سجلوا عندكم

قيصر عفيف في “دفتر الغجر 2″… يُحيلُ الشِّعرَ إلى مرتبة الفلسفة

Views: 39

محمود شريح

قيصر عفيف الشاعر المهجري (مواليد بكاسين، قضاء جزّين، 1945) أصدر من المكسيك دفتر الغجر 2 عن داره الحركة الشعريّة (2027)، مُستبقاً العام، مُلحقاً لديوانه دفتر الغجر 1 الصادر عام 2022، وتتمة منطقية لديوانه الغجري الصادر عام 2016، أملاً أن ينهي تطوافه في الغربة ويعود إلى مسقطه حيث ظلّ الصنوبر هناء وثمره غذاء ورؤية شلال جزّين من شرفته دواء، فلا عودة إلى مهجر ولا من يحزنون.

صورة غلاف ديوانه الجديد، كتابه الخامس عشر، كتابة في اليابانية مأخوذة عن مركز بوذية زن في مدينة لونغ بيتش في ولاية كاليفورنيا، ومعناها “الصمتُ رعدٌ”، ولا عجب فقيصر يوم قدّم أطروحة الدكتوراه في كاليفورنيا كان موضوعها فلسفة زن وفلسفة هايدغر، فجمع مجد التصوّف من حدّيهِ، ومن هنا عبارته تنتمي إلى همس المهجريين، سيّما جماعة الرابطة القلميّة، طيّب الله ثراهم، فهؤلاء، قدّس الله سرّهم، آثروا البقاء في المهجر، إذ كان همّهم آنذاك الحريّة، وكانت أوطانهم آنذاك تفتقدها، فناجاها جبران واتّخذها الريحاني منهج حياة، فيما تغنّى بها باقي جماعة الرابطة.

 

منذ مطلع ديوانه الجديد يدعو قيصر عفيف إلى الأخذ بالمحبّة قوّة تلتئم بها الجروح، باحثاً عن خيمة الطمأنينة إذ أدرك أنّ الوطن هشٌّ، مدركاً أنّ الأوطان تراكمت في طريقه بيد أن المنافي انتصرتْ.

يفرد قيصر عفيف مساحة شاسعة من ديوانه ليدلي برأيه في الشعر ونقده، فيحيل الشعر إلى مرتبة الفلسفة، وإنْ استدرك أنّ الفلسفة جدال وصراع وأن الشِّعرَ غناء وطرب، لكنّه دائماً يعود إلى مأساة وطنه:

في الوطن أشواك كثيرة، لكني كلّما 

مسحتُ من ذاكرتي فردوساً جاءني آخر.

بين الفراديس والأيام تمرّ الأيام

ينتفض قيصر عفيف أحياناً على ما هو سائد فيرى أنّ اللاهوت بنى حول المسيح جداراً فاختفى جمالُه وما عدنا نراه، ولعلّه هنا متأثرٌ بأستاذه في أميركية بيروت رينه حبشي الذي رأى أنّ وشائج الدين ما هي إلّا تآخي الإنسان، فأشادَ به خليل رامز سركيس في أثره أيام السماء (1960) ينبوعاً قال بالعمل القدرة حبّاً وإيماناً وعقلَ معرفة؛ ومنطلق قيصر عفيف أن “كلّ دين لا يساعدك على اكتشاف نفسك لا يُعوّل عليه”.

يرتدُّ الشاعر أحياناً إلى وجدانيّة وجودية نغمتها وافدة من رؤيته الفلسفية لبهاء الكون في عطائه دون حساب:

لم أجد أفكاري هذا الصباح لكنّي

سمعتُ زقزقتها من العصافير

 

وإنْ جنح أحياناً أُخرى إلى سوداويّة لا ترى في الأُفق باب خلاص:

ليس من مياه تغسلُ هذه الضمائر

يهندس إبليس النفوسَ على هواه

ويترك أبناءه يقترفون المآسي وهم 

يسرحون في الأرض 

وصاحبنا في ترحاله يُعلي من مقام الشّعر، إذ يلتجىء إليه كلّما تثاقلت عليه الهموم، وأذنتْ الحروب بشرّها، محذِّراً من الزعامات، معلناً أنها فزّاعات، لا أكثر لا أقل، إلّا أنّه وفي آن يدرك أنّ المحبّة متى غمرتْ مريدَها بسمائها المفتوحة فإنّما تذيقه طعم الفردوس، ولعلّه مطلب الشاعر أن يرى في أيام الدنيا الفانية بعض أيام السماء.

ديوان قيصر عفيف دفتر الغجر 2 دعوةٌ إلى الحذر والوعي واليقظة في قماشة الهايكو الذي أشاعه عبر ثُلث قرن في مجلّته الحركة الشعريّة، وقد أوقف عجلتها بعد أن استنفدت غرضها، وإنْ بقي على إيمانه أنّه “في فنّ الشِّعر تُبرزُ الكلمات جمالَها وتجذِّرُ الشاعر والقارىء معاً في جمال الحياة”. 

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *