سجلوا عندكم

’إيه وحدتي‘

Views: 124

سهى حداد نعيمه

في دعوة مُسبَقة منّي للأستاذ مارسيل خليفة والأستاذ شربل روحانا ليوم ’نُعَيْميّ‘ يتمحور حول زيارة البيت-المتحف ميخائيل نعيمه ميماسونا في المْطَيْلِبْ، الذي يوثّق بأدقّ التفاصيل بيت ميخائيل نعيمه بالزلقا حيث قضى نعيمه سنواته العشرين الأخيرة وحيث لفظ نفَسه الأخير، وحول زيارة ضريح نعيمه بالشخروب في سفح صنّين، يتبعها غداء في منطقة باكيش التابعة لبسكنتا عقاريّاً، لبّى الأحبّة الدعوة يوم السبت الفائت 19 أيلول 2026 عند حوالى الساعة 11 ق. ظ. 

وبين الساعة 11 ق. ظ. والساعة 12.30 ظ. في فترة انتظار موعد لقاء أ. جوزيف عيساوي وأ. عماد زوين، كان لنا نحن الثلاثة ما كان مِن دردشة سَلِسة انسيابيّة ومِن جَوْلة لأستاذ خليفة في أرجاء المتحف ووقوفه عند الشغف ’الملحوظ‘ في الشرح والعرض كما قال. لم يشاركنا أ. روحانا جولتنا لأنّه قد كانت له جولات سابقة.  

مواضيع كثيرة طُرِحَتْ، بين الخاص والعام، محطّاتها جميلة دافئة حقيقيّة، وكأنّها تشبه موسيقى كلّ مِن أ. خليفة وأ. روحانا بنوطاتها المختلفة، لكنّها منسجمة، في مقطوعة واحدة متكاملة، لها تأثيرها الفعليّ بالنفْس، قد تأخذك بعيداً إلى عالم مِن اليوتوبيا والجمال، وقد تشدّك عموديّاً إلى أعماقك، حتى تلك التي اخترْتَ أن توصد الباب عليها. 

وفي لبّ تلك اللحظات والدردشات نواة لمقالات عدّة، أقف عند أحد نقاطها حين سألني أ. خليفة عَن وِحدتي، وأجبْته ما أجبْته ما بين حركة الضيافة والـ”أهلا وسهلا” وبين صمت الإصغاء، فلمْ أعطِ إجابتي حقّها، كيف انّ وحدتي هي عمودي الفقري وعليه يتّكئ وجودي ومعناه. 

وبرسالة منّي إلى أ. مارسيل خليفة، عبر الواتس أب، تشاركتها مع أ. شربل روحانا، ملأْتُ ما نقصَ مِن إجابتي خلال زيارتهما العزيزة.  هذا بالحَرْف ما جاء في رسالتي:

————————-

أ. مارسيل،

آخر نقطة اليوم،

أعدُك وأعِد نفْسي 

 

أقرأ الآن هذا الكتاب بعنوان “تمرّد المعنى على الحرف” للكاتب رائد سامي شهيّب،

وقد ذكّرني فصلٌ مِن فصوله،

الذي يتناول موضوع ‘الوحدة’،

بما جرى البارحة مِن دردشة مقتضبة (لضيق الوقت وكثرة الحركة) بيني وبينك حول العيش بمفردي،

وقد سهَوْتُ حينها أن أذكر لك بأن وحدتي غذائي،

منها أستقي المعنى والحركة والسكون،

 

وبأنّني لست وحدي،

بل بي امتداد مدد ما بين الخفيف والكثيف،

أو كما يقول أرسطو:

بين الخفيف المُكثّف (الذي هو الجسد)

والكثيف المُخفّف (الذي هو الروح)،

فكلاهما من مصدر واحد وإليه يعودان.

 

بين جسدي المنسوج من الخفيف المُكَثَّف،

وروحي المنسوجة مِن الكثيف المُخفّف،

أحبّ نفْسي والآخَر،

وأقف مذهولةً،

نقطةَ وصْلٍ بين عالمَيْن هما أصْلاً نسيج واحد…

 

فأقف أنا بين جسدي وروحي في حديث لا ينتهي،

عن وجودي منهما وفيهما ولهما،

وجْهان لحقيقة واحدة

من نسيج واحدٍ،

من الكثيف الذي يتدرّج بالمعرفة إلى الخفيف.

أحاول الغوص في هذه الحقيقة،

التي هي مِن نور الإله وفيه،

لكي أفهم ذاتي أكثر،

والتي فيها [أي تلك الحقيقة] ومنها وإليها أعماقي وأعماق مَن حَوُلي،

فنتّحد في بصيرة المعرفة وسَكْرَة الأعماق.

وأضيف هنا ما فاض فيه ميخائيل نعيمه عن وحْدتِه “إيه وحدتي … ما أعظمك.”

هنا انتهَتْ رسالتي إلى أ. خليفة. 

أضيف إليها أن اللذَين سبقاني، وهما جدّو ميشا – أيّ ميخائيل نعيمه – وأمّي مَيّ، إلى ذلك العالم النورانيّ الخفيف المُكَثِّف (مع كَسْرة تحت حرف الثاء)، لم يتركاني قَطّ. فأسمع بين الفَيْنة والفَيْنة بعضاً مِن وشْوَشاتهما، 

وأرى بعضاً مِن خيالاتهما في أرجاء البيت، 

وألوذ بالكثير مِن نصائحهما النابضة والرابضة في داخلي حين تشتدّ عواصفي وتعلو أمواجي فأستشفّ من تلك النصائح ما أستشفّ قدوة لطريقي.

 يزورانني في الحلم فتستكين روحي، 

يحضنانني في دفئهما الذي لا يخبو ومحبّتهما التي لا تغيب، فيصحّ فيهما قول ميخائيل نعيمه في كتابه “كرْم على درب”: 

“لا تغْرب الشمس إلّا عن الذين يغربون عنها.”  فأنا، بإرادتي الكلّيّة، لم أغربْ يوماً عن شمْسهما ولا هما أغربا مِن شمْسهما عنّي. 

نعم، شمْسهما باقية معي، بِتَكْوِينِي، في خفيفي المكثَّف وكثيفي المُخفَّف، طالما للوجود وجود. 

هما ’منارتي ومينائي‘ ومِرْدادي. 

أنا لسْت وحدي. 

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *