سجلوا عندكم

من فرحِ الحُبّ إلى شركةِ حياة

Views: 113

الأب د. نجيب بعقليني

اختصاصي في راعويَّةِ الزواجِ والعائلة

 يعقِدُ أساقفةُ العالمِ في حاضرةِ الفاتيكان، من ٧ إلى ١٤ تشرين الأول ٢٠٢٦، لقاءً في عُنوان “بعد عشر سنوات على فرح الحُبّ: إعلان الإنجيل مع العائلات اليوم” بمُناسبة مرورِ عشر سنوات على صُدور الإرشادِ الرسولي بعدَ السينودوس “فرح الحُب (Amoris Laetitia) ” الذي أصدره البابا فرنسيس عام ٢٠١٦. وجاء ثمرةَ المسيرةِ السينودسيَّةِ حول العائلة عامَي ٢٠١٤ و٢٠١٥.

شكَّل السينودوس مسيرةً كنسيَّةً جماعيَّةً، قادَها الإصغاءُ والحِوارُ والتمييزُ في نورِ الرُّوحِ القُدس، بهدفِ خدمةِ الإنسانِ، ولا سيما الشَّبابِ والأزواجِ والعائلاتِ، وإعادةِ إبرازِ قيمةِ الزَّواجِ والعائلةِ، وتوضيحِ بعضِ المبادئ والقيَمِ الأخلاقيَّةِ والإنسانيَّةِ، والأهمُّ اكتشافُ مَعنى الحُبِّ وعيشُه كما أرادَه الخالِق.

تأتي هذه المسيرةُ مجدَّدًا، بعد عشر سنوات، لتطرحَ سؤالًا أساسيًّا: كيف يمكنُ للكنيسةِ أن تُرافقَ العائلةَ في عالمٍ سريعِ التحوُّل؟

يتردَّدُ الشَّبابُ، اليوم، في الزَّواج، ويتراجعُ الإقبالُ على تأسيسِ العائلةِ والإنجابِ، لأسبابٍ اقتصاديَّةٍ واجتماعيَّةٍ وثقافيَّةٍ ونفسيَّةٍ… كذلك تواجهُ الحياةُ الزوجيَّةُ والعائليَّةُ تحديَّاتٍ مُتزايدةً بسبب الفرديَّةِ، والاستهلاكِ، والتكنولوجيا، والرَّقمنة، والذَّكاءِ الاصطناعي، ووسائل التواصُل الاجتماعي، إضافةً إلى الأزماتِ الاقتصاديَّةِ والحُروبِ والنِّزاعات والفَقر.

١– حضور إلى جانب الأزواج

لا يكفي أن تقدِّمَ الكنيسةُ أجوبةً جاهِزةً، بل هي مدعوةٌ إلى الإصغاءِ، والحوارِ، والتمييزِ، وتطويرِ أساليبَ رعويَّةٍ جديدةٍ تُرافقُ الإنسانَ في هشاشتِه وضُعفه، وتكونُ قريبةً من الشَّبابِ والأزواجِ والعائلات.

الكنيسةُ، اليوم، مدعوةٌ إلى حُضورٍ واضحٍ وإيجابي ومؤثِّر، وإلى تجديدِ إعلانِ الإنجيل، أي إلى «أنجلةٍ جديدةٍ» تحمِلُ البُشرى السَّارةَ إلى عالمٍ يبحثُ عن مَعنى الحُبِّ والاستقرارِ والرَّجاء.

في قلبِ هذه المسيرةِ، يبقى الحُبُّ أساسًا: حُبًّا مسؤولًا، أمينًا، مُلتزمًا، قادرًا على العطاءِ والغُفرانِ وبناءِ الشّركة. من هنا، ضرورةُ تجديدِ مفهومِ الزَّواج، وإبرازِ قيمتِه، ومُساندةِ الذين اختاروا أن يعيشوا دعوتَهم الزوجيَّةَ والعائليَّةَ في الإيمانِ.

٢- … وتبقى العائلة

حين تعيشُ رِسالتَها بوعي ومحبَّة، تبقى العائلةُ مَساحةً للأمانِ والسَّلامِ والثقةِ والوَحدةِ، ومكانًا يتعلُّم الإنسانُ فيه مَعنى العطاء والانتماء والمسؤوليَّة، رغم كل ما يطالُها من تحوُّلاتٍ وضُغوطٍ ومُحاولاتٍ لتغيير صورتِها وهُويَّتِها،

يحتاجُ عالمُنا المترنِّحُ، سياسيًّا واقتصاديًّا واجتماعيًّا وأخلاقيًّا، أكثرَ من أي وقت مضى، إلى عائلةٍ مُتماسكةٍ وقادرةٍ على زرعِ الرَّجاء. لذلك ننتظرُ أن يُعيدَ هذا اللِّقاءُ إلى العائلةِ روحانيَّتَها ومكانتَها، وأن يفتحَ أمام الشَّبابِ والأزواجِ والعائلاتِ أبوابًا جديدةً للأمل.

٣– دعوة لا بدّ منها

إنها دعوةٌ إلى الكنيسةِ لكي تُرافقَ، لا لتدينَ؛ لكي تُصغي، لا لتكتفي بالكلامِ؛ لكي تُساعدَ الإنسانَ على اكتشافِ أنَّ الفرحَ مُمكنٌ، وأنَّ الحُبَّ، عندما يُعاشُ في الحقيقةِ والمسؤوليَّةِ، يستطيعُ أن يبني مُستقبلًا أكثرَ إنسانيَّةً.

يبقى الرَّجاءُ بأن يعملَ الرُّوحُ القُدس في هذه المسيرةِ، وأن يقودَ الكنيسةَ إلى تجديدِ طُرقِها في مُرافقةِ العائلاتِ، ليبقى الإنجيلُ بُشرى حيَّةً، ولتستمرَّ العائلةُ مكانًا للحُبِّ والإيمانِ والحياةِ والرَّجاء.

اليوم، مطلوب من راعويَّة الزَّواجِ والعائلةِ، العملَ بجديَّةٍ مع الأزواج، من خلال المُتابعةِ والمُرافقةِ وتقديمِ الدَّعمِ والمُساعدة، ليعيشوا «فرحَ الحُبِّ». في هذا العصر المتفلّت من القيَم، يمرُّ الزواج بمراحلَ حساسةٍ ودقيقةٍ، ويحتاجُ إلى رِعايةٍ ومُرافقَةٍ تُساعدُ الزوجين على الحِفاظ على العيشِ معًا، وعلى الالتزام بالعهد والشَّراكةِ بين الرَّجُلِ والمرأة.

٤– ترميم العلاقة وتجديدها

من هنا تأتي أهميَّةُ التواصُل والحِوار والإصغاء، ليس لترميمِ العلاقةِ عند الأزمات وتدعيمِها، فحسب، بل للمُحافظة على الدَّهشةِ والفرحِ والاندفاعِ المُتجدِّد نحو إنجاحِ الحياةِ الزوجيَّةِ والعائليَّةِ أيضًا.

نعم، تبقى العائلةُ وتستمرُّ، رُغم كلّ شيء.

ثمَّة مفاهيم تحتاجُ إلى توضيحٍ وتجديدٍ، ولا سيَّما مفهوم الحُبِّ الناضِج القادِر على أن يُصبحَ شرِكةَ حُبٍّ وحياةٍ، وأن يتحوَّل إلى حُبٍّ مُثمر ومُنفتِح على الحياةٍ، يستقبلُها بفرحٍ ويحتضنُ خصوبتَها وأبعادَها الإنسانيَّةَ والروحيَّةَ.

الحُبُّ النَّاضجُ لا ينضبُ، بل يتجدَّدُ بالعطاءِ والالتزامِ والغُفران؛ منه تنشأ حياةٌ زوجيَّةٌ أكثرَ رُسوخًا، عُنوانُها شركةُ حُبٍّ وحياةٍ، ومسيرةٌ مشتركةٌ نحو الفرحِ والرَّجاءِ.

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *