بين دفءِ الأسرة ووحشةِ الشاشة: منال أبو كروم تفتح جرح العصر الهادئ

Views: 573

فاروق غانم خداج

لم تكنِ الندوةُ التي قدّمتها الكاتبةُ والاختصاصيّةُ النفسيّةُ منال أبو كروم مجرّدَ لقاءٍ عابرٍ عن أثرِ وسائلِ التواصلِ الاجتماعيِّ في حياتِنا، بل بدتْ كأنّها محاولةٌ هادئةٌ لفتحِ ذلك الجرحِ الصامتِ الذي يتّسعُ داخلَ البيوتِ الحديثةِ دونَ أن ينتبهَ إليهِ أحد. منذُ اللحظةِ الأولى، شعرتُ أنّ كلامَها لا يخرجُ من كتبِ علمِ النفسِ فقط، بل من تجربةٍ إنسانيّةٍ طويلةٍ مع التعبِ والخوفِ والأسئلةِ التي تتراكمُ داخلَ العائلاتِ بصمتٍ ثقيل. كانت تتحدّثُ عن الميديا والألعابِ الرقميّةِ لا بوصفِها “شرًّا مطلقًا”، بل بوصفِها مرآةً تكشفُ ما يحدثُ في الداخلِ حين يضعفُ الحوارُ، ويبردُ الدفءُ العائليُّ، ويصبحُ الإنسانُ غريبًا وسطَ مَن يحبّهم.

وقد بدا واضحًا أنّ الندوةَ لم تقتصرْ على التحذيرِ التقليديِّ من التكنولوجيا، بل حاولتْ أن تلامسَ السؤالَ الأعمق: لماذا أصبحَ العالمُ الافتراضيُّ أكثرَ قدرةً على جذبِ أبنائنا من العالمِ الحقيقيِّ؟ ولماذا باتَ الطفلُ أو المراهقُ يهربُ إلى الشاشةِ كلّما شعرَ بالوحدةِ أو الفراغِ أو العجزِ عن التعبير؟ يومَها، شعرتُ أنّ القضيةَ ليستْ في الهاتفِ أو اللعبةِ أو المنصّةِ الإلكترونيةِ نفسها، بل في ذلك الفراغِ العاطفيِّ الذي يسمحُ لها بأن تتحوّلَ إلى بيتٍ بديل.

منال أبو كروم

 

في ختامِ الندوة، أهدتني منال أبو كروم نسخةً من كتابِها: «مساواة ولكن… أدوار مبعثرة وأسرة مغيّبة»، الصادر عن دارِ كتابنا للنشر ودارِ الأنام، الطبعةِ الأولى 2025. لم أتعاملْ مع الكتابِ بوصفِه هديّةً عاديّة، بل بوصفِه امتدادًا للأسئلةِ التي بقيتْ معلّقةً في رأسي بعدَ انتهاءِ الندوة. عدتُ إلى المنزل، وبدأتُ قراءتَهُ بتمعّنٍ على امتدادِ ليلتين، وكأنّ كلَّ فصلٍ فيه كان يعيدُ ترتيبَ زاويةٍ من زوايا الفهمِ داخلِي.

الكتابُ، الممتدُّ على أحدَ عشرَ فصلًا تتخلّلُها ملاحقُ نفسيّةٌ وفكريّة، لا يقدّمُ خطابًا صداميًّا بينَ الرجلِ والمرأة، بل يحاولُ أن يفهمَ كيف تحوّلتِ المساواةُ أحيانًا إلى نوعٍ من التماثلِ الجامدِ الذي يُربكُ الأدوارَ بدلَ أن يحقّقَ العدالة. وأكثرُ ما لفتني فيه أنّ الكاتبةَ لا تكتبُ من موقعِ التنظيرِ البارد، بل من موقعِ مَن عاشَ وراقبَ وتأمّلَ طويلًا في هشاشةِ العلاقاتِ الإنسانيّةِ داخلَ الأسرةِ الحديثة.

في فصلِ “المرأة تعاني”، شعرتُ أنّ النصَّ يخرجُ من حدودِ التحليلِ النفسيِّ إلى ما يشبهُ الاعترافَ الإنسانيَّ العميق. لم تكنِ المرأةُ تُقدَّمُ كضحيّةٍ فقط، بل ككائنٍ يحملُ أثقالًا متراكبةً بينَ العملِ والأمومةِ والضغوطِ الاقتصاديّةِ ومحاولةِ الحفاظِ على توازنِ البيت. وبينَ السطور، كان يمكنُ للقارئِ أن يشعرَ بذلك التعبِ الصامتِ الذي لا يظهرُ دائمًا في الكلمات. وربّما لهذا السببِ تحديدًا، عادَ إلى ذاكرتي وجهُ أمّي الراحلة، ووجوهُ نساءٍ كثيراتٍ عرفتهنّ الحياةُ متعباتٍ لكنّهنّ واصلنَ منحَ الدفءِ لمن حولهنّ رغمَ انكساراتِهنّ الداخليّة.

 

أمّا فصلُ “الذكورة والأنوثة”، فكان من أكثرِ الفصولِ قربًا إلى قلبي، لأنّه حاولَ أن يعيدَ النقاشَ إلى سؤالِ الفطرةِ النفسيّةِ لا إلى معاركِ الشعارات. هناكَ شعرتُ أنّ الكاتبةَ تقولُ بهدوءٍ إنّ المشكلةَ ليستْ في التعاونِ أو المشاركة، بل في تحويلِ العلاقةِ بينَ الرجلِ والمرأةِ إلى صراعِ أدوارٍ دائم. وقد نجحتْ في الإشارةِ إلى أنّ الإنسانَ لا يفقدُ توازنَهُ حين يختلفُ عن الآخر، بل حين يُجبرُ على إنكارِ طبيعتِه الداخليّة.

وفي المقابل، بدا فصلُ “تهميش الرجال” أقلَّ اتساعًا مقارنةً بعمقِ تناولِ قضايا المرأة، ومع ذلك فإنّ صدقَهُ يكمنُ في هذا التوتّرِ نفسِه، لأنّ النصوصَ الحقيقيّةَ لا تأتي كاملةً ومغلقة. لقد شعرتُ أحيانًا أنّ الكتابَ يلمّحُ إلى تعبِ الرجلِ المعاصرِ دونَ أن يمنحَهُ المساحةَ الكافيةَ للتعبيرِ الكاملِ عن هشاشتِه الداخليّة، وكأنّ المجتمعَ ما زالَ يخجلُ من الاعترافِ بأنّ الرجالَ أيضًا ينهارونَ بصمت.

ومن النقاطِ المهمّةِ التي أضاءتْ عليها الندوةُ والكتابُ معًا، فكرةُ أنّ التكنولوجيا ليستْ عدوًّا بحدّ ذاتِها، بل قد تتحوّلُ إلى مساحةِ هروبٍ حين يغيبُ الإصغاءُ الحقيقيُّ داخلَ البيت. وقد أعجبني في طرحِ منال أبو كروم أنّها لم تقعْ في فخِّ شيطنةِ العصرِ الرقمي، بل حاولتْ أن تبحثَ عن جذورِ المشكلةِ في الفراغِ العاطفيِّ والقطيعةِ التدريجيّةِ بينَ أفرادِ العائلة. بدا كلامُها أقربَ إلى دعوةٍ لاستعادةِ الحوارِ الإنسانيِّ لا لإعلانِ الحربِ على الشاشات.

ولا يمكنُ إغفالُ اللمسةِ الفكريّةِ التي أضافها الشاعرُ نديم دربية إلى الكتاب، حيثُ منحَ بعضَ أفكارِه أفقًا تأمّليًّا أوسع، وربطَ بينَ الأزمةِ الأسريّةِ وتحولاتِ الإنسانِ المعاصرِ في زمنِ العزلةِ الرقميّة. تلك الإضافةُ لم تكنْ مجرّدَ تزيينٍ لغوي، بل محاولةً لتعميقِ الأسئلةِ التي يثيرُها الكتابُ حولَ معنى الأسرةِ والدفءِ والانتماءِ في عالمٍ يتّسعُ افتراضيًّا ويضيقُ إنسانيًّا.

خلال تسلم منال شهادة تقدير

 

بعدَ انتهاءِ القراءة، لم أشعرْ أنّني خرجتُ بأجوبةٍ نهائيّة، بل بأسئلةٍ أكثرَ عمقًا. هل ما زالتِ العائلةُ قادرةً فعلًا على حمايةِ أبنائِها من الوحدةِ الحديثة؟ وهل يمكنُ للإنسانِ أن يجدَ في البيتِ دفئًا يكفيه كي لا يبحثَ عن الاعترافِ الكاملِ داخلَ العالمِ الافتراضي؟ وربّما كان جمالُ هذا الكتابِ تحديدًا أنّه لا يقدّمُ وصفاتٍ جاهزة، بل يدفعُ القارئَ إلى مراجعةِ نفسِه وعلاقاتِه وطريقةِ حضورِه مع مَن يحبّهم.

وحين أغلقتُ الصفحةَ الأخيرة، شعرتُ أنّني لا أفكّرُ في التكنولوجياِ وحدَها، بل في ذلك الحنينِ القديمِ إلى البيوتِ التي كان الحوارُ فيها أطولَ من الصمت، وكانت الوجوهُ أكثرَ دفئًا من الشاشات. أدركتُ حينها أنّ الإنسانَ لا يحتاجُ دائمًا إلى حلولٍ معقّدة، بقدرِ حاجتِه إلى مَن يُصغي إليه بصدق، ويشعرُه أنّه مرئيٌّ ومحبوبٌ داخلَ هذا العالمِ السريعِ والبارد. وربّما لهذا السببِ بقيَ أثرُ هذه الندوةِ وهذا الكتابِ طويلًا في داخلي، لأنّهما لم يتحدّثا عن التكنولوجياِ فقط، بل عن خوفِ الإنسانِ الحديثِ من أن يفقدَ قدرتَهُ على البقاءِ قريبًا ممّن يحب.

***

*كاتب لبناني وباحث في الأدب والفكر الإنساني.

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *