سجلوا عندكم

الثورات العربية والأثمان الباهظة

Views: 1194

العميد الركن المتقاعد صلاح جانبين 

عرف العالم العربي عبر تاريخه الحديث محطات متتالية من الثورات والانتفاضات، بدأت في سياق مقاومة الاستعمار الأجنبي، ثم تحوّلت لاحقًا إلى حركات داخلية تطالب بالحرية والعدالة والكرامة، وصولًا إلى ما عُرف بالثورات العربية المعاصرة. ورغم اختلاف الأزمنة والسياقات، فإن القاسم المشترك بينها كان السعي إلى التغيير، غير أن النتائج جاءت في كثير من الأحيان مخالفة للتطلعات، حيث دفعت الشعوب العربية أثمانًا باهظة من أمنها واستقرارها ووحدة دولها.

في منتصف القرن العشرين، شكّلت القضية الفلسطينية محورًا جامعًا للعرب، وكانت الدول المحيطة بفلسطين المحتلة تُعرف بـ«دول الطوق العربي، او دول الصمود والتصدّي» مثل مصر والأردن وسوريا ولبنان والعراق،و…، في ظل وحدة موقف نسبي وقناعة قومية بأن تحرير فلسطين قضية مركزية تتجاوز الحدود المحليّة . في ذلك السياق، كان الكيان الإسرائيلي محاطًا ببيئة إقليمية تُقيّد تمدده وتفرض عليه معادلات ردع سياسية وعسكرية.

غير أن التحولات العميقة التي شهدها العالم العربي، ولا سيما بعد اندلاع الثورات والصراعات الداخلية، أدّت إلى تفكك هذا الطوق فعليًا. فالدول التي شكّلت يومًا خط الدفاع الأول انشغلت بأزماتها الداخلية، أو دخلت في حروب أهلية وصراعات إقليمية، ما أضعف الموقف العربي الجماعي تجاه فلسطين، وأسهم في تراجع مركزيتها في الوعي السياسي العربي.

في سوريا، تحوّلت الثورة إلى حرب طويلة ومعقّدة، تداخل فيها البعد السياسي مع الطائفي والعرقي، وتعدّدت مناطق النفوذ، ما أدى إلى إنهاك الدولة والمجتمع وإخراج البلاد من دورها الإقليمي الفاعل. كما في لبنان، فقد كشفت الأزمات المتلاحقة عمق الانقسام الداخلي وتعدّد الولاءات ضمن الدولة الواحدة، حيث طغت الانتماءات الطائفية والسياسية الخارجية على مفهوم الدولة الوطنية الجامعة. أما الأردن ومصر، فقد فرضت التحديات الاقتصادية والأمنية عليهما التركيز على الاستقرار الداخلي في محيط إقليمي مضطرب.

وفي اليمن، تحوّل الحراك السياسي إلى صراع دموي متعدد الأطراف، تداخلت فيه الانقسامات الداخلية مع التدخلات الإقليمية، ما أدى إلى انقسام البلاد واستنزافها إنسانيًا واقتصاديًا. أما الصومال، فيمثّل حالة مختلفة في السياق العربي، لكنه يعاني من هشاشة الدولة المركزية وتعدّد الولاءات السياسية، ما جعله ساحة مفتوحة للتدخلات الخارجية. وفي المغرب، يبقى نزاع الصحراء الغربية مثالًا على صراع تاريخي طويل، تتداخل فيه الاعتبارات الوطنية مع الحسابات الإقليمية والدولية، ويؤثر في استقرار المنطقة المغاربية،ناهيك عن ازمات العراق وتعدديتها،

أمام هذا الواقع العربي المنقسم، وجد الكيان الإسرائيلي فرصة تاريخية لاستغلال حالة الضعف والتشرذم، سواء عبر تعزيز تفوقه العسكري والأمني، أو في توسيع نفوذه السياسي والاقتصادي، أو الدفع نحو مسارات تطبيع فردية في ظل غياب موقف عربي موحّد. وهكذا انتقل من كيان محاط بدول طوق عربية، إلى طرف إقليمي أكثر اندماجًا في محيط منشغل بصراعاته الداخلية وتناقضاته.

من المستفيد؟

تشير الوقائع إلى أن المستفيد الأكبر من هذا التفتت العربي هو القوى الإقليمية والدولية، وفي مقدمتها الكيان الإسرائيلي، الذي استفاد من انهيار مفهوم الأمن القومي العربي، ومن تراجع مركزية القضية الفلسطينية، ومن انشغال الشعوب العربية بأزماتها الداخلية. كما استفادت بعض النخب المحلية من ترسيخ سلطتها عبر الانقسام بدل الوحدة. في المقابل، كانت الشعوب العربية هي الخاسر الأكبر، حيث دفعت أثمانًا باهظة من دمائها، وأمنها، وتنميتها، ومستقبل أجيالها.

لقد أثبتت التجربة أن المشكلة لم تكن في مطلب التغيير، بل في غياب المشروع الوطني والقومي الجامع القادر على تحويل الثورات إلى مسار بناء لا هدم. فالتفتّت والانقسام لم يكونا قدرًا محتومًا، بل نتيجة مباشرة لتغليب الهويات الفرعية والطائفية والعرقية على الهوية الوطنية، ما فتح الباب واسعًا أمام التدخلات الخارجية واستغلالها لمكامن الضعف العربي.

إن المستقبل العربي لا يمكن أن يُبنى على منطق الصراعات والفوضى، بل على ترسيخ ثقافة الدولة والمؤسسات، واحترام التعدد ضمن إطار وطني جامع، وإعادة تعريف السيادة باعتبارها مسؤولية داخلية قبل أن تكون شعارًا سياسيًا. ويتطلب ذلك مراجعة نقدية صادقة لتجارب الماضي، واستخلاص الدروس بعيدًا عن التقديس أو التخوين.

وتقع على عاتق الشعوب العربية مسؤولية محورية في هذا المسار، تبدأ ببناء وعي سياسي ناضج يرفض الاستقطاب والانقسام، ويؤمن بأن وحدة الداخل هي الأساس لأي قوة خارجية. كما أن دعم المشاركة السياسية السلمية، والمطالبة بالإصلاح التدريجي، وحماية السلم الأهلي، تمثّل أدوات حقيقية للتغيير المستدام.

أما استعادة مركزية القضايا المصيرية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، فلا يمكن أن تتحقق دون إعادة بناء حد أدنى من التنسيق العربي، قائم على المصالح المشتركة والاستقرار الداخلي والقرار السياسي المستقل، لا على الشعارات وحدها. فالقوة الحقيقية تكمن في دول قوية من الداخل، قادرة على حماية شعوبها وصون قضاياها.

إن الطريق نحو نهضة عربية حقيقية طويل وشاق، لكنه يبدأ بالوعي، ويمرّ عبر المصالحة مع الذات والتاريخ، وينتهي ببناء دول عادلة وقادرة. وبدون ذلك، ستبقى الأثمان الباهظة تتكرر، وتبقى الشعوب العربية تدفع ثمن انقسامات كان يمكن تفاديها لو توفرت الرؤية والإرادة.

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *