدة”.

 والحال أن شعر أنور سلمان لجهة غنائيته لطالما تميز بكثافة العاطفة وبالدفقة الشعورية ورقتها وبقوة الايقاع في القصيدة، مما دفع العديد من كبار المطربين والمطربات في لبنان والعالم العربي إلى الغرف من شعره، ونذكر:

-نشيد الفداء: غناء وألحان فريد الأطرش.

-عيناك ليال صيفية :غناء ماجدة الرومي وألحان جمال سلامة.

-عودة البحار:غناء ماجدة الرومي وألحان جمال سلامة.

-لم أعد ذاكرًا عهود هوانا: غناء فائزة أحمد وألحان محمد سلطان.

-لا أريد اعتذارًا :غناء سمية بعلبكي وألحان إحسان المنذر.

-الحب فنون:غناء وائل كفوري وألحان وجدي شيا .

-نشيد الورد والشمس: غناء باسكال صقر وألحان وجدي شيا .

-حمل البندقية: تحية الى الجيش اللبناني غناء جوزف عازار.

-عيناك وطني: غناء سمية بعلبكي وألحان نشأت سلمان.

وقد نالت هذه الأعمال العديد من الجوائز نذكر منها:

  • جائزة الميكروفون الذهبي لقصيدته لا أريد اعتذارًا.
  • جائزة أفضل نص شعري غنائي في مهرجان القاهرة .
  • جائزة مهرجان القاهرة الدولي للغناء  ١٩٩٧ لقصيدته “أحلى الحلوات” غناء محمد العتر وألحان وجدي شيا.
  • درع مهرجان الرواد العرب عن شعر الأغنية العربية ، القاهرة ١٩٩٩.

وله في المؤلفات الشعرية:

  1. “اليها” ١٩٥٩.
  2. “سميته الملك الآتي” صوتي ١٩٨٦.
  3. “بطاقات ملونة لزمن بلا اعياد” ١٩٩٥.
  4. “ابحث في عينيك عن وطن” ٢٠٠٤.
  5. “حبك ليس طريقي الى السماء” (شعر وموسيقى سي دي)٢٠٠٤.
  6. “القصيدة امراة مستحيلة” ٢٠٠٨.

صدر بعد وفاته كتاب “مرايا الاحلام الهاربة ” نصوص حرة ٢٠١٦.

عدا البرامج الأدبية والاجتماعية المسجلة إذاعيًا مثل “مشوار بعد الغروب ” و”اشرعة بلا مرافىء” و”اوراق من دفتر الليل”.

كما صدرت أعماله الكاملة عام ٢٠١٨ وتُرجمت مختارات من أشعاره إلى الانكليزية والألمانية.

 

يقول انور  سلمان  في كتابه “أبحث في عينيك عن وطن”:”أكتب اسمك فوق النار/ فوق الورد/ فوق الغار/ أكتبه فوق مرايا الشمس/ وفوق جباه  الاحرار/”.

هكذا في القصيدة الواحدة يمتزج الحب والحرية والجمال والوطن، وفي الوقت عينه لا انتماء سوى إلى جمال الشعر ورقته وعذوبته وإلى الرأي الصادق في الوطن ، وليس سوى دأب على الحب لا يهدأ ولا يستكين.

 رأيته غير مرة في منزل الشاعر غسان مطر وكان يردد القول الشعري بصمت كأنه يريد أن يرسخه في اعماقه قبل أن يصعد ويعلو وينتشر. قال عنه الشاعر الراحل جوزف حرب:”نحن نقرأ ، أنور سلمان يغني. وفي شعرنا وزن، وفي شعره مقام. قصائدنا كتابة، وقصائده تقاسيم. ونحن مع الكلمة الخطاط وهو معها العازف. في غنائية الشعر العربي مدرسة اسمها المدرسة الشامية من إعلامها البحتري وديك الجن الحمصي ونزار قباني . في هذه المدرسة انور سلمان صاحب كرسي”.

قبل رحيله بعشر اعوام، وفيما يشبه الحدس الثاقب النادر كتب أنور بيتين من الشعر وأودعهما في حقيبة مقفلة موصيًا أن يُنشرا بعد رحيله ، وقد حُفرا على النصب قرب ضريحه:

“إن طال في هذا الوجود بقائي  /ورضيت سكنى عالم الغناء/فأنا اتخذت من التراب مطية/ لتكون منطلقي إلى العلياء /.

من الشعر إلى الغناء إلى العلياء، كأنها خطوة واحدة في طريق النور.

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *