قراءة في كتاب “ما رآه أورفيوس قبل ان يلتفت” لريمون شويتي
د. فيصل سلطان
في كتابة سيرته الذاتية “ما رآه أورفيوس قبل ان يلتفت” سعى الفنان ريمون شويتي إلى تقطيع مسيرته إلى حقبات زمنية تستعيد لحظات مفصلية لامست جوهر تجاربه الحياتية والفنية؛ لحظات هائمة كشفت عن ذلك السر الكبير الذي رافق أحلامه في الجمع بين النافع والجميل، بحسب مقولة أرسطو. أرادنا أن نتصفّح معه شرائح من تلك اللحظات السحرية التي تسلّلت إلى صميم تحوّلات تجربته الفنية، عبر المهن المتعددة التي زاولها في فتوّته وشبابه، سعياً إلى تأمين لقمة العيش.
إنها أعمال عابرة، كادت أن تُنسى لولا جرأة الفنان شويتي وصراحته، لكنها شكّلت منعطفات في مسيرته، وحملت روح المثابرة والتحدّي، فيما كانت المهن تتعاقب في حياته، تاركةً وراءها شيئاً من المعاناة، كدمعة معلّقة في غور أحلامه. وقد أفضت هذه التجارب المتعددة إلى تقاطعات رسمت ملامح مراحل فتوّته وشبابه، في مسيرة انتقل فيها من كدح العمل وتأمين العيش إلى الانفتاح على عوالم الفن، حيث توّج خبراته من خلال عمله في تنسيق المعارض وتنظيمها في غاليري وان ثم في غاليري همزة وصل TRAIT D’UNION.
فالحسّ الجمالي كان ينمو في دربه كسَعَفٍ يتوالد، من رحم حياة متقلّبة أشبه بتيهٍ في الهواء. غير أنّ تلك التقلّبات كانت، في الوقت نفسه، تمنحه القدرة على الإشراق، وتفتح أمامه سبل التعبير عن مباهج الحياة وأعراسها، ولا سيما بعد إنشائه مؤسسة «ميزون فلوري» في الأشرفية، التي قادته إلى متاهات عالم جديد، مفتوح على السفر واكتشاف آفاق أخرى. لذا نراه في مذكراته يدوّن ومضات من تلك الحياة، في جمالها وقبحها، مستعيداً تفاصيلها كمن يستنشق عبير وردة بالغة النقاء، قبل أن تتوارى في لهب الحنين إلى ذكريات مضت. ذكريات يستحضرها كزائر يقترب من وجه الحياة، وَيَلْثُمُهُ بقبلة عابرة لا سبيل إلى استعادتها.

عرف ريمون شويتي بيروت في لحظتين باهرتين: الأولى بوصفها مدينة الأبواب المفتوحة، والثانية بوصفها ورشة للأمل. عندما تعرّفت إليه في غاليري وان عام 1974، استحضر أمامي أبياتاً من قصيدة «بشائر البراءة» لوليم بليك، يقول فيها: “أن ترى عالماً في حبّة رمل، وسماءً في زهرة برّية، وأن تحمل اللانهاية في راحة يدك، والأبدية في ساعة”.
في تلك المرحلة، كانت بيروت نافذة على الوجود، وعيناً تتأمل التجارب الفنية العربية والعالمية. وكان الفنان ريمون شويتي يعيش حالة من القلق والترقّب الدائمين، مدفوعاً بأمنيته السفر إلى الهند وإقامة معرض فيها؛ سفرٌ إلى أمكنة يتخاطب فيها الناس بالورد والأزهار.
يعترف ريمون شويتي بأن لمدينة نيودلهي مكانةً خاصةً في قلبه وروحه، يقول في مذكراته:” منذ وطأت قدماي أرضَها شعرتُ كأنني اخترق جدارَ الزمن، كما لو انني عشت فيها في عصر مضى، في زمن بعيد، حيث تختلط الأصوات والألوان بعطر التاريخ”.
وفي إحدى رحلاته إلى الهند، قصد ريمون مرشده الروحي، سوامي باناياما، في جنوب البلاد، وسأله عن كيفية مواجهة الهموم اليومية. فأجابه ببساطة: “همومنا كالغيوم في السماء؛ لا تحاول أن تمنعها، بل اجعلها في إطار فارغ، وراقبها واتركها تمر، فسوف تتبدّد وحدها، وتعود السماء صافية”
تعرّف ريمون شويتي، بمحض الصدفة، إلى أندريه زار خلال زيارته معرضاً للفنان جورج ماثيو، أُقيم في غاليري بريجيت شحادة في عين المريسة ببيروت. وبعد اطّلاعه على رسوماته، شجّعه زار على توجيه رسالة قصيرة إلى منظّمة المعارض في نيويورك، السيدة أنييس نين، يرفق بها نماذج من أعماله. وبعد فترة، وصلته إجابة نين، وجاء فيها: «تسلّمت رسالتك ورسوماتك، وقد أعجبتني أعمالك كثيراً». ووعدته بتنظيم معرض لأعماله في نيويورك، وطلبت منه أن يوقّعها باسم «أورفيوس رع»، اسم يليق بشاب يغوص في الفن من أوسع أبوابه، آتٍ من بلاد الأرز والسحر والطلاسم، ومن موطن جبران خليل جبران.
ويؤكد ريمون شويتي أن أنييس نين لم تكن مجرد كاتبة أو مثقفة، بل شكّلت بالنسبة إليه شعلة إلهام ومرشدةً في عالم الفن الواسع. ويقول في مذكراته: “أثّرت في حياتي بأكملها؛ فكل معرض، وكل خطوة في الفن التشكيلي، تحمل بصمتها، وتذكّرني بأن الصُّدف أحياناً تكتب مسارات الحياة الكبرى”.
اعترف لي ريمون، أكثر من مرة، بأن الشاعر رياض فاخوري كان أول من أطلق عليه اسم «أورفيوس»، فيما نصحه الشاعر يوسف الخال، خلال افتتاح معرضه في «غاليري وان» عام 1973، باعتماد هذا اللقب في مسيرته الفنية، قائلاً له: “أورفيوس، أيها المتعب، هذا لقبك؛ دعه يتغلغل في دمك ويصبح جزءاً منك. مرحباً بك في عالم الفن المُتعَب، الذي أصبحتَ جزءاً منه”.
ويستعيد ريمون في مذكراته لقاءه بمارييت، حبّ حياته التي أصبحت زوجته، قائلاً:” لو حاولتُ سرد كل الذكريات التي عشتها في غاليري وان، لاحتجت إلى مئات الصفحات؛ فالمكان لم يكن مجرد صالة عرض، بل شاهداً على رحلتي الفنية التي امتزجت فيها الروح بالعاطفة. هناك تعرّفت إلى مارييت بالصدفة، ونمت بيننا صداقة عفوية بريئة، وكانت تنتمي إلى عائلة فنية مرهفة الحس. في غاليري وان، شهدت علاقتنا لحظاتها الأولى بين ألوان لوحاتي، وهمسات الحديث، وصدى ضحكاتها. كان كل لقاء معها اكتشافاً جديداً، إلى أن أَصْبَحَ وُجُودُهَا جزءاً من حياتي اليومية، ومن رحلتي الفنية، ومن عالمي الصغير في غاليري وان. حتى مهى بيرقدار الخال لاحظت صفاء صداقتنا وبوادر حبنا، فحثّتني على توطيد علاقتي بمارييت، لنمضي معاً في رحلة ملؤها العاطفة والثقة. كانت مهى بمنزلة الشقيقة الكبرى التي ألجأ إليها في كل شاردة وواردة من شؤون حياتي اليومية”.
ريمون شويتي، الذي كان صديقاً ودوداً للفنانين، يذكر في كتابه أنه كان يواظب على زيارة المعارض التي تُقام في بيروت. ويستعيد إحدى تلك الزيارات قائلاً:” في صباح أحد أيام بيروت الربيعية من عام 1974، زرت معرضاً للفنانة السوريالية جوليانا ساروفيم في غاليري ناصيف، في شارع الحمرا، فوجدت نفسي أمام أعمالها أبحر في ألوانها الغنية، وأستنشق رحيقها الفني، كأنني دخلت حديقة سوريالية لا تمتّ إلى الواقع بصلة. وعندما دعتني إلى زيارة محترفها في سن الفيل وتناول العشاء معها، وددت ألّا أغادر عالمها السحري، وصرت أزورها أسبوعياً.
هاجرت جوليانا إلى باريس، فيما انتقلتُ أنا إلى السعودية، ثم إلى أستراليا، وانقطعت أخبارُنا، إلى أن التقينا من جديد حين زرتها في محترفها بشارع بونابرت، القريب من جادة سان جيرمان. وأصرّت على أن ترسمني، فرسمت لي أجمل بورتريه، استوحت فكرته من أحد دوقات البندقية”.
يقول ريمون:” لو عدتُ الى شريط حياتي، وفتحت دفاترَه مرحلةً بعد مرحلة، لوجدتُ أن الجزءَ الأكبرَ من عمري المهني امضيتُه في خدمة الاخرين، مُسخّراً خبرتي ووقتي وطموحي لإنتاج مشاريع ليست لي. من “غاليري وان”، الى غاليري “غاب سنتر”، الى “ميزون فلوري” في بيروت الى “وردة الصحراء” في المملكة العربية السعودية منذ العام 1984 حتى اليوم، كانت حياتي المهنية سلسلة من النجاحات التي صنعتُها بيديَّ لكن لحساب الآخرين”.
كانت فنون بيروت، على الرغم من أهوال حروبها، تسكن دائماً هواجس أحلامه الفنية؛ فهي الحكاية التي تختزل غريزة حب البقاء، “الإيروس”، في مواجهة غريزة الموت، “التاناتوس”، خلال سنوات الحروب التي لا تنتهي. ولعلّ هذه المواجهة ترسّخت في نسيج لوحاته، عبر تخيّلات سوريالية تنبع من رؤى تجمع غضب الطبيعة بشاعريتها، وتستعيد ألوان الصخور وأشكالها، وحركة الأنهار، والرعود والبروق، والبراكين والأعاصير، كما لو أنّها الوجه الآخر لعالمه المَعِيش، المضطرب والعاصف.
تبدّل هذا النسيج الصاخب حين استقرّ ريمون شويتي في مدينة الرياض، وأصبحت كل لوحة يرسمها أشبه بقصيدة ملونة، بموجة أو لمعة في الأفق، تحمل في طيّاتها أصداء عالم عاصف، كبحرٍ تتلاطم أمواجه في رحلات السفر. وفي هذا الكتاب القيّم، يعود بنا شويتي إلى بيروت، لنحتفل معه بمذكراته التي تكشف في سردها العميق، عن طبقات الزمن، بين ما يرسَخُ في الذاكرة وما يتبدّل مع التجربة.
أورفيوس، الشاعر والموسيقي الأسطوري الذي قيل إن موسيقاه كانت تحرّك الأشجار والصخور وتُهدّئ قوى الطبيعة الجامحة، يبدو الوجه الآخر لريمون شويتي، في احتفائه بالجمال وإيمانه بقوة الفن. فقد غدا أورفيوس رمزاً لقدرة الفن على مجابهة الموت، وللعلاقة العميقة بين الحب والذاكرة؛ ولعلّ استعادة شويتي لمحطات حياته ليست سوى محاولة أخرى لمقاومة الغياب، وإبقاء ما مضى حيّاً في الكلمات والصور.
***
*القيت في الندوة حول كتاب “ما رآه أورفيوس قبل ان يلتفت” لريمون شويتي، الصادر عن دار نلسن للنشر، ضمن فعاليات معرض بيروت العربي الدولي للكتاب في دورته السابعة والستين. شارك فيها: الناقد الدكتور فيصل سلطان، الإعلامي ميشال معيكي وصاحب دار نلسن الأديب سليمان بختي.



