لمن هذا البيت؟ لمن هذا الوطن؟
العميد الركن المتقاعد صلاح جانبين
ثمة أسئلة تبدو، للوهلة الأولى، بسيطة إلى حدّ لا يستحق معه الأمر الوقوف طويلًا أمامها.
لمن هذا البيت؟ نجيب فورًا: لصاحبه.
ولمن هذه الأرض؟ نبحث في الأوراق والسجلات والحدود والخرائط.
لكن ماذا لو اتسع البيت حتى صار وطنًا؟
وماذا لو أصبحت جدرانه حدودًا، وأبوابه معابر، وسقفه سماءً، وسكانه شعبًا، وذكرياته تاريخًا؟
عندها لا يعود السؤال بسيطًا. بل يصبح : لمن هذا الوطن؟
فالبيت هو أول وطن صغير يعرفه الإنسان. فيه يولد، وفيه يكبر، وعلى جدرانه تتراكم صور العائلة، وفي زواياه تحفظ الذاكرة أصوات الذين سبقوه. قد يكون البيت إرثًا عن أب أو جد، وقد يكون ثمرة سنوات طويلة من العمل والتعب. وفي الحالتين، لا يكون البيت مجرد عقار؛ إنه امتداد للإنسان، وجزء من إحساسه بالأمان والكرامة والاستقرار.
ولهذا تحمي القوانين الملكية الخاصة، وتنظم انتقالها بالإرث، وتحدد حقوق أصحابها وواجباتهم.
فالملكية ليست ورقة فحسب. إنها حق ومسؤولية.
ومن يملك بيتًا لا يملك جدرانه فقط، بل يشعر بمسؤوليته عن حمايته وصيانته، وعن منع الآخرين من اغتصاب حقه فيه.
ومن هنا تبدأ الحكاية. فالإنسان يدافع عن بيته لأنه بيته، ثم يدافع عن عائلته لأنها امتداد لبيته، ثم يدافع عن الحي والقرية والمدينة لأنها امتداد لعائلته وحياته.
ثم، ذات يوم، يكتشف أنَّ كل هذه الدوائر الصغيرة التي أحبها وعاش فيها ليست إلا أجزاء من دائرة أكبر اسمها: الوطن.
الوطن ليس بيتًا كبيرًا فحسب، بل هو البيت الذي لا يملكه فرد، ولا عائلة، ولا طائفة، ولا حزب.
إنه الملك العام الذي تتشارك فيه أجيال متعاقبة حق العيش والانتماء والكرامة.
فيه مدافن الآباء، وبيوت الأبناء، ومدارس الأطفال، وحقول الفلاحين، وطرق الناس، ومؤسسات الدولة، ومرافئ البلاد، ومستشفياتها، وجامعاتها، وكل ما صنعه الناس من أجل أن تستمر الحياة.
ولهذا فإنَّ الدفاع عن الوطن، في الأصل، ليس مسؤولية فرد ولا جماعة. إنه مسؤولية الدولة.
الدولة التي تمتلك المؤسسات، الجيش، القوى الأمنية، القانون، والقدرة على تمثيل الوطن في الداخل والخارج.
فإذا كانت الدولة هي صاحبة السيادة، فإن مؤسساتها الشرعية هي صاحبة المسؤولية الأولى عن حماية هذه السيادة.
لكن التاريخ كثيرًا ما وضع الشعوب أمام سؤال أصعب: ماذا يفعل الناس عندما تكون الدولة أضعف من الخطر الذي يهددها؟
هنا الوضع والموقف الأكثر ألمًا في الحكاية اللبنانية، ولبنان هو البلد الذي عاش لعقود على تخوم الصراعات والنزاعات والاعتداءات المستمرة على أرضه، والبلد الذي دفع مواطنوه أثمانًا باهظة من حياتهم وبيوتهم وأرزاقهم وأمنهم واستقرارهم على مر السنين الماضية.
كما أنه في السنوات الأخيرة، عادت الاعتداءات الإسرائيلية والعمليات العسكرية على اختلافها وعلى امتداد الوطن بخاصة الحدود الجنوبية لتضع اللبناني أمام المشهد ذاته: أرض تتعرض للضرب والقصف والاعتداءات والتفجيرات، وقرى تُخلى، وممتلكات تُدمّر، وبنى تحتية تتضرر، ومواطنون يجدون أنفسهم بين نار الصراع وعجز المؤسّسات عن منع كل أخطاره.
هذا وقد وثقت الأمم المتحدة خلال 2026 أعدادًا كبيرة من الاعتداءات والخروقات الإسرائيلية والضربات والتفجيرات والتحركات العسكرية في الجنوب، كما سجلت أضرارًا طالت طرقًا ومنشآت ومناطق مأهولة، ودعت بصورة متكررة إلى حماية المدنيين والبنى التحتية والالتزام بالقانون الدولي الإنساني. ولم تكن المسألة بالنسبة إلى أهل الجنوب مجرد أرقام في تقارير دولية.
فالبيت الذي يُهدّم ليس رقمًا، والحقل الذي يُترك ليس رقمًا، والطريق الذي ينقطع ليس رقمًا، والمستشفى الذي يتوقف عن العمل ليس رقمًا.
كل واحد منها هو قطعة من حياة إنسان.
وهنا نفهم لماذا يصعب على شعب أن ينظر إلى أرضه باعتبارها مجرد مساحة على الخريطة.
إنَّ الأرض بالنسبة إلى أهلها ذاكرة وحياة وكرامة ومستقبل.
وعندما تكون الدولة عاجزة عن القيام بكل واجباتها، يظهر في المجتمع من يرى أنَّ الدفاع عن الأرض مسؤولية لا يمكن انتظارها إلى ما لا نهاية.
وهنا نشأت في لبنان، كما في بلدان أخرى، فكرة المقاومة بأشكالها المختلفة، باعتبارها تعبيرًا عن رفض الاحتلالات والاعتداءات، والدفاع عن الأرض في ظل اختلال كبير في موازين القوة.
وهذه حقيقة ينبغي أن تُقرأ ضمن سياقها التاريخي والإنساني، من دون أن تعني أنَّ كل وسيلة أو كل ممارسة تصبح تلقائيًا فوق النقاش أو فوق القانون.
فالدفاع عن الوطن قضية. أما كيفية ممارسته، ومن يمارسه، وتحت أي مرجعية، وما حدود ذلك، فهي قضايا أخرى تحتاج إلى نقاش وطني وقانوني صريح، بالرغم أنَّ المقاومة والدفاع عن الأرض والعرض، تُعتبر من أبسط الحقوق الإنسانية المشروعة لا تحتاج إلى نقاش بل إلى دعم وتأييد.
لكن يبقى السؤال الذي لا يستطيع أحد محوه: إذا عجزت الدولة عن حماية الأرض، فهل يفقد أهل الأرض حقهم في الدفاع عنها؟
إنَّ الإجابة التاريخية عند كثير من الشعوب كانت: لا.
فالشعوب لا تنتظر دائمًا أن تُصبح موازين القوة لصالحها حتى تتمسك بحقها في أرضها ومقاومة المعتدين عليها.
قد تكون إمكانياتها محدودة، محاصرة، وحيدة، وقد تكون دول العالم منشغلة بحساباتها ومصالحها.
لكن الإنسان الذي يرى بيته مهددًا لا يحتاج إلى مؤتمر دولي كي يعرف معنى الخطر.
ومن هنا تولد العبارة الشهيرة: الأرض لمن يدافع عنها، ويُضحي من أجلها، ويبذل الغالي والنفيس في سبيلها. لكن هذه العبارة تحتاج إلى شيء من التأمل.
فهي، إذا فُهمت باعتبارها قاعدة قانونية مطلقة، تصبح خطرة؛ لأنَّ العالم عندها يتحول إلى ساحة لمن يملك القوة الأكبر. كما أنَّ القوة وحدها لا تصنع الحق.
وإلا أصبح المعتدي الغاصب صاحب حق لأنه أقوى، وأصبح المدافع المظلوم بلا حق لأنه أضعف.
وهذا هو بالضبط ما ينبغي أن تقاومه فكرة القانون الدولي.
فالحق لا ينبغي أن يتغير بتغير ميزان القوة.
لكن هناك معنى آخر للعبارة، معنى إنساني وتاريخي: الأرض لا تبقى حية في ذاكرة أهلها إلا إذا تمسكوا بها.
ومن يدافع عن أرضه، ويضحي من أجلها، ويصر على البقاء فيها، يعلن أنَّ هذه الأرض ليست فراغًا يمكن أن تملأه القوة، وإنما وطن له أهل وذاكرة وحقوق.
لذلك قد لا تكون الأرض «لمن يدافع عنها» بمعنى الملكية القانونية، لكنها تصبح، في الوعي التاريخي، أكثر ارتباطًا بمن بقي فيها، وحماها، وضحى من أجلها، ورفض أن تتحول إلى غنيمة لمن يملك القوة.
واللبناني، حين ينظر إلى واقعه، يجد نفسه أمام مفارقة قاسية.
من جهة، هناك دولة يُفترض أن يكون جيشها ومؤسساتها صاحبة المسؤولية الأولى عن الدفاع عن حدودها وسيادتها. ومن جهة أخرى، هناك تاريخ طويل من الصراعات والاعتداءات الإسرائيلية جعل جزءًا من المجتمع يرى أنَّ انتظار قدرة الدولة وحدها قد يعني ترك الأرض مكشوفة أمام قوة عسكرية أكبر بكثير.
وبين الأمرين، يبقى المواطن هو الذي يدفع الثمن.
هو الذي يُهدم بيته، وهو الذي يخسر متجره.
وهو الذي يترك أرضه، وهو الذي ينتظر أن تعود الكهرباء والمياه والطرق.
وهو الذي يسأل: من يحمي حقي عندما تعجز الدولة، وعندما لا يكفي القانون وحده لردع من يملك القوة؟
والأشد مرارة أنَّ لبنان ليس عضوًا في عالم بلا مواثيق.
فالدول العربية نفسها وقعت منذ عام 1950 معاهدة الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي، التي تنصّ، في مادتها الثانية، على اعتبار العدوان المسلّح على دولة من الدول المتعاقدة موجهًا إليها جميعًا، وعلى تقديم المساعدة للدولة المعتدى عليها بصورة فردية وجماعية.
فأين ذهبت تلك الفكرة؟ وهل أصبحت الاتفاقيات التي كتبتها الدول بأقلامها أثقل من أن تحملها أفعالها؟
هل تحولت المواثيق إلى نصوص تحفظها الأرشيفات، بينما تترك الشعوب وحدها أمام النار؟
ليس السؤال هنا دعوة إلى حرب عربية، ولا إلى مواجهة مفتوحة. بل هو سؤال أخلاقي وسياسي أبسط وأعمق: ما قيمة التضامن إذا لم يظهر عندما يكون أحد أعضائه في أضعف حالاته؟
وما قيمة معاهدة تقول إنَّ العدوان على واحد هو عدوان على الجميع، إذا بقيت عبارة «على الجميع» حبيسة الورق؟
قد تكون للدول حساباتها، وتحالفاتها، ومخاوفها، ومصالحها، وهذا أمر مفهوم في عالم السياسة.
لكن الشعوب تنظر إلى الأمر من زاوية أخرى.
الشعب الذي يرى قرية مهدّمة لا يرى توازنات إقليمية، بل يرى بيتًا مهدّمًا.
والأم التي تخاف على أطفالها لا تقرأ بيانات الدبلوماسية.
والرجل الذي فقد مصدر رزقه لا يستطيع أن يسكن في لغة البيانات.
إنه يريد فقط أن يعرف: هل هناك من يرى ما يحدث؟
أما المجتمع الدولي، فقد أثبتت التجربة اللبنانية أنَّ وجود القرارات والبعثات والمواثيق لا يعني دائمًا القدرة على منع كل انتهاك أو فرض التنفيذ الفوري.
فحتى قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان، التي تعمل منذ عقود في الجنوب، وثقت خلال 2026 فقط خروقات جوية وقصفًا وتفجيراً وقتلاً وتدميرًا وتحركات عسكرية وأضرارًا في محيط عملياتها بالرغم من وقف النار برعاية دولية والتقيّد اللبناني به، بينما استمرت الدعوات الدولية إلى احترام وقف الأعمال العدائية وحماية المدنيين.
وهنا تظهر المعضلة الكبرى: ما الذي يبقى للضعيف عندما تكون القواعد موجودة، لكن إنفاذها غير متكافئ؟
إنها ليست مشكلة لبنان وحده.
إنها مشكلة كل شعب صغير يعيش بجوار قوة أكبر منه.
فإذا أصبحت القوة معيار الحق، فلن يبقى في العالم مكان آمن للضعفاء.
أما إذا أصبح القانون أقوى من القوة، فإنَّ الأمم الصغيرة تستطيع أن تعيش دون أن تخشى أن يتحول ضعفها إلى رخصة للاعتداء عليها.
ولهذا فإنَّ الدفاع عن الوطن لا ينبغي أن يُختزل في السلاح.
الدفاع عن الوطن يبدأ من بناء دولة قوية، من جيش وطني قادر، من مؤسسات عادلة، من شعب موحّد، من اقتصاد يستطيع الصمود، من قضاء يحمي الحقوق، من دبلوماسية تدافع عن السيادة، ومن قانون لا يُستخدم ضد الضعيف ويُترك القوي فوقه.
وإذا اضطُر شعب إلى الدفاع عن أرضه في ظروف استثنائية، فإنَّ الهدف النهائي ينبغي أن يبقى واضحًا: أن يأتي يوم لا يحتاج فيه الوطن إلى أن يدفع أبناءه ثمن عجز الدولة أو عجز النظام الدولي.
فأجمل انتصار ليس أن يبقى الناس في حالة حرب إلى الأبد، بل أن يصبح الوطن قويًا إلى درجة لا يجرؤ معها أحد على الاعتداء عليه، وأن تصبح الدولة قادرة على حماية مواطنيها دون أن تضطرهم إلى حمل أعباء لا ينبغي أن تقع على عاتقهم.
وهنا نعود إلى البيت. ذلك البيت الصغير الذي بدأنا منه.
حين يُعتدى على البيت، يدافع عنه صاحبه.
وحين تُهدد العائلة، يقف أفرادها إلى جانب بعضهم.
وحين تُهدد القرية، تتكاتف القرية.
وحين تُهدد الأرض، يتحول الدفاع إلى قضية شعب.
لكن عندما يصبح البيت وطنًا، يجب أن يصبح الدفاع عنه أيضًا مسؤولية دولة ومجتمع وشعب موحّد وقانون.
لا وطن بلا دولة، ولا دولة بلا شعب.
ولا شعب يستطيع أن يشعر بالأمان إذا كانت أرضه مباحة لمن يملك القوة.
لذلك، عندما نسأل: لمن هذا البيت؟
نقول: لمن يملكه، ويحميه، ويحترم حق الآخرين فيه.
وعندما نسأل: لمن هذه الأرض؟
لا ينبغي أن يكون الجواب: لمن يملك الطائرات والصواريخ والدبابات.
ولا لمن يستطيع فرض الأمر الواقع.
فالحق لا يولد من فوهة القوة.
وعندما نسأل: لمن هذا الوطن؟
فالجواب ينبغي أن يكون:
لأبنائه جميعًا، لمن ولد فيه، لمن عاش فيه، لمن بنى بيته فيه، لمن دفن أهله في ترابه، لمن زرع أرضه، ولمن بقي فيه عندما كان الرحيل أسهل.
ولمن قاوم ودافع عن حقه في الحياة والكرامة والسيادة.
كما أنَّ الوطن، في الوقت نفسه، ليس ملكًا لفئة دون أخرى، إنه ملك الجميع. والدفاع عنه مسؤولية الجميع، كلٌّ من موقعه، وفي إطار القانون والمصلحة الوطنية.
وفي النهاية، ربما لا يكون السؤال الحقيقي:
لمن هذا البيت؟
ولا: لمن هذا الوطن؟
بل: هل يستطيع الإنسان أن يكون آمنًا في بيته، حرًا في وطنه، مطمئنًا إلى أنَّ القانون يحميه، وأنَّ المجتمع الدولي لا يتركه وحيدًا أمام القوة؟
ذلك هو الاختبار الحقيقي.
فالوطن ليس قطعة أرض فقط.
الوطن هو أن يكون للإنسان بيت لا يُهدم لأنه ضعيف، وأرض لا تُنتزع لأن صاحبها أضعف، ودولة لا تعجز عن حمايته، وقانون لا يخضع لمنطق الغلبة، وعالم لا يتذكر حقوقه فقط عندما تتفق مع مصالح الأقوياء.
وإذا كان البيت هو الوطن الصغير للإنسان، فإن الوطن هو البيت الكبير للشعب.
ومن حق كل إنسان أن يدافع عن بيته.
ومن حق كل شعب أن يتمسك بوطنه.
لكن الأمل الأكبر ليس في أن يبقى الناس مضطرين إلى الدفاع عن بيوتهم إلى الأبد، بل في أن يأتي يوم يصبح فيه القانون أقوى من العدوان، والدولة أقوى من العجز، والحق أقوى من القوة.
عندها فقط يمكن أن نجيب، دون خوف أو تردد:
هذا بيتنا.
وهذا وطننا.
وهذه أرضنا التي نريد أن نعيش عليها بسلام، لا لأننا الأقوى، بل لأنَّ لنا فيها حقًا، ولأنَّ العالم يعلم أنَّ الحق لا يحتاج إلى أن يكون قويًا كي يكون حقًا.
4 تشرين الأول 2026



