سجلوا عندكم

لبنان: وطنٌ يختنق بين القطيع والحزب/ حين تصبح الطاعة فضيلة… ويُعامَل التفكير كجريمة

Views: 722

د. زهير علامة

لبنان لا يعيش فقط أزمة سياسية أو اقتصادية، بل يعيش انهيارًا عميقًا في مفهوم الإنسان الحر. ما يحدث اليوم أخطر من انهيار العملة أو تفكك الدولة؛ إنه انهيار العقل النقدي نفسه، وتحول المجتمع تدريجيًا إلى مساحة تُدار بالخوف، والرقابة الاجتماعية، والتخوين، والقمع الفكري المقنّع بالدين أو الأخلاق أو “القضية”.

في كثير من البيئات، لم يعد الإنسان يُقاس بعلمه أو أخلاقه أو إنسانيته، بل بدرجة طاعته للقطيع. طريقة اللباس، الرأي الشخصي، نمط الحياة، وحتى الأسئلة الفكرية، أصبحت ملفات خاضعة لمحاكم التفتيش الاجتماعية والحزبية. كل من يختلف يُهاجم، وكل من يفكر خارج السردية المفروضة يُتَّهم، وكأن المجتمع فقد قدرته على تقبّل الإنسان الحر.

الأخطر أن الأحزاب العقائدية لم تعد تكتفي بالسيطرة على السياسة، بل تسعى للسيطرة على الوعي نفسه. تريد مواطنًا مطيعًا لا مفكرًا، جمهورًا يهتف لا شعبًا يناقش. وحين تصبح الطاعة أعلى قيمة من الحقيقة، يتحول الحزب إلى نسخة حديثة من الأنظمة الشمولية التي تُقدّس نفسها وتُجرّم النقد. هنا يصبح السؤال خيانة، والاختلاف تهديدًا، والحرية مشروعًا مشبوهًا.

هذه الأحزاب والتيارات لا تبني أوطانًا، بل تبني جماعات خائفة تعيش على التوتر الدائم. تحتاج دائمًا إلى “عدو”، وإلى حالة تعبئة نفسية مستمرة، لأن الإنسان الخائف أسهل قيادةً من الإنسان الحر. لذلك يُخنق الإعلام، ويُروَّض المثقف، وتُدجَّن الجامعات، ويُربّى الشباب على الاصطفاف الأعمى بدل التفكير المستقل.

وفي موازاة هذا القمع السياسي والفكري، ينمو شكل آخر من الاستبداد داخل المجتمع نفسه: استبداد الناس ببعضهم البعض. مجتمع يراقب تفاصيل حياة أفراده أكثر مما يراقب الفاسدين. مجتمع يُحاكم المرأة على حريتها، والشاب على مظهره، والمثقف على رأيه، فيما اللصوص الحقيقيون ينهبون الدولة علنًا بلا خوف ولا حساب.

وهكذا يتحول لبنان شيئًا فشيئًا إلى نسخة مشوهة عن المجتمعات المغلقة:

خوف من الحرية،

خوف من الفكر،

وخوف من الاختلاف، 

لبنان – لا دولة حقيقية، بل سلطات نفسية واجتماعية وحزبية تتحكم بالناس باسم الفضيلة أو المقاومة أو الطائفة أو التقاليد.

لبنان الذي كان يومًا مساحة للصحافة الحرة، والجامعات، والفكر، والفن، والانفتاح، يُدفع اليوم نحو عقلية تُشبه المجتمعات التي تُغلق العقول قبل أن تُغلق الأبواب. والمأساة أن كثيرين لم يعودوا يشعرون بخطورة ما يحدث، لأن القمع حين يطول يتحول عند البعض إلى “وضع طبيعي”.

المشكلة ليست في الدين، ولا في الانتماء السياسي بحد ذاته، بل في تحويلهما إلى أدوات لإلغاء الإنسان. فحين تُصبح الحرية تهمة، والنقد وقاحة، والطاعة فضيلة مطلقة، نكون قد دخلنا فعليًا مرحلة الانحدار الحضاري مهما امتلأت الشوارع بالشعارات والخطب.

لبنان لا يحتاج إلى مزيد من الأوصياء على العقول، ولا إلى أحزاب تبتلع الإنسان باسم القضية.

لبنان يحتاج إلى دولة تحترم الفرد، وتحمي حق الاختلاف، وتعيد للإنسان كرامته الفكرية قبل أي شيء آخر. 

الوطن الذي يخاف فيه المواطن من التعبير عن رأيه، ليس وطنًا حرًا… بل سجن كبير بأعلام وشعارات متعددة.

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *