خواطر عصفور دوري
د. رمزي صالحة
مقدمة
أتاني أمس، في المنام، عصفور دوري. كنت جالسًا على الشرفة مواجهًا الجبل، ساهمًا، وقد سرح نظري في الأفق البعيد. أعادتني حركة على الطاولة إلى أرض الواقع. وقف أمامي، وقرب فنجان قهوتي الباردة، عصفور دوري صغير. وقف يتأملني وقد مال برأسه إلى اليسار. لم أستغرب الأمر، رغم أني كنت مدركًا لكوني أحلم.
كان دوريًا عاديًا، أما عيناه فلم تكونا عينا عصفور دوري. حوت العينان وعيًا بحجم الكون. أحببته من دون تعلق.
تكلم الدوري فقال: “سأمليك يوميًا، وابتداءً من الغد، خواطر شتى! وأريدك أن تسجلها حرفيًا، وإن فاتك فهم البعض، وأعجزك قبول البعض الآخر، فهل أنت مستعدٌ لهذا“؟ تكلم من دون كلمات: كان مقالتهتتردد في صدري فأعيها وأحفظها.
لم أجب. لم أصدق، حتى في المنام، أن دوريًا سيكلفني بكتابة خواطره، ويعاملني بهذه الدونية!
غير أن الدوري لم يكذب خبرًا، وعاد في الأيام التالية ليمليني. فاتني فهم الكثير مما قاله، كما توقع الدوري الصغير، ورفضت، بغبائي المعهود، القبول بالبعض الآخر. غير أني سجلتها كما “سمعتها”.
هذه خواطر صديقي، العصفور الدوري.
اليوم 1
أتاني الدوري في اليوم التالي، أول أيام التسجيل، وقد ارتسمت على وجهه نظرة حزينة. يضاعف القلب الحزن متى رصده في الصغير، وفي الكبير، وفي العاجز. غير أن حزن هذا الدوري ألصق قلبي بضلوعي، فكاد ينفجر.
وقف الدوري في مكانه المعتاد، على طاولة الشرفة قرب فنجان القهوة الباردة، وتكلم بثقة وهدوء شابه بعض من وقار، كمن يلقي شعرًا. قال: “اكتب… يكتبني الضياع على حوائط غرف النسيان. يُكذِّبُ كل ما أُخبرتُهُ إياه عن وطني، جبل الغيم الأزرق. أنظر في المرآة باحثًا عن الجبل، وعن البحر، وعن السيف، وعن الأغنية. يتردد صدى الأغنية/الكذبة بين جدران شراييني مقهقهًا بسخرية ما أمر منها إلاها، ويهدر صوت القهر في غرف النسيان: أيها المهاجر إلى الوطن، سلام“.
أكمل بعد توقف لم يدم طويلًا: “قل لي أيها الكاتب المحترم: كيف يمكن لدوري مثلي أن يخزن وجعًا بهذا الحجم في قلب بهذا الصغر”؟ أردت أن أقول: “لست أدري”. غير أنه سبقني إليها.
تردد صدى هذه الـ “لست أدري” في صدري على وقع دقات قلبي: لست أدري، لست أدري، لست أدري… شعرت بحزنه… كنت حزنه: دمعةٌ حزمت أمتعتها، وتخشى الرحيل… قفز قفزتين أو ثلاث، على غير هدى، قبل أن يطير مبتعدًا. لا أذكر متى استيقظت، غير أني سجلت مقالته كلها، ولم أترك منها شيئًا.
اليوم 2
أتاني الدوري في اليوم التالي، ثاني أيام “التسجيل”. وقف في مكانه المعتاد، على طاولة الشرفة قرب فنجان القهوة الباردة، ونظر إليَّ لبرهة، وقد خلت عيناه من التعبير، قبل أن يشيح بوجهه الصغير عني.
نظر إلى الأرض كمن يقرأ منها، وقال: “أفقت اليوم وقد حلمت بقصة. أنا لا أحلم عادة، وتراودني أغرب الأحلام وأكثرها جنونًا، حتى بالمقياس البشري. رأيت في منامي دوريًا صديقًا، قنصه صقرٌ منذ أسبوعين، وهو واقف على سلك كهربائي. بدا مرتاحًا في موته، رغم قلقه وخوفه الدائمين في حياته. نظر إلى عيني مباشرة وقال: “سأخبرك قصة”. استغربت الأمر لأنه لم يخبرني قصة واحدة في حياته، وكثيرًا ما التمس الأعذار، وجلها كاذب، ليتهرب من سماع قصصي.
قال صديقي المنتقل: “سمع أعمى وبصير، من البشر، بالمحيط فتشوقا لرؤيته. شدا الرحال إليه، فوصلاه بعد جهدٍ جهيد. قال الأعمى للبصير: ماذا ترى؟ قال، أرى ماءً على مد البصر، وأمواجًا مرتفعة. قال، ما الأمواج؟ قال، هي ما تسمعه. احتار الاثنان في فهم المحيط، فسأل البصير رمال الشاطئ. تداولت الرمال فيما بينها، ثم أفادته أنه لا يفهم المحيط سوى الملح. تحول البصير ملحًا وغاص في المحيط، وما يزال الأعمى ينتظره إلى يومنا هذا“.
أردت أن أسأله عن مغزى القصة، غير أني لم أستطع. كان شريط الحلم يتحرك ببطء شديد، والأصوات تتضاءل مبتعدة. ساد الشرفة ضباب كثيف قبل أن استيقظ.
اليوم 3
أتاني الدوري في اليوم التالي، ثالث أيام “التسجيل”. وقف في مكانه المعتاد، على طاولة الشرفة قرب فنجان القهوة الباردة، قفز يمنة ويسرة، ثم نظر إلي وقال: “اكتب…توجهت اليوم فجرًا نحو الشاطئ. وصلت مبكرًا ولم يكن على الرصيف البحري سوى رجل عجوز، أراه كلما قصدت الرصيف، وصياد شاب. لاحظ العجوز أن الشاب يستخدم الدود طعمًا (أعترف أني كثيرًا ما اغتنمت انشغال الصياد الشاب بالصيد، فسرقت بعضًا من ديدانه).
قال العجوز:”يا لقسوتك أيها الشاب! تغرز الشص في جسم الدودة الحية وتستخدمها طعمًا”! أجابه الشاب مبتسمًا: “لا تقلق، فقد اعتاد الدود ذلك”.هز العجوز رأسه وقد ارتسمت على وجهه تعابير غامضة. أما السمك، فقد انتظر الطعم بفارغ الصبر“.
صمت الدوري وقفز ثلاث قفزات إلى الأمام، ثم توقف والتفت إلي. التقت عينانا لبرهة، ثم طار مبتعدًا.أفقت وكانت الساعة الثالثة صباحًا. سجلت مقالته ثم عدت إلى النوم.
اليوم 4
أتاني الدوري في اليوم التالي، رابع أيام “التسجيل”. وقف في مكانه المعتاد، على طاولة الشرفة قرب فنجان القهوة الباردة. قال: “اكتب…قضيت نهار أمس في السوق أراقب البشر يحلمون، ويسعون، ويجرون، فلا يصلون. نظر رجلٌ منهم، اعتاد أن يترك لي طعامًا على حافة النافذة،إلى ساعته وأسرع في خطاه. سبقته الحافلة فغضب وشتم. تأخر، فيما يبدو، عن عمله.لاحقته إلى مقر عمله وشاهدت رئيسه يؤنبه.تسكعت في المنطقة بحثًا عن الطعام، والتقيت ببعض الأصدقاء فتسابقنا. خسرت السباق، فتركتهم. تبعته بعد العمل، فرأيته يخرج، وأصدقاء له، بعد العمل ليحتسوا كأسًا.تبعته، يحدوني الفضول وقد غربت الشمس.تأخر، فيما يبدو، عن موعد عودته إلى المنزل فتذمرت زوجته. صاحت غاضبةٍ، لماذا ترتدي الساعة إن كنت لا تستخدمها؟ضحكت الساعة، لكنها كتمت ضحكها… هل سجلت هذا“؟
أجبت بالإيجاب، فقفز على يدي ومنها إلى كتفي ونقر وجهي برقة، ثم طار مبتعدًا.
اليوم 5
أتاني الدوري في اليوم التالي، خامس أيام “التسجيل”. وقف في مكانه المعتاد، على طاولة الشرفة قرب فنجان القهوة الباردة. قال: “اكتب…قضيت نهار أمس في الريف، متابعًا داعية متوسط العمر، لم يعطني طعامًا قط، ولطالما زجرني حين اقتربت من مجلسه. رأيته يقف خطيبًا في الناس.دعاهم إلى الخير وحذرهم من الشر. حببهم إلى المعروف ونهاهم عن المنكر. حذرهم من النار ورغبهم في الجنة.انصرفوا بين باكٍ، وشاكٍّ، ولا مبالٍ.ابتسم، في جمهور المشاهدين، طفلٌ جميلٌ لطفلةٍ جميلة. قال لها أن مضايقته لها تدل، ضمنًا، على حبه لها، فهما لا ينفصلان.أشاحت الطفلة الجميلة بوجهها خجلًا. عدت إلى عشي“.
صمت العصفور وتوقف في مكانه. كلمته فلم يجبني. ثم تلاشى جسمه الصغير أمام ناظري. استفقت فزعًا على عتاب المنبه. سجلت مقالته ونهضت من الفراش. كانت الساعة قد تجاوزت السابعة.
اليوم 6
أتاني الدوري في اليوم التالي، سادس أيام “التسجيل”. وقف في مكانه المعتاد، على طاولة الشرفة قرب فنجان القهوة الباردة.تأملني طويلًا، فتجاهلته، ثم قفز هنا وهناك، ووقف أخيرًا على حافة فنجاني. نظر إلي وقال: “اكتب…رأيت اليوم، في السوق، فقيرًا يستعطي على قارعة الطريق.مر به رجل غني وقال له:”لمَ لا تعمل”؟لم يجبه الفقير، وأشاح بوجهه عنه. أكمل الغني قائلًا: “أنا أعمل لساعاتٍ طويلة، وأزداد غنىً كل يوم”.نظر الفقير إليه، ولم يفه بكلمة، ثم أشاح بوجهه عنه مرة أخرى.شهد الحادثدوري من زمرتي. سمعته يقول: “أما أنا فأزداد فقرًا كل يوم”. ثم طار لشأنه“.
جذبني في القصة شيء ما، فتوقفت عن الكتابة. صاح صديقي الصغير: “اكتب، اكتب“. أكملت الكتابة وتلوت ما كتبته عليه. استمع ساكنًا ثم طار بعيدًا.استيقظت متأخرًا وسجلت مقالته.
اليوم 7
أتاني الدوري في اليوم التالي، سابع أيام “التسجيل”. وقف في مكانه المعتاد، على طاولة الشرفة قرب فنجان القهوة الباردة. نظر إليَّ وقد أمسكت بالقلم مستعدًا للكتابة، فابتسم. قال: “ذهبت اليوم إلى الحديقة العامة في وسط المدينة. رأيت صديقين اعتادا الجلوس في مقعد فيها. تسرقت السمع. تحاورا.قال أحدهما للآخر، أترى المنزل الأصفر اللون هناك؟ ما الخلفية التي تراها عليها؟قال، الجبل المكسو بالثلج.قال، وما الخلفية التي ترى الجبل عليها؟قال، السماء.قال، وما الخلفية التي ترى السماء عليها؟فصمت الصديق ولم يحر جوابًا.هم المقعد الذي جلسا عليه أن يقول:”الوعي”، ثم تذكر أنه مقعدٌ، فصمت.كانت الشمس قد قاربت المغيب، فعدت إلى عشي“.
سألته: “وكيف عرفت بما قاله المقعد”؟ نظر إليَّ وكأن بي مسًا، وقال “لأني المقعد!” قالها بمزيج من الاستغراب والاحتقار، كمعلم يكلم طفلًا جاهلًا مدعيًا. قال هذا وطار مبتعدًا من دون أن يودعني.
اليوم 8
أتاني الدوري في اليوم التالي، ثامن أيام “التسجيل”. وقف في مكانه المعتاد، على طاولة الشرفة قرب فنجان القهوة الباردة. قال: “اكتب… ذهبت اليوم إلى المكتبة العامة. رأيت في حديقتها فيلسوفان عجوزان جلسا يستمتعان بشمس تشرين وقد تخلل الهواء شيء من برودة. اشتكى أحدهماللآخر. قال:”نفذ ما أتكلم فيه! نفذ ما أفكر فيه”! علق الآخر:”ولمن تتكلم، ولمَ تفكر؟ لم يعد ثمة من يسمع أو من يفهم”!فكر الفيلسوف الأول لبرهةٍ، ثم تساءل بصوتٍ عالٍ: “أتزول الفلسفة بزوال جمهورها”؟ وتشاغل بخيطٍ في كم معطفه.سمعتهما دودةٌ كانت تنخر في خشب الطاولة التي جلسا إليها.قالت للفيلسوف الأول، بين النخرة والأخرى:”اصمت، كي يكون لديك ما تتكلم فيه”! وقالت للفيلسوف الثاني:”توقف عن التفكير، كي يكون لديك ما تفكر فيه”!لم يسمعاها، فاستمرت في نخر الطاولة“.
لم اسأله كيف عرف بكلامها، غير أني سجلت مقالته، فور استيقاظي، بحذافيرها.
اليوم 9
أتاني الدوري في اليوم التالي، تاسع أيام “التسجيل”. وقف في مكانه المعتاد، على طاولة الشرفة قرب فنجان القهوة الباردة. قال: “اكتب… هبطت اليوم إلى الأرض في حديقة الحيوانات. قفزت يمنة ويسرة، ثم نقرت من الأرض نقرة أو نقرتين، وطرت إلى غصن شجرة.راقبني قردان من قفصهما.قال القرد لصاحبه وهو يفليه:”لمَ ينقر العصفور الأرض”؟قال:”لعله يأكل منها شيئًا”؟قال:”فلمَ يقفز يمنة ويسرة”؟قال:”لعله يبحث عما يأكله”.قال:”فلمَ طار إلى الشجرة”؟قال:”لا أدري. فلِّني بصمت، ولا تكثر من الثرثرة”!صاح بهما الغصن الذي وقفت عليه: “يا لغبائكما! يطير العصفور لمجرد الطيران”!لم يسمعاه رغم دوي صمته“.
صمت صديقي الدوري. نظر إليَّ وقال: “لماذا تمشي”؟ قلت: “لأصل من مكانٍ إلى آخر”. ابتسم، تأدبًا، ثم طار مبتعدًا. لم افهم سبب ابتسامه غير أني سجلت مقالته، فور استيقاظي، بحذافيرها.
اليوم 10
أتاني الدوري في اليوم التالي، عاشر أيام “التسجيل”. وقف في مكانه المعتاد، على طاولة الشرفة قرب فنجان القهوة الباردة. قال: “سأخبرك اليوم عن الغابة المجاورة للمدينة. اكتب… راقبت السنديانة نمو عشبة. شقت العشبة الأرض وتطاولت حتى بلغت الشبر علوًا بعد أيام.راقبتها السنديانة كما تراقب مجريات الأمور حولها: فلاحون يغدون ويعودون، وصيادون يمرون، وأولادٌ يتسلقون أغصانها ويقطفون من ثمارها، وطيورٌ تدخل بين أغصانها وتخرج، وحشراتٌ تزحف عليها، ودودٌ ينخر في خشبها…ذبلت العشبة في الصيف وتهاوت على الأرض.ثم أتى الشتاء فنامت السنديانة.حلمت بالحياة وبالموت“.
لم ينتظر الدوري مني تعليقًا. أنهى مقالته وطار مبتعدًا.
اليوم 11
أتاني الدوري في اليوم التالي، حادي عشر أيام “التسجيل”. وقف في مكانه المعتاد، على طاولة الشرفة قرب فنجان القهوة الباردة. قال: “سأخبرك قصة بشري هجر المدينة وعاش في الريف ردحًا من الزمن، وتوفي يوم أمس. وأخبرك القصة نقلًا عن هرة رافقته في سنواته الأخيرة، وحاولت التهامي أكثر من مرة. قالت:”بحث عن الكنز طويلًا حتى أيس منه، فعاد أدراجه. عبر أجمة كثيفة تعثر بحجر فيها فوقع على الأرض. ارتطم جسمه بلوحٍ من الخشب. أزال اللوح فوجده يغطي باب سردابٍ طويل. دخل السرداب فقاده إلى غرفة ملأى بالذهب وبالجواهر. ظن، بعد طول عناء، أنه وجد الكنز. نام مرهقًا وصحا، نشطًا، بعد لحظات. أدرك، فجأةً، أن السرداب فارغٌ تمامًا.
ملأه الفراغ، فعاد“.
لم أسأله عن مغزى القصة خوفًا من تعليق لاذع. نظر إلى الدوري طويلًا قبل أن يطير مبتعدًا.
اليوم 12
أتاني الدوري في اليوم التالي، ثاني عشر أيام “التسجيل”. وقف في مكانه المعتاد، على طاولة الشرفة قرب فنجان القهوة الباردة. قال: “سأخبرك اليوم قصةً سمعتها من أبي… اكتب… سأل ثعلبٌ أباه:”لمَ يطاردنا البشر”؟قال:”لأنهم لم يدركوا قانون الطبيعة بعد، وخلطوا بينه وبين قوانينهم”.قال:”ولمَ ذلك”؟قال:”يحب البشر اللعب. خلقوا لعبة، وسنوا لها قوانينًا، وعاشوها، فنسوا أنها لعبة”.قال:”وما قوانين الطبيعة”؟قال: “هي أدواتٌ لا تستخدم، لأنها أدوات”.تدبر الثعلب مقالة أبيه وهو يلوك عظمة وجدها في مزبلة القرية“.
صمت الدوري الصغير وقد أطرق. ثم رفع رأسه وقال: “هل تفهم ما أقول”؟فضحني ترددي، فابتسم، وطار مبتعدًا.
اليوم 13
أتاني الدوري في اليوم التالي، ثالث عشر أيام “التسجيل”. وقف في مكانه المعتاد، على طاولة الشرفة قرب فنجان القهوة الباردة. قال: “اكتب… ذهبت اليوم إلى نافذة امرأة اعتادت أن تترك لي طعامًا على حافة نافذتها. لم أجد طعامًا، غير أني سمعت الأريكة والمرآة تتحاوران، فاسترقيت السمع.قالت الأريكة:”ليتني لم أكن أريكةً! تعبت من جلوسهم علي، ومن تذمرهم المستمر، ومن مشاكلهم، ومن روائحهم الكريهة”!ابتسمت المرآة، فاستشاطت الأريكة غيظًا.قالت:”أتسخرين مني أيتها الطويلة النحيفة الفارغة؟ ألا يزعجك تغيير موقعك كل يوم، وشتمك وكأنك السبب في عدم رضا الناظر إليك عن نفسه”؟قالت: ” كلا، لا يزعجني شيء مما ذكرت”!قالت: “وكيف ذلك”؟
قالت:”لأني أعكس الصورة ولا أبقيها، وأسمع الكلام ولا أحفظه، وأمسح عقلي في كل آنٍ، فأنا مرآةٌ أبدا”!
ضحكت الأريكة ساخرةً من غباء المرآة، وقعَّتْ فيها مع السجادة. طرت مبتعدًا“.
قفز الدوري بعدها هنا وهناك، ثم طار شأنه.
اليوم 14
أتاني الدوري في اليوم التالي، رابع عشر أيام “التسجيل”. وقف في مكانه المعتاد، على طاولة الشرفة قرب فنجان القهوة الباردة. قال: “اكتب… سأخبرك عن بلبل هرب من قفصه منذ أيام،وصدح أمس بعيدَ الفجر،فأنشد من المقامات أربعة،قال في الأول: “أنا الدرب، ولا درب، فمن أين أبدأ؟ وأين منتهاي”؟قال في الثاني:”مل قلبي من أفراحي، وتعب مقعدي مني، وبي إلى ذاك الكأس ظمأٌ بعمر الكون”.قال في الثالث:”متى تشرق الشمس فقد طال ليلي”؟ قال في الرابع:”كيف لا أطرق دربي، واكتحل بترابه كل يوم”؟تشاءمت البومة من إنشاده“.
توقف الدوري عن الكلام ورشف من قهوتي رشفات معدودات، ثم طار مبتعدًا.
اليوم 15
أتاني الدوري في اليوم التالي، خامس عشر أيام “التسجيل”. وقف في مكانه المعتاد، على طاولة الشرفة قرب فنجان القهوة الباردة. قال: “اكتب… سأخبرك عن غزال يعيش في الغابة المجاورة. سكر الغزال أمس، فناجى نهرًا هادرًا في الغابة. قال:”يا مجرى الماء العذب، اسقني”.وقال:”صداحٌ أنا، وأينإنشاديمن عذوبة مائك”.وقال:”لا يلهينك جريانك، يا نهراه، عن النظر إلى حالي”.قال الغزال هذا، وغاب وقد تعته السكر. جرى النهر، كدأبه، هادرًا“.
طار الدوري مبتعدًا وهو لا يزال يتكلم. لم أسمع الكلمة الأخيرة جيدًا وأظنها “هادرًا”، كما سجلتها.
اليوم 16
أتاني الدوري في اليوم التالي، سادس عشر أيام “التسجيل”. وقف في مكانه المعتاد، على طاولة الشرفة قرب فنجان القهوة الباردة. قال: “اكتب… سأخبرك عن بلبل اشتكى يومًا فأنشد، قال:”قلبي، بعدما فاض، تمرد.ولا سرٌ لدي فيكشف.نتفت ريشي، وكسرت جناحيّ.فهل من ريحٍ، غير الصرصر العاتية”؟صحا، على إنشاده، سكارى، فثملوا مرة أخرى“.
توقف الدوري عن الكلام ونظر إليَّ نظرةً، لا أزال حائرًا في تفسيرها، ثم طار مبتعدًا.
اليوم 17
أتاني الدوري في اليوم التالي، سابع عشر أيام “التسجيل”. وقف في مكانه المعتاد، على طاولة الشرفة قرب فنجان القهوة الباردة. قال: “سأخبرك اليوم عن رفاقي. اكتب… تنادم رفاقي يومًا. صاح شاربٌ منه، بساقيهم، قال:”اسقني، علني أنضو عني ريشي،اسقني، عل غبار غروري يسكن كالليل،اسقني، فما ليلنا هذا بمنقضٍ”…شرب الساقي حتى ارتوى، وأعطى الشارب كأسًا فارغة“.
قال الدوري هذا وطار مبتعدًا.
اليوم 18
أتاني الدوري في اليوم التالي، ثامن عشر أيام “التسجيل”. وقف في مكانه المعتاد، على طاولة الشرفة قرب فنجان القهوة الباردة. قال: “سأخبرك اليوم عن صديقي الشحرور… أكتب: غلب الشحرورَ العشقُ فأنشد:”أيتقى سحر عينيك؟أو أيسلم شارب خمرك من سكرتيه؟لا تعظوني! لا تقيلوا عاثرًا من عثرته،فله، في قرب التراب، نصيب،
وله، من قرب التراب، نصيب“.
قال الدوري هذا وتنهد. هل سمعتم دوريًا يتنهد؟ ثم طار مبتعدًا.
اليوم 19
أتاني الدوري في اليوم التالي، تاسع عشر أيام “التسجيل”. وقف في مكانه المعتاد، على طاولة الشرفة قرب فنجان القهوة الباردة. قال: “سأخبرك اليوم عن دودة صديقة. لا تعجب، فهذه الدودة أعز من أن تؤكل. تولهت أمس فجرًا، فنادت:”من حجب الوجه الجميل، وغيبه؟من يطعم شوقي إليه؟ من يسقيه وقد جفت المآقي؟من يطفئ النار في الأحشاء، تسعى؟من لي غيرك، وأنا هواك؟من لك غيري، وأنا أنت”؟ثم نامت، وصحت.وصلت، ولم تصل،فعادت“.
قال الدوري هذا وقد غامت عيناه. انهمروجعه على خداي، لكنه لم يرني، وطار مبتعدًا.
اليوم 20
أتاني الدوري في اليوم التالي، اليوم العشرون من أيام “التسجيل”. وقف في مكانه المعتاد، على طاولة الشرفة قرب فنجان القهوة الباردة. قال: “اكتب… سأل جروٌ أباه يوما،قال:”لمَ نحن كلاب”؟قال:”وهل نحن كلابٌ يا بني”؟قال:”وما نحن إذًا”؟قال:”نحن؟ نحن كلابٌ ليست كلابًا”.لم يفهم الكلب الصغير الجواب.تذكر سؤال جده لأبيه قبل رحيله بأيام، قال:”متى يلوح الذيل بالكلب يا بني”؟ابتسم الاثنان، يومها، ناظرين إليه. أما هو، فلم يفهم السؤال، ولا يزال“.
قال الدوري هذا وقفز هنا وهناك ثم طار مبتعدًا.
اليوم 21
أتاني الدوري في اليوم التالي، اليوم الواحدوالعشرون من أيام “التسجيل”. وقف في مكانه المعتاد، على طاولة الشرفة قرب فنجان القهوة الباردة. قال: “اكتب… رأيتها، ولم أرها،كانت كالبدر مكتملةً حسنًا، ولم تكن.عشقتها، فأنشدت أقول،لا، كعينيك، من الخمر سَكَرْ / لا كقدِكِ في حمى الدهر غِيَرْ، بل أناسٌ، في تماثُلِهمْ، صُوَرْ / فكأنهم أعجاز نخلٍ مُنقعِرْ، وعجلت إلى نفسي لترضى“.
نظر إليَّ وأنا أدون الكلمات الأخيرة. قال: “هل أعجبك الشعر”، فأجبته بأنه أعجبني وإن لم أفهمه. ابتسم صديقي وحلق مبتعدًا.
اليوم 22
أتاني الدوري في اليوم التالي، اليوم الثاني والعشرون من أيام “التسجيل”. وقف في مكانه المعتاد، على طاولة الشرفة قرب فنجان القهوة الباردة. قال: “اكتب… يتساقط قلبي، وديني، كحبات رملٍ بين أصابعي. لامني، ولم يلمني فلامني.قال:”ما صاحبني أحدٌ وسلم”.قلت:”حتى هذه الشمعة”؟قال:”تذوب يومًا بعد يوم. تنير لغيرها ولا درب لها، وقد نسيت أنها الدرب”.قلت:”كيف لا أسلم، في صحبتك، وأنا أنت”؟ابتسمت، ولم أجبني“.
قالها الدوري مبتسمًا. كانت ابتسامته حانية، محبة، مطمئنة، حزينة… لا توصف. طار مبتعدًا من دون وداع.
اليوم 23
أتاني الدوري في اليوم التالي، اليوم الثالث والعشرون من أيام “التسجيل”. وقف في مكانه المعتاد، على طاولة الشرفة قرب فنجان القهوة الباردة. قال: “ اكتب… طرت إلى الشاطئ، فجر اليوم، وراقبت الموج. تراجعت الموجة بنشيش لا تتقنه سوى الموجات، فتبعتها رملات.صاحت رملةٌ منهن: “ليتني كنت موجةً”.صاحت أخرى: “ليتني كنت مطرًا”.صاحت ثالثة: “ليتني كنت شمسًا”.قال الشاطئ: “ليتني كنت شاطئًا”، وتبسم ضاحكًا من قولها“.
قالها الدوري وطار مبتعدًا.
اليوم 24
أتاني الدوري في اليوم التالي، اليوم الرابع والعشرون من أيام “التسجيل”. وقف في مكانه المعتاد، على طاولة الشرفة قرب فنجان القهوة الباردة. قال: “أكتب… شب حريقٌ في غابة.امتدت النيران بسرعة يحدوها ريحٌ فالتٌ من كل عقال، فاحترقت ريحانة حتى الموت.سعت، ثم سلّمت. زالت، فوصلت. كان آخر ما جال في خاطرها: ظننت أن… لمَ لا أصل؟سجلت الخاطرة جمرةٌ، وروتها للرماد تنثره الريح“.
قال الدوري هذا وابتسم، ثم طار مبتعدًا.
اليوم 25
أتاني الدوري في اليوم التالي، اليوم الخامس والعشرون من أيام “التسجيل”. وقف في مكانه المعتاد، على طاولة الشرفة قرب فنجان القهوة الباردة. قال: “أكتب… هذا ما قاله لي معلمي المنتقل. قال: “أغمض عينيك، فما تراه وهم. لن ترى، حتى يندمج العقل بذاته، ويزول فكر. لن ترى، حتى تصبح واحدًا لا تنفصم عراه.لن ترى، حتى تكون، فلا تكون”. رميت، يومها، الأشياء خلفي، وراقبت نفسي، فزالت…زلت، فعدت“.
نظر إلي، وقد انتهى، فقال: “ما الذي فهمته اليوم“؟ لم أجب، ولم يعد السؤال. قفز هنا وهناك ثم طار مبتعدًا.
اليوم 26
أتاني الدوري في اليوم التالي، اليوم السادس والعشرون من أيام “التسجيل”. وقف في مكانه المعتاد، على طاولة الشرفة قرب فنجان القهوة الباردة. قال: ” أكتب… جلس ساقٍ على حافة النهر يبيع الماء. نادى صبيانه في الناس على الماء العذب الفرات. اصطف المشترون صفوفًا طويلة لشراء الماء، وتزاحموا، وتصايحوا. أنبهم صبيان الساقي فطأطأوا رؤوسهم خجلًا.سألت الساقي عمَ يفعله. قال: “أبيع الماء للعطشى. ماءٌ عذبٌ فرات”!هدر النهر خلفه جاريًا“.
قالها الدوري وطار مبتعدًا.
اليوم 27
أتاني الدوري في اليوم التالي، اليوم السابع والعشرون من أيام “التسجيل”. وقف في مكانه المعتاد، على طاولة الشرفة قرب فنجان القهوة الباردة. قال: ” أكتب…قال معلمي يومًا لنا: “تنبع أوهام معارفنا من ذاكراتنا: مخزن معارفنا ومشاعرنا، ومنشأ مواقفنا ومعتقداتنا، وأساس وعينا لذواتنا وتعريفنا لها. نسمي ونعرِّف ونفسِّر، فنحدد ونموضع ونتموضع. ما يُسمى يأتي من المخزن، ويعود إليه.ما يُعرَّف يأتي من المخزن، ويعطى لمن لا يفهمه.ما يُفسَّر يأتي من المخزن، ويعطى لمن لا يحتاجه.سجلنا الكلام، يومها، لكنه لم يسجلنا“.
قالهذا، ونظر إلَّ طويلًا، ثم طار مبتعدًا.
اليوم 28
أتاني الدوري في اليوم التالي، اليوم الثامن والعشرون من أيام “التسجيل”. وقف في مكانه المعتاد، على طاولة الشرفة قرب فنجان القهوة الباردة. قال: ” أكتب…قالت شجرة لثمرتها: الأسماء والتعريفات والتفاسير، في أحسن أحوالها، باطلٌ وقبض ريح، وفي أسوأ أحوالها، مرآة مقعرةٌ لأنا متخمة متضخمة.فعلقت جارتها قائلة: ما يبنى على الوهم وهمٌ مثله، وكل ما يسمىقاصرٌ مثلها.تدبرت الثمرة الكلام فيما نخرتها دودة“.
لم ينتظرني حتى أكمل الكتابة، وطار مبتعدًا.
اليوم 29
أتاني الدوري في اليوم التالي، اليوم التاسع والعشرون من أيام “التسجيل”. وقف في مكانه المعتاد، على طاولة الشرفة قرب فنجان القهوة الباردة. قال: “أكتب…سأل ذئبٌذئبًا، قال: أصحيح ما قالوه أنَّ الذاكرة دربٌ غير نافذ، وخارطة طريق لا تؤدي إلى مكان… قال: “بل هي ظلمات يتخبط فيها عميان يرشدون بعضهم بعضًا، كسراب بقيعة يحسبونه دربًا، ويتبعونه سببًا”… قال: “أيمكننا القول أنَّ المعرفة ليست كلماتٍ، ولا صورًا، ولا معلوماتٍ”؟
قال: “المعرفة لا يمكن نقلها، فهي هي: كينونة هي، مدخل العودة”. سمعهما غزالٌ فقال: “تبدأ رحلة المعرفة بالنسيان“.
نظر إلي، وقد علت الحيرة وجهي، فضحك، وطار مقهقهًا.
اليوم 30
أتاني الدوري في اليوم التالي، اليوم الثلاثون من أيام “التسجيل”. وقف في مكانه المعتاد، على طاولة الشرفة قرب فنجان القهوة الباردة. قال: “أكتب…سأل مريدٌ معلمه: ما الرغبة؟قال: “هي ما تصهر منه الأغلال، وتبنى السجون، وتعلو الحوائط، وتقام الحواجز”.قال: “وهل صحيح أن الرغبة سيد شرس: طويل النجاد، رفيع العماد، كثير الرماد، وحية، لا يؤمن جانبها، في بطن واد”؟قال: “نعم، وهي تتجسد فيما لا قيمة له إلا في وهمنا الجمعي، ولا حاجة إليها إلا لدعمه، ولا فائدة منها إلا في بنائه”.سمعهما عصفور صديق فقال: “بل هي وهمٌ يبني وهمًا من وهمٍ على وهم”.ضحكت أناهساخرة منه“.
صمت العصفور بعدها وقفز على يدي، فكتفي، ونقر خدي نقرات خفيفة، ثم طار مبتعدًا.

خاتمة
لم يأتِ الدوري، في منامي في اليوم الواحد والثلاثين. ولا في اليوم الذي تلاه. عاد في اليوم الثالث والثلاثين، ووقف في مكانه المعتاد، على طاولة الشرفة قرب فنجان القهوة الباردة. وقف مطرقًا لدقائق معدودات قبل أن أدرك أنهلم يكن الدوري الذي عرفته وأحببته. كان أشبه بصورة مجسمة له، أنوارٌ، وألوانٌ، وحضورٌ أعجزني تعريفه. تخطى قلبي أضلعي وانفجر.
نظر إليَّ بعينيه الحزينتين ولم “يتكلم”. التقت عينانا، وقلبانا، لبرهة خلتها دهورًا. فاض منه كلامٌ ليس بكلام، وشع منه نورٌ ليس بنور، وصدح قلبه بموسيقى ليست بموسيقى. تدافع الكلام والنور والموسيقى كالسيل، جارفةً أوجاعي كلها. كنت، في تلك البرهة/الدهر، والدوري، والكلام/ النور / الموسيقى / السيل،واحدًا ليس بأحد ولا بعدد… كنا فحسب…
رأيت في عينيه كلامًا لم يقله، وخواطر لن أسجلها، فعدت.



