سجلوا عندكم

مراجعة نقديّة لتجربة حزب الله السياسيّة والعسكريّة لأسعد أبو خليل…لكلّ فكرٍ تجربتُه ولكلِّ تجربةٍ تقييمُها

Views: 248

محمود شريح

د. أسعد أبو خليل في جديده مراجعة نقديّة لتجربة حزب الله السياسيّة والعسكريّة (عن كتب، صيف 2026) يُعلن منذ البدء أنّ الكتابة الآن عن مراجعة تاريخ حزب الله ليست كما قَبْله، ذلك أنّ ما سُمِّيَ بحرب المشاركة في الدفاع عن إيران في وجه الحرب الأميركيّة – الإسرائيليّة ضدّ إيران يختلف عن حرب الإسناد، إذ كان الظنّ أنّ الحزب انتهى أو أنّ شوكته انكسرت وأنّه لن يستطيع أن ينهض بسهولة من كَبوته الكبرى، مُشيراً إلى أنّه من الذين ظنّوا أنّ الحزب أُصيب بضربة يصعُب تجاوزها، إذ عضَّ الحزب على جراحه لمدّة 15 شهراً بعد اتّفاق وقْف الأعمال العدائيّة في 2024، فيما استمرّت إسرائيل في التصعيد والقتل والإرهاب. يقرّ د. أبو خليل انه في المرحلة الحاليّة نهض الحزب وأظهر تنظيماً مختلفاً تماماً، فالسريّة المفرطة هي سيّدة الموقف، كما أنّ النشاط العسكري لم يعُد كلاسيكيّاً على طريقة الجيوش، فقد اتّبع الحزب طريقة حرب العصابات الصغيرة التي انطلق من خلالها في الثمانينيّات، فالمقاومة الفعّالة هي التي تتكيّف مع الظواهر والحالات والمتغيّرات من حولها؛ وأنّ الذي وسمَ قتال الحزب وأداءه في المرحلة الأخيرة أظهر تبايناً مع المرحلة الماضية؛ ذلك أنّ الحزب حافظ على سريّة بالغة في العمل، وعاد إلى العمل السرّي تحت الأرض وأصبحت المراسَلة والتواصل محكومَين بطرائق بدائيّة يصعب على العدوّ النفاذ منها. 

ويرى د. أبو خليل أنّ حزب الله اضطرّ إلى اختيار قيادات جديدة وبسرعة وأظهر مرونة في التعايش مع المرحلة الجديدة، فبقي صامتاً لخمسة عشر شهراً، يقبلُ، من دون صدّ، خروقات إسرائيل لوقْف الأعمال العدائيّة، لكنّه كان يعدّ العدّة ويجهّز نفسه ويُعيد تنظيم كوادره، والنتيجة كانت واضحة من خلال متابعة مجريات المعارك في المرحلة الماضية، فالمعارك الأخيرة حول تلال علي الطاهر أظهرت قدرات تذكّر ببطولات معارك سابقة بين العدوّ والمقاومة في الجنوب.

ويشير المؤلِّف إلى أنه لم يُصدِر الحزب بعدُ نتائج تحقيقاته عن الخروقات، من تفجيرات البيجر إلى الاغتيالات، إلى ضرب مواقع الصواريخ الذكيّة، إذ كان الحزب قد وعد بالمكاشفة والمصارحة. ويلحُّ على أنّ غياب نصر الله ترك فراغاً إعلاميّاً كبيراً.

يرى د. أبو خليل صائباً أنّ البيئة السياسيّة أصبحت أكثر صعوبة للحزب للعمل من خلالها، ذلك أنّ العزلة أو القوقعة الطائفيّة ازدادت ومعظم حلفاء الحزب من الطوائف والتيارات الأخرى هجروه، كما أنّ إعلان الحُكم حظْر النشاط الأمني والعسكري للحزب يذكّر بمرحلة التسليم بالاحتلال الإسرائيلي في صيف 1982، إلّا أنّ التحالف الثنائي صمد لكنّه ما يزال محكوماً بأسوأ الحسابات السياسيّة. 

من هنا مبدأ النقاش مع د. أسعد، وأنا واثقٌ أنّه مُصغٍ وواعٍ. واضحٌ إذاً أنّ مسارَ الحركة القوميّة العربيّة منذ مئة عام وحتى الآن تلكّأ وتباطَأ، رغمَ أنّ الفكر القومي وبمحاذاته النظريّة اليساريّة أفلحا إلى حدٍّ بعيد في تبيان حقيقةِ الهجمة الشرسة على بلاد الشام، بدءاً من وثبة ميسلون، إلى نشأة الحزب الشيوعي في زحلة، فالسوري القومي الاجتماعي وحركة القوميين العرب في بيروت والبعث في دمشق، إلّا انّه وبدءاً من نكبة 1948، لحظة الصدام مع الاستعمار الجديد، ومن ثمّ تنامي سطوتِه وجبروتِه، على مدى أربعين عاماً، بمباركة أميركيّة وموافقة أوروبيّة، كان لا بُدّ من ردّة فعلٍ، سيّما وأنّ الدولة العبريّة تمادتْ في طغيانها وجبروتها، فحملَ أهل فلسطين السلاح بدءاً من 1965 وآزرَهم أهل لبنان منذ ذلك الحين، وتنامى الصراعُ، فإذا أهل غزّة وأهل جنوب لبنان يردّون الصاعَ صاعيْن للدولة العبريّة، ثمّ كان حزبُ الله رأس حربة الصدام إثر اجتياح 1982، وإذ لم تنجُ حركة المقاومة الفلسطينية من سعير الحرب الأهليّة بدءاً من 1975 حتى رحيلها عن بيروت، ما كانَ بوسع حزب الله الإفلات من شبكة المذهبية المتفشّية في بلاد الشام، فكيدَ له كيداً عظيماً لارتباطه الوثيق بإيران، وكما تحطّمت قوميّة سعاده وناصر على صخرة الرجعيّة، وانكسرتْ، وعلى نحو مماثل، شوكةُ المقاومة الفلسطينية فيما جهدَ حزب الله بالحفاظ على تماسك جبهته رغم غياب تكافؤ النزال مع ترسانة الدولة العبريّة، فتحوّلَ مصيرُ جنوبه إلى مصير غزّة، من حيث البطش والفتك والدمار، بصورة تكادُ تكونُ متطابقة، وبمباركة أميركية ورضىً أوروبي، فإذا أهل الجنوب وأهل غزّة سيّان تحت ضربات مِطرقة همجيّة شرسة، لا تبقي ولا تذر، كما في تجربتيْ علي الطاهر والمنصوري، على سبيل المثال وليس الحصر، فأين المفرّ، وهل نقدُ تجربةِ حزبِ الله الآن يفي حزبَ الله حقَّه!

لكلّ فكرٍ تجربتُه ولكلِّ تجربةٍ تقييمُها، وبالضرورة، ولكن في إطارِها التاريخي، ود. أسعد من فطنتِه، ومن حرقة قلبِه، هو الجنوبي من القليلة، عند برّ ساحل صُور، يعمدُ أحياناً إلى إطفاء غليلهِ، فكان فيما مضى كلّما دقَّ الكوزُ بالجرّة فتّش عمّا يكدّرُ صفوَ عيشِ جماعة فتح ومنظمة التحرير الفلسطينيّة، فلم يستثنِ سوى معلِّمه د. جورج حبش، وجبهتِه، وهنا هو محقّ، فحبش سبقَه إلى أميركيّة بيروت بأربعين عاماً، أي مسافة التحوّل الجذري في الفكر العربي الحديث، فلحقَ أسعد بربعه، ولا عجب أن رفعَ أسعد راية الاشتراكية في الجامعة نفسِها، بعد أربعين، والنضالُ متّصل الحلقات، رَعَاهُ لزمنٍ ولّى محسن ابراهيم، مُلتقى النِضاليْن، الفلسطيني واللبناني، ولكن العجب العجاب أنْ قارعَ أهل فلسطين الحركة الصهيونيّة تؤازرها بريطانية العُظمى على مدى قرن، وها هو أهل جنوب لبنان يقارعُ الدولة العبريّة بعون هيمنةِ أميركا على مدى نصف قرن!

ما أن كانت خدعة بريطانية العظمى للثورة العربيّة الكبرى في شأنيْن خطيريْن، وعد بلفور واتّفاقيّة سايكس – بيكو، وما أن وصلَ الجنرال اللنبي إلى القدس، حتى بدا واضحاً انّ الغرض بادىء ذي بدء كان إسقاط المملكة العربية في دمشق، وردّ فيصل ضيفاً من قصر الداعوق في ميناء الحصن في بيروت إلى أهلِه في الجزيرة، وإقامته لاحقاً ملكاً على العراق، وتولية أخيه عبدالله إمارة الأُردن؛ فما أن خَلي الشأنُ لبريطانيه حتى دأبَتْ على مدى عقدين على مدّ الحركة الصهيونيّة بما تعوزُه من عدّة وعتاد لإعلان الدولة العبريّة، ما تزامنَ مع القضاء على أنطون سعاده ومن ثمّ الإنقضاض على عبد الناصر، فما هو إلّا عقد حتى كان قضاء، غربيّاً ممنهجاً، على القوميّتيْن السوريّة والعربيّة، وعلى مراحل، كان آخرها إسقاط بغداد، فالحرب على إيران وغزّة وجنوب لبنان، بغرض تصفية جيوب المقاومة في الشرق الأدنى، ما يفسحُ لهيمنة أميركية بالمطلق على قرنيْ الهلال الخصيب من غزّة إلى البصرة، ثمّ وصولاً إلى مضيق هرمز. 

يعترفُ د. أبو خليل بأنّه سيُكتبُ الكثيرُ عن الحزب، فالصراع مع الدولة العبريّة طويل جدّاً وهو يحتاج إلى أنفاس طويلة متقطّعة، كما كان د. جورج حبش يقول على الدوام، لكنّ د. أسعد يعترف بأنّه قد يختلف معه كثيرون في التقييم والتحليل، إلّا أنّه مدركٌ بحقّ أنّ التصدّي للحركة الصهيونيّة والدولة العبريّة أمسى ضرورة تاريخيّة، فإمّا فناء وإمّا بقاء، فصبراً جميلاً، أمّا محسوبك، الداعي لك بالخير يا أسعد، فلسانُ حاله: أُفٍّ لرِزقٍ يُرتجى من شِقّ القصبة، ولكن لربّما تجزعُ النفوسُ من أمرٍ له فَرْجَةٌ كَحَلِّ العِقالِ، كما أشار أُميّة بن أبي الصّلت، من القرنين السادس والسابع، لكن أُستاذي الطيّب الذكر خليل حاوي قال بحتميّة أُفول الدولة العبريّة منذ ربيع 1981، فرأى فيها حملة باطل حلّتْ على الساحل: “مجهولةٌ في القدس والجولان والحولَهْ/ مجهولةٌ في القدس مجهولهْ/ من بابل تمضي إلى بابلْ/ يا حملة الباطلْ/ ياحملةَ الباطلْ”، وإنّما الأُمور بخواتيمها، فالدهرُ يُعقبُ صالِحاً بفساد، كما عند الأسود بن يَعفرُ، تربُ أُميّة بن أبي الصّلت، الآنف ذكره. 

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *