سجلوا عندكم

مارون بغدادي… مؤرخ من نوع فريد

Views: 356

المحامي معوض رياض الحجل

بين عامي 1970 و1975 عرفت السينما اللبنانية مرحلة انتقالية حيث سعى مُخرجون جُدد أمثال جورج شمشوم وسمير خوري وسمير غصيني، امتهان التجديد كل على طريقتهِ، من خلال تصوير مشاهد جريئة، أو حتى إباحية أو عنيفة، مستوحاة من السينما الغربية. غير أن سنوات الحرب، هي التي شهدت، بوجه الخصوص، مُحاولات ابداعية رائدة وجدّية، مع سينمائيي النخبة اللبنانية المُثقفة، لا سيما مارون بغدادي، بُرهان علويه، جوسلين صعب، جان شمعون، رندا الشهال، بهيج حجيج، روني باسيل وجاك الدبس.

هؤلاء المخرجون الشباب، ومن ضمنهم مارون بغدادي، الذين تابعوا دراسة السينما في الخارج، سوف يسبرون واقع الحرب، وسوف تحصد أفلامهم الجوائز في المهرجانات الدولية. 

 

من هو مارون بغدادي؟

انشغل المُحللون والنقاد الفنيون لسنوات وسنوات في دراسة ووصف المُخرج الراحل مارون بغدادي… حياتهِ الشخصية، أعماله السينمائية ورحيلهِ المُبكروالمُفاجئ، ولكنها لم تصل إلى مرحلة تحليل أسباب غموضهِ في غالب الاوقات وتركيزهِ على يوميات الحرب اللبنانية وأهوالها بدل توليه إخراج الافلام التجارية العادية ذات الربح التجاري السريع.

تخصصَ بغدادي في فن السينما في العاصمة الفرنسية باريس، وكرت سبحة أفلامهِ حتى فُتحت لهُ أبواب المهرجانات العالمية في العام 1982 من خلال فيلم “حروب صغيرة“. دَرسَ بغدادي العلوم السياسية في الجامعة اللبنانية ثم تَخرّجَ من جامعة السوربون في باريس بدكتوراه في علم الاجتماع، ثم تخصصَ في علوم السينما أيضا ًفي باريس وعادَ إلى أحضان عشيقتهِ وملهمتهِ حتى الموت ،بيروت، عام 1974 ليعمل في قسم الاخبار في تلفزيون لبنان. وعندما اشتعلت نيران الحرب وانطلقت مدافعها غَادرَ بسبب انتمائهِ السياسي بيتهُ الكائن في شرق بيروت ليقيم غرب المدينة. زاد مجموع أفلام بغدادي عن العشرين فيلماً، وهذه الافلام ليست متوافرة للبيع في أي مكان وقلة من الناس شاهدتها كاملة. وفي معظم أفلامهِ الطويلة يُصور مارون بغدادي الحرب بأنها لعنة شيطانية حلّت على بيروت.

 

رائد السينما اللبنانية الحديثة

يربط المؤرخون انطلاقة السينما اللبنانية الحديثة ونهضة السينما البديلة في لبنان بفيلم “بيروت يا بيروت” للراحل مارون بغدادي إلى جانب فيلم “كفر قاسم” لبرهان علوية. الشريط الذي “تجاهلهُ صاحبهُ أو أنكرهُ، وأضاع حتى نسخته الأصلية حسبما تروي الأسطورة”. كان قد شاهدهُ قلّة من “المحظوظين” في عرضه الخاص العام 1979 قبل أن يعود من العدم، أو من تحت ركام بيروتي يُشبه إلى حد بعيد الخراب الذي تنذر به قصّة الفيلم ومناظره. عُرض الفيلم بعد عملية ترميم شاقة دامت سنوات وسنوات، وبذلك العرض رجعت الصحف اللبنانية لإطلاق وصفها المُحبب عن الرجل بأنه سيّد “التنبؤات”. فيما كان يشير أهم النقاد الفنيين العرب إلى قدرات بغدادي الاستشرافيّة بأحداث سياسيّة واجتماعيّة عصفت ولا تزال داخل لبنان منذ الربع الأخير من القرن العشرين، كان بَغدادي قد تنبّأ أيضاً بطريقة وفاتهِ المُبكرة.

 

 سخرية القدر…

كان بغدادي يرى بعينهِ الفنية المُحترفة مُستقبل جيل الحرب بأكملهِ، عجزَ هو عن استكشاف الموت المُحتم تحت قدميه، والسبب تلك العتمة القاتلة التي سبّبها أنقطاع التيار الكهربائي.

حَدثَ الأمر على غفلة منهُ ومن أصدقائهِ الذين كانوا ينتظرونهُ في سيارتهم أسفل المبنى حيث تقع شقّة والدته حين تعرّضَ لـــــ”زلة قدم” أودت بحياتهِ على سلالم ذلك المبنى، ليبقى غيابهُ المُفاجىء كما بداياته المهنية محفوفاً بالألغاز، خصوصاً بعد ما أوردهُ الكاتب والمُحلل السياسي الراحل جوزف سماحة، الصديق القديم لمارون بغدادي، عن ملابسات موتهِ في كتاب “قضاء لا قَدر”.

انزلقَ مارون بغدادي داخل فجوة لمصعد كهربائي غير جاهز للاستعمال نظراً لعدم اكتماله ولكنهُ أرتقى بأعمالهِ الفنية أمام عشاق محبي الفن السابع في العالم، وهو الذي نالَ شرف جائزة التحكيم في مهرجان “كان” عام 1991، في وقوف مُشرف وأستثنائي أمام شخصيات سينمائيّة عالمية مثل جويل كوين وسبَايك لي وكِريستوف كيسلوفسكي. أما الفيلم نفسه “خارج الحياة” فكان من نصيبهِ أن يتناصف الجائزة مع “أوروبا” لارس فون ترير. (https://jackoliverpools.com)

 

فيلم: بيروت يا بيروت، 1975

قصة الفيلم تدور حول مجموعة من الشباب الذين يعيشون في لبنان مُنتصف سبعينيات القرن العشرين، منهم “إميل” (المُمثل جوزف بو نصار) الشاب الذي يتصور أن الكون يبدأ، وينتهي عندهُ، وأنه يعيش في أسرة مثالية، إلى أن يفاجأ بأحداث تغيّر من وجهة نظرهِ، وهناك “كمال” (المُمثل المصري عزت العلايلي) الذي يعيش تحت أسر فكرة أن العاصمة اللبنانية بيروت مُقسمة إلى شطرين، بسبب الرأسمالية البغيضة، وبيروت الاستعمار، و”صفوان” (المُمثل أحمد الزين) صديقهما الثالث الواقعي الذي يُحاول تعديل فكرتهما عن الحاضر.

 “أنا مش مع حدا معيّن، أنا مع الحاضر” يقول أب لشابين في الرُبع الأوّل من الفيلم قبل أن نراهُ في ربعهِ الأخير وهو يقول “السفر أحسن شي” مُقرراً مغادرة البلاد. لم يكن هذا الرجل صاحب التحوّل الوحيد في الفيلم، في الحقيقة، يبدأ الفيلم بزجّنا داخل صراعات حزبية وسياسية وأجتماعية مُختلفة تربط بين شخصيات الفيلم وعلاقاتها المُتنوعة ببعضها البعض، جزء من تلك العلاقات يبدأ بصورة إيجابية لكن هذا لن يمنعها من ملاقاة المصير السوداوي المشابه لبقِيتها في فيلم “رؤيوي يبشر بالخراب الآتي، ويصوّر بِسذاجة وعفوية تناقضات مجتمع عند حافة البركان”.

كان “بيروت يا بيروت” الفيلم اللبناني الأوّل الذي يُسمي الأشياء بمسمياتها ويقول إن “ثمة في البلد انقسامات هي أصلاً من العمق الكافي لخرابها”. كان قد سبقهُ الفنان المُبدع زياد الرحباني عندما تناول عام 1974في مسرحيتهِ الشهيرة “نزل السرور” الثورة ووضع البلد المنهار بشكل عام كأنهُ كان يريد ايصال رسالة واضحة عن مستقبل لبنان القاتم في تلك المرحلة. ما حَصلَ هو تمازج وتلاقي بين المسرح والسينما في اطلاق نداء الاستغاثة ودق ناقوس الخطر. ولكن يبدو أن احداً لم يكن يريد أن يشتم سوى راحة الدم ويرى دخان المدافع والنيران والموت…

 ثبتَ مع الوقت أن مارون بَغدادي كان يخجل من توليه اخراج هذا الفيلم، وحين حَملَ فيلمه “حروب صغيرة” للعرض في “مهرجان كان” السينمائي سجّلهُ على أنهُ فيلمهُ الطويل الأوّل.

 

الفيلم الوثائقي: همسات(1980)

هذا الفيلم الوثائقي هو عبارة عن رحلة في مُختلف المناطق اللبنانية ومن خلال الشاعرة الراحلة نادية تويني زوجة عميد الصحافة غسان تويني. تتخذُ مكانها في العام 1980. وسط الحرب “الاهلية”. رحلة تُظهر مصير جيل شاب ضائع وأماكن مصبوغة بالشعر، الحنين، بذكريات لزمن مر ولن يعود ابداً، حيث بغدادي يوصف حطام أمة تتصارع من أجل الحياة والأمل بغد أفضل، حيث تتقاطع صورة الشاعرة وأحلامها اللبنانية المُجهضة مع صورة الوطن كما كانت تريدهُ وكما كان يريدهُ الراحل مارون بغدادي، إذ نرى مُقابلة مع الفنان زياد الرحباني يتحدث فيها عن الحرب ليختم بالقول أنهُ “لا مستقبل للبنان”، ثم نرى عدسة الكاميرا تنتقل إلى داخل أروقة الجامعة الأميركية في بيروت حيث بالرغم من القصف والدمار يُحاول الطلاب البحث عن الفرح من خلال الموسيقى والغناء ومشاهدة الافلام الاجنبية الحديثة وأبرزها فيلم “apocalypse now” الذي كان قد صَدرَ حديثاً، ثم تنتقل العدسة برفقة الشاعرة نادية تويني إلى شوارع بيروت المُدمّرة والمتروكة للغربان والافاعي…

 

فيلم: حروب صغيرة، 1982

سريعًا ومن دون مُقدمات يُعرّفنا الراحل مارون بغدادي بشخصيات الفيلم الرئيسية، مصوّر صحافي مُتهوّر يدعى “نبيل” (نبيل أسماعيل)، شاب يتخذُ من السخرية سلاحاً في مواجهة الحرب ومآسيها، يستمتعُ في التسكُّع مع المُسلحين المُنتشرين هنا وهناك في شوارع بيروت المُدمرة بنفس القدر الذي يستمتعُ فيه بالكذب عندما يقوم بنسب البطولات القتالية لنفسهِ، بالنسبة للآخرين هو دائماً صامد على جبهة القتال الامامية بينما من الممكن أن يكون في غاية البعد عن ذلك في أحد مقاهي بيروت يتناول المشروبات الكحولية…

يتعرّف نبيل على “ثريا” (ثريا خوري بغدادي)، صحافية تعملُ في بيروت وتربطها علاقة عاطفية مع الشخصية الثالثة، “طلال” (روجيه حوا)، الشاب الذي يتعرض والدهُ، رجل الأعمال، للاختطاف في بيروت بينما يذهب هو برفقة صديقه “سليم” (رفعت طربيه) للبحث عنهُ في منطقة البقاع حيث يُصنع قرار الحرب.

تتضح معالم الفيلم رويداً رويداً عندما نُشاهد مجموعات المُسلحين المُتهورين والطائشين في شوارع بيروت وغيرها لا يحكمهم أي فعل ثوري أو عسكري مُنضبط، بينما يهتم الجميع بالظهور بصورة حسنة وجميلة أمام عدسات كاميرات الصحافيين الأجانب الذين يبحثون بدورهم عن “الأكشن” لا المغزى السياسي أو عدالة القتال مثلاً.

“الطريقة الساخرة التي صُنع بها هذا الفيلم كانت موجودة في السيناريو، كُتبت بهذا الشكل، لأن هذا السلوك أو ردّ الفعل كان موجوداً بالفعل أثناء الحرب اللبنانية” تقول ثريا خوري بغدادي، أرملة المُخرج الراحل والتي قامت بتجسيد شخصية الشابة ثريا في الفيلم. مواقف مثل “أنا لا أخشى الحرب” أو أرتداء زي البطولة كانت رائجة آنذاك وتم تجسيدها في الفيلم.

يخلو الفيلم من دراما حقيقية بالنسبة لعمل يُصوّر يوميات الحرب الأهلية في لبنان، ربما لأنه ليس فيلماًطويلاً عن الحرب الاهلية بل عن “الحروب الصغيرة التي يخوضها أشخاص على هامش الحرب” في بيروت مدينة الموت والحرب. وربما كان السبب في عدم تعمق بغدادي في تلك التفاصيل هو إرادته في البعد عن التصنيف، فقامَ بطمسِ الهويات المذهبيةلابطال الفيلم كي لا يتم أحتسابِهم لصالح جهة على حساب أخرى. 

فيلم : لبنان بلد العسل والبخور (1988)

يروي هذا الفيلم حكايات الحرب اللبنانية من خلال طبيبين فرنسيين، بحيث نرى حياة المُقاتلين وصراعاتهم وأحلامهم المُبعثرة، ونشهد كيف تمتزج صورة الجلاد بصورة الضحية، مُنطلقاً من أحد حكايات جماعة “أطباء بلا حدود” الفرنسية ضمن سلسلة حُققت أصلاً للشاشة الصغيرة. أعتبر هذا الفيلم واحداً من أفضل ما في السلسلة، وكان أشبه بتمهيد لفيلم “خارج الحياة”. من أبرز شخصيات الفيلم المُمثل اللبناني الراحل ” رفيق نجم” الذي يُجسد بكل عفوية شخصية المُقاتل الحزبي التقليدية بكامل تفاصيلها وعباراتها خلال فترة الحرب الاهلية المشؤومة: لحية طويلة مُشرزمة، كلمات نابية، سُخرية، جرأة غير مسبوقة، ثقافة معدومة، رغبة في مهاجمة الاعداء وأزالتهم من الوجود مهما كان الثمن وحتى ولو كان حياته، تعابير غير مُتناسقة تمزج بين العبارات بالفرنسية واللبنانية… أجمل ما في هذا الفيلم قربهُ الغير مسبوق من الواقع الملموس دون خوف أو تردد وهذا ما اعتدنا عليه في أفلام المُخرج الراحل مارون بغدادي. 

 

فيلم: خارج الحياة، 1991

يُعتبر أكثر أفلامهِ نضجاً وآخرهم عن يوميات الحرب “الأهلية” المشؤومة، يروي قصّة اختطاف صحافي فرنسي أثناء تغطيته، في إطار عملهِ الصحافي، لمجريات الحرب اليومية في العاصمة اللبنانية بيروت، واحتجازهِ رهينة من دون تبرير على يد جماعة مجهولة من المسلحين، وهي قصة مُقتبسة عن وقائع حقيقية، يبدو فيها السجان غير مهتم بأسباب احتجازهِ للصحافي الفرنسي بقدر تركيزهِ على أهمية الاحتجاز نفسهِ كفعل مُجرد تماماً من أي هدف منشود.

في إحدى مقابلاتهِ عام 1979 والمنشورة في كتاب إبراهيم العريس “الحلم المعلق” يوضح بغدادي “نظرتهِ للحرب والهويّة كواحد من هواجسهِ” التي لطالما ظهرت في شخصياتهِ وتجلت وضوحاً في فيلم “خارج الحياة” الذي شارك إلياس خوري في كتابةِ حواراته.

يقولُ “في السينما بإمكانك أن تُعيد تركيب الحياة: تكرهها، تخلقها… ومن الواضح أن هذا لا يعني الهروب من الواقع، بل إعادة تركيبهِ. فأنت كإنسان لا تهيمن على الحاضر، إلا عندما يُصبح ماضياً وتعيد تركيبه، لهذا كله أحب السينما التي تحتوي على عنصري اللون والزمن. في النهاية، الزمن هو الذي يعيدنا إلى السؤال الأساسي: متى الموت وكيف نموت؟ الشيء الوحيد الذي تعرفه في الحياة هو الموت. وفي رأيي أن أهمية السينما تكمن في قدرتها على طرح هذا السؤال. يمكن أن أقر بأن كل أفلامي إنما هي تساؤلات حول يقين واحد هو الموت. هناك دائماً سحر الموت، الموت بوصفهِ الشيء الوحيد الذي نحن أكِيدون منهُ لكننا لا نعرف شيئاً عنهُ.. أصارحك بأنني من خلال الحرب، من خلال الموت، عرفت للمرة الأولى أنني أنتمي إلى هوية معينة. عرفت أن بإمكان الناس أن يموتوا بسبب هويتهم”.

 

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *