«في زمن الأزمات»… حين تصبح الكتابة مسؤولية وطنية
خضر الفيحاوي
من الفيزياء في الجامعة اللبنانية إلى المؤسسة العسكرية، ومن ميادين الخدمة والانضباط العسكري إلى رحاب الكتابة والتأليف، قطع العميد الركن المتقاعد صلاح جانبين مسارًا غنيًا بالتجربة والمعرفة، جعل من الكتاب بالنسبة إليه أكثر من مساحة للتعبير؛ جعله وسيلة لفهم الواقع، وطرح الأسئلة، ومواجهة ما يراه اختلالًا في الدولة والمجتمع والقيم.
فبعد مؤلفاته السابقة: «السلطة في لبنان»، «صناعة الأزمات وأسرار التفاوض»، «كلمات رقيقة»، و«اعرفوا عدوكم»، يأتي كتابه الخامس «في زمن الأزمات»، ليشكّل محطة جديدة في مسيرته الفكرية، متناولًا واحدة من أكثر المراحل اضطرابًا في تاريخ لبنان الحديث، واضعًا أمام القارئ أسئلة تتصل بالدولة، والسيادة، والعدالة، والمحاسبة، والفساد، والحروب، ودور المؤسسات، ومستقبل الوطن.
إن خلفية الكاتب العلمية والعسكرية تبدو حاضرة في مقاربته. فالفيزياء تعلّمه البحث عن القوانين والعلاقات بين الأسباب والنتائج، والمؤسسة العسكرية تعلّمه الانضباط والمسؤولية وقراءة المخاطر، فيما تمنحه الكتابة مساحة أوسع للتأمل والتعبير عن هواجس المواطن الذي يرى وطنه يمرّ بأزمات متلاحقة. من هنا، لا تبدو مؤلفات العميد جانبين منفصلة عن بعضها، بل أقرب إلى حلقات متتابعة في مسار واحد، عنوانه الأساسي: فهم الواقع اللبناني ومساءلته ومحاولة استشراف مخارجه.
في «في زمن الأزمات»، يكتب جانبين من قلب مرحلة لبنانية وعالمية شديدة التعقيد. تبدأ الرحلة مع أواخر عام 2019، حين دخل لبنان مرحلة الانهيار الاقتصادي والمالي والاجتماعي، ثم جاء وباء كورونا ليكشف هشاشة عالمية لم تكن الدول مستعدة لها، قبل أن يصل المشهد اللبناني إلى ذروته المأساوية في الرابع من آب 2020، مع انفجار مرفأ بيروت وما خلّفه من ضحايا ودمار وصدمة وطنية عميقة.
لكن الكتاب لا يتوقف عند سرد الوقائع. فالأزمات، بالنسبة إلى المؤلف، ليست أحداثًا منفصلة، وإنما مرايا تكشف ما هو أعمق منها: طريقة إدارة الدولة، مستوى المساءلة، علاقة المواطن بمؤسساته، وحدود قدرة النظام السياسي على حماية المجتمع عندما تتراكم الأخطاء.
ومن هنا تأتي عبارته الدالة: «نكتب لأن الصمت شراكة». فالكتابة في نظره ليست ترفًا فكريًا، ولا مجرد تسجيل للأحداث، وإنما محاولة لكسر الصمت عندما تصبح الحقيقة مهددة بالضياع وسط ضجيج المصالح والانقسامات.
يتناول الكتاب مجموعة من الملفات التي طبعت المرحلة اللبنانية الأخيرة، من الانهيار المالي وضياع أموال المودعين، إلى الحراك الشعبي، وانفجار المرفأ، وفوضى السلاح، والرصاص الطائش، وأزمة الثقة بالدولة، وصولًا إلى أسئلة الحياد والسيادة والمقاومة والتفاوض وعلاقة لبنان بالصراعات الإقليمية والدولية.
وفي مقاربته لهذه القضايا، لا يكتفي الكاتب بوصف المشهد، بل يطرح أسئلة صعبة حول معنى القرار الوطني وشرعيته، وحول العلاقة بين القوة والتفاوض، وبين الواقعية السياسية والثوابت الوطنية، وبين الضرورات السياسية والاعتبارات القانونية والأخلاقية. وهي أسئلة لا يبحث من خلالها عن إجابات سهلة بقدر ما يحاول دفع القارئ إلى التفكير في الأسس التي تُبنى عليها القرارات المصيرية.
كما يحتل الجيش اللبناني مساحة خاصة في رؤية المؤلف، انطلاقًا من تجربته الطويلة في المؤسسة العسكرية. فالجيش، في نظره، يبقى إحدى المؤسسات التي تمثل الانضباط والشرعية الوطنية، وصمام أمان في مرحلة كثرت فيها التجاذبات وتراجعت فيها الثقة بالمؤسسات. كما يولي الشهيد مكانته التي تتجاوز الحسابات السياسية، باعتباره قيمة وطنية وإنسانية لا يجوز اختزالها في الأرقام أو السجالات.
غير أن القضية المركزية في الكتاب تتجاوز السياسة المباشرة إلى ما يعتبره المؤلف الخطر الأعمق: تآكل القيم والاعتياد على الخطأ.
فالانهيار، في نظر الكاتب ، لا يبدأ عندما تنهار العملة أو تتوقف المؤسسات، وإنما عندما يصبح الفساد أمرًا عاديًا، وتتحول المحاسبة إلى استثناء، ويصبح القانون خاضعًا للانتقائية، ويتراجع معيار الحق أمام منطق المصالح. عندها لا يعود الخطر في الأزمة وحدها، بل في تحوّل الأزمة إلى حالة طبيعية يتعايش معها المجتمع.
ولهذا يكتب العميد جانبين عن وطن لا تنقصه الطاقات بقدر ما تنقصه الإدارة السليمة، وعن دولة تحتاج إلى إعادة بناء الثقة والمؤسسات، لا إلى ترقيع مؤقت. ويرى أن الخروج من الأزمة لا يمكن أن يكون عبر تحميل الخارج كل المسؤولية أو تبرئة الداخل من أخطائه، بل من خلال مواجهة الخلل الداخلي، واستعادة مفهوم المسؤولية، وإعادة الاعتبار للقانون والعدالة والشفافية.
ومن أبرز ما يميز الكتاب أنه لا يقدم نفسه، كما يقول مؤلفه، باعتباره محاولة لتوزيع الاتهامات أو تصفية الحسابات، بل بوصفه دعوة إلى طرح الأسئلة: من يحاسب؟ من يقرر؟ ولصالح من تُتخذ القرارات؟ ومن يملك الجرأة على قطع حلقة الفساد المتوارثة؟
وهي أسئلة تضع القارئ أمام مسؤولية تتجاوز السياسيين وأصحاب القرار. فالمؤلف يذكّر بأن الدولة ليست مجرد سلطة، والوطن ليس مجرد حدود أو شعار، بل هو عقد أخلاقي ومسؤولية مشتركة بين مؤسسات تحمي وشعب يمنحها الثقة.
وفي ظل الحروب والتوترات الإقليمية، لا يغيب عن الكتاب سؤال المستقبل. فلبنان، بحسب هذه الرؤية، يقف أمام خيار تاريخي بين أن يكون دولة تمتلك قرارها ومؤسساتها، أو أن يبقى ساحة تتنازعها المشاريع والصراعات. وبين الخيارين، لا يرى الكاتب أن الإنقاذ ممكن من دون وعي وطني حقيقي، ومن دون إعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة.
«في زمن الأزمات»، إذًا، ليس كتابًا عن أزمة واحدة، بل عن تراكم أزمات؛ وليس كتابًا عن لبنان وحده، بل عن الإنسان عندما يجد نفسه أمام دولة تختبر قدرتها على الصمود، ومجتمع يختبر قدرته على التمييز بين الحقيقة والوهم، وبين المبدأ والمصلحة.
إنه كتاب يخرج من تجربة رجل خدم في المؤسسة العسكرية، ثم اختار أن يخوض معركته الجديدة بالكلمة. وكما كان الانضباط والمسؤولية عنوانين في مسيرته العسكرية، تبدو المسؤولية الوطنية والبحث عن الحقيقة عنوانين في تجربته الكتابية.
وفي هذا الكتاب الخامس، يواصل العميد الركن المتقاعد صلاح جانبين مشروعه في الكتابة، واضعًا أمام القارئ مرآة لمرحلة لبنانية قاسية، ومذكرًا بأن الأزمات، مهما اشتدت، يمكن أن تتحول إلى لحظات مراجعة وإعادة بناء إذا امتلك المجتمع شجاعة الاعتراف بالأخطاء.
لذلك تأتي الخلاصة التي يتركها الكتاب مفتوحة على مسؤولية القارئ قبل غيره: في زمن الأزمات لا يكفي أن نلعن الظلام، بل ينبغي أن نبحث عن الطريق الذي يعيد للنور مكانه.
ومن المقرر أن يوقّع العميد الركن المتقاعد صلاح جانبين كتابه الجديد «في زمن الأزمات» خلال معرض الكتاب العربي في بيروت، على أن يُعلن موعد حفل التوقيع في وقت لاحق.
ويبقى الكتاب، في جوهره، شهادة على زمن لبناني مضطرب، وصرخة ضمير في وجه الاعتياد على الانهيار، ودعوة إلى استعادة معنى الدولة، وإلى التمسك بالقيم التي وحدها تستطيع أن تجعل من الأزمات بدايةً للخروج من النفق، لا محطةً جديدة في مسار السقوط.
في زمن الأزمات… إمّا أن نكون دولة، وإمّا أن نبقى ساحة.



