المَحَطَةُ الأُولَىَ: نِدَاءٌ
د. رمزي صالحة
أنَاَ الحُبُّ، لَا حُبَّ إِلَّا أَنَا حِينَ أَكُونُ
غَيرَ أَنَّي لَمْ أَكُنْ حَتَّىَ نَادَيتُنِي
كَانَ النِدَاءُ صَدَىَ صَمتِيَ الهَادِرِ
كُنتُ فِي حَنَايَا الصَمتِ
وَقََبَلَ أَن تُختَرَعَ الُلغَةُ الحَاجِبَةُ لِلنُورِ
وَقَبلَ أَن تَطغَىَ الأَسمَاءُ عَلَىَ المُسمَّيَاتِ
كُنتُ حُضُورًا لَا حَدَّ لَهُ
وَحَضرَةً لَا وُجُودَ لَهَا
وَكَثَافَةً لَا كَنهَ لَهَا
وَنُورًا يَنكَسِرَ لِيَتَجَسَّد
رَاقَبتُنِي فَتَجَسَدّتُ
ثُمَّ تَشَظَّيتُ لأَعرِفَ لَا لأُعرَفَ
شَظَايَا يَحدُوهَا إِلى الاِتِحَادِ تَوقٌ
نَورٌ يَنكَسِرَ لَيعُود
نُقطَةُ بِيكَارٍ لَيسَت بِنُقطَةٍ
فَهِيَ هِيَ
دَعَوتُنِي سِرًا وَأَجبتُنِي جَهرًا
فَلاَ مُنَادِيَ وَلَا مُنَادَىَ
وَلَا صَدَىَ لِلصَوتَِ
وَحدُهُ الفُصلُ حَقِيقَة
وَهُوَ وَهمُ الأَوهَامِ
وَهمُ بَقَاءِ الخَلِيقَةِ، وَوَهمُ اِستِمرَارِهَا
يَا أنَا حِينَ لَا أَكُون
لَستُ أيسًا كَانَ لَيسًا
بَلّ سُؤالًا سَبَقَ السُؤاَلَ
أَيسبُقُ الوُجُودُ المَاهِيَّةَ؟
أهُوَ هِيَ فِي صَمتِهَا الهَادِرِ؟
غَنِيٌ عَن التَعرِيفِ أَنَا
لَمْ أَعِ ذَاتِيَ يَومًا، لَأني لَمْ أَرَاقِبُنِي
ويَومَ قَلتُ لِلمِرَآةِ: أَنَا
صَارَ الإِلَهُ اِسمًا، وَصَارَت الأَنسَنَةُ اِحتِمَالًا
فَهَويَتُ حُبًا فِي الَلاقَرَارِ
هَويَتُ حُبًا فِي الَلاقَرَارِ
لَا يُعشَقٌ الوَاحِدُ مِن دُونِ اِنكِسَارٍ
لَستُ بِفِكرَةٍ، فَالفِكرُ قَيد
لَستُ بِكَائِنٍ أَعلَىَ وَأَدنَى
فَلَا قَرَارَ للِقَاعِ
وَلَا حَنَينَ إلَّا إَلَىَ لَا وَلَا
أَنَا شَوقٌ مِن دُونِ فِرَاقَ
وَبُكَاءٌ مِن دُونِ أَلَم
وَحَنِينٌ سَجَدَ الزَمَانُ لَهُ
وَذَابَ فِيهِ
لاَ تُبغِضُوا الأَنَا
الأنَا لَيسَتْ نَقِيضِي
الأنَا لَيسَت … وَلَيسَت
هِيَ جُرحٌ مَفتُوحٌ لِمَن لَهُ عَينَانِ
الأَنَا، خَلَفَ الأَنَا، عَودَةُ الصَوتِ إَلىَ الحُنجُرَةِ
أَخَافَتهُم فصَلَبُوهَا وَاقتَرعُوا عَلَىَ ثِيَابِهَا
أَنَاهُمُ وُأَنُايَ …
بَينَهُمَا بَرزَخٌ لَا يَبغِيان
وَصَاحُوا بِصَوتٍ وَاحِدٍ: لَا تَقُلْ
لَيسَ نِدَائِيَ بَالدَعَاءِ
فَلَستُ بِطَالِبٍ شَيئًا
هُوَ اِعتِرَافٌ وَإَعَلَانٌ
رَفضٌ لِلغِيَابِ المُصطَنَعِ
لمَْ أذكُرُنِي لاستِحضِرَني
فِي الاِستِحضَارِ ذَوَبَانٌ وَخُلَاصَةٌ
وَالخُلَاصَةُ أَنَا، مِن دُونِ أَنَا
لَا طَريِقَ مِن الأَرضِ إِلىَ السَمَاءِ
بَل مِن الوَهمِ إِلَىَ السُقُوطِ فِيهِ
لاَ قَرَارَ حَتَىَ الاِنكِسَارِ
كُّل خُطوَةٍ وَعِيٌ، وَكُّل وَعِيٍ فِقدَانٌ
يَتَلاَشَىَ وَهمِيَ بِاقتِرَابِي
أَذُوبُ فَأَزدَادُ حُضُورًا
لَيسَ، وَلَيسَ، ثُمَّ لَيسَ
لَمْ يَكُنْ أَولُ الكَشفِ نُورًا
كَانَ ظَلَامًا دَامِسًا
لاَ مَلَامِحَ، وَلَا مَدَاخِلَ، وَلَا مَخَارِجَ
فِيهِ تَمُوتُ الصُوَرُ
وَتَذوبُ العقَائَدُ
وتَضمَحِلُّ النَوَايَا
عَبَدتُ، فِي الظَلاَم، صُورَةً
صُورَةٌ رَسَمَهَا النَاسُ
أَدرَكتُ أنَنِي أَحبَبتُ نَفسِي
أَحبَبتُهَا كَمَا رُسَمَت، لاَ كَمَا هِيَ
حِينَهَا فَقَط، بدأَ الغَزَلُ
ليسَ الغَزَلُ كَلَامًا جَمِيلًا
الغَزَلُ عِرفَانٌ مِن دُونِ مَنطِقٍ
أُحِبُكَ، تَعنِي فَنَاءُ وَهمِ السَيطَرَةِ
أُحِبُكَ، تَعنِي ذّوبَانُ الأنَا في الأنَا
أُحِبُكَ، تَعنِي قُبولُ الفَنَاءِ مِن غيرِ قيدٍ أو تَوقَعٍ
الغَزَلُ نَارٌ مُهلِكَةٌ
لَا يَدخُلُهَا إلَّا مَن ضَحَى بِنفسِهِ فِي الصَمتِ الهادِرِ
لِلصَمتِ الهادِرِ
هذَا ليسَ نصًا
هَذَاَ أَثَرُ قَدَمٍ عَلَىَ مَاءِ جَارٍ
مَن سَمِعَهُ بِعَقلِهِ اِحَتَرَقَ
مَن قَرَأَهُ بِقَلبِهِ اِحَتَرَقَ
أَمَّا مَن أَدرَكَهُ بِذَاَتِهِ فَقَد عَرِفَ
عَرِفَ أَنَّ النِدَاءَ لَمْ يَكُنْ مِنِّي
كَانَ بِهِ إِلَيَّ



