سجلوا عندكم

 لطيفة الحاج قديح: عشتُ ظروفاً صعبة جداً ولكنها لم تكسرني بل صقلت شخصيتي تماماً كما يصقل حجر الصوان بالعوامل الطبيعية المتكرّرة ليصبح أملساً ولكن قوياً

Views: 50

 حوار:  الدكتور عبد الإله خازندا

هناك كتاب يكتبون الحكاية، وهناك كتاب تتحول الحكاية في أيديهم إلى ذاكرة وموقف وسؤال عن الإنسان. وبين الإثنين مسافة لا يقطعها القلم وحده، بل تقطعها التجربة بما فيها من حبّ ووجع وفقد واغتراب وانتماء.

ضيفتنا اليوم امرأة عبرت بين أوطان وثقافات وحروب وهجرات وتحولات إنسانية عميقة، ثم حملت شيئاً من كل ذلك إلى الورق، فصار الوطن في كتاباتها ذاكرة، والغربة سؤالاً، والحرب جرحاً إنسانياً، والمرأة قضية والكتابة مساحة يلتقي فيها الأدب بعلم النفس.

إنها الأديبة والروائية والباحثة والناقدة الأستاذة “لطيفة الحاج قديح”، صاحبة تجربة أدبية وفكرية وتربوية امتدت عقوداً، جمعت خلالها بين التربية والتعليم والعمل الثقافي والاجتماعي والصحافة والبحث، والنقد، والرواية، والقصة.

ولدت في ساحل المتن الجنوبي في لبنان ودرست الفلسفة والعلوم الطبيعية، وحصلت على الماجستير في التربية من جامعة كبيك في كندا، وأمضت أكثر من ثلاثة عقود في ميدان التربية والتعليم.

وعلى المستوى الإنساني عاشت الحرب الأهلية اللبنانية وخبرت الهجرة والرحيل والعودة، وتنقلت مع أسرتها بين لبنان والمملكة العربية السعودية وكندا، فكانت الحرب والغربة والوطن والمرأة والأسرة والذاكرة حاضرة بقوة في تجربتها وفي كثير من كتاباتها. إلى ذلك فقد قدمت “لطيفة الحاج” خلال مسيرتها الأدبية أحد عشر مؤلفاً من بينها:

روايات ” مواويل الغربة” و”صخرة الروشة” و”البحث عن السعادة” و”شجرة النور” ومجموعة قصص “حياة جديدة” وسلسلة تضم ثلاث كتب بعنوان “مقامات نون النسوة” وهي: “دراسة في وضع المرأة العربية”، وكتاب “مريم وفاطمة لؤلؤتا الإنسانية” ورواية “آخر النفق” وكل هذه الكتب صادرة عن “دار الفارابي” في بيروت. وإلى جانب ذلك، أصدرت الأديبة مجموعة قصصية بعنوان” ثمار الحبّ” وأخرى بعنوان” الأسطورة الكاذبة” وهي مسرحية عن القضية الفلسطينية” ثم أخيرا وليس آخراً صدر لها رواية “المتاهة” في العام 2025 باللغتين العربية والإنكليزية.

وحين نتأمل هذه التجارب مجتمعة، نجد أن موضوعها الأكبر، ربما لم يكن الحرب وحدها، ولا المرأة وحدها ولا الغربة وحدها، بل الإنسان حين تضعه الحياة أمام الامتحان الصعب، الإنسان حين يفقد، ويهاجر ويحب ويقاوم، ويبحث عن ذاته وعن معنى السعادة والانتماء.

 لذلك لن يكون حوارنا اليوم مجرد جولة في عناوين الكتب أو محطات السيرة الذاتية، بل سنحاول أن نذهب إلى منطقة أكثر عمقاً، إلى المساحة التي يلتقي فيها الأدب بعلم النفس، والذاكرة بالخيال، والوطن ب المنفى، والألم ب الإبداع.

لن نسأل الأستاذة لطيفة الحاج قديح، ماذا كتبت؟ بل سنحاول أن نسألها: ماذا فعلت بك الحياة حتى كتبت كل هذا؟

 فأهلا وسهلاً بالأديبة والروائية والباحثة والناقدة الأستاذة لطيفة الحاج قديح، في حوار نحاول فيه أن نعبر من النص إلى النفس ومن الرواية إلى صاحبتها، ومن الحكاية إلى الإنسان.

 

السؤال الأول: أصدرت روايتك الأولى في العام 2000 كيف كانت بدايات مسيرتك الأدبية؟

لم أختر كتابة الرواية، بل هي من اختارني لأكتبها، مع أني منذ سن اليفاع وأنا عاشقة للقلم، والمطالعة، حيث كنت أقضي عصاري أيام الصيف الطويلة في إحدى ضواحي  مدينة بيروت الحبيبة حيث ولدت ونشأت وترعرعت، (الغبيري) أقضيها في قراءة الكتب والمطالعة، وكان دفتر المذكرات لا يفارقني، وعلى الرغم من أني عملت في الصحافة حيث كنت أكتب في مجلة الموعد (كان لي صفحة أسبوعية) وكذلك في مجلة كل شيء، وفي ملحقي جريدتي النهار والسفير الأسبوعيتين، ومع ذلك فإن كتابة الرواية لم تخطر على بالي، ولم ألتفت إلى هذا الموضوع إلا هنا في كندا، بعد أن عانيت ما عانيت من آلام الغربة وقسوتها،(بسبب الحرب اللبنانية اللبنانية التي أبعدتنا عن الوطن) ولا سيما أني كنت وحيدة مع عائلتي من دون زوجي (رحمه الله) الذي بقي في الخليج يزاول عمله كمهندس (من أجل لقمة العيش) وقد تزامن ذلك مع مرض مستعص أصاب ولدي الوحيد، فكثرت علي الهموم. وكان القلم رفيقي الدائم، فصرت أرصد ما يحصل معي، ومع أصدقائي من المغتربين في هذه البلاد البعيدة، الباردة، وأسجّله، فتشكلت عندي روايتي البكر” مواويل الغربة” من رحم المعاناة، وصرت كالمرأة الحامل يجب أن تلد في لحظة معينة، فانبثقت “المواويل” التي صدرت في بيروت، وأبلت بلاء حسناً من حيث نسبة المبيع، في معرض بيروت الدولي للكتاب، ونالت حظها من الانتشار والشهرة وعدد الأقلام المتخصّصة التي تناولتها بالدراسة والنقد، ثم كرت السبحة فصار لمواويل الغربة أشقاء. وقد سجلت كل من رواية مواويل الغربة، ورواية “آخر النفق”، عدة دراسات لشهادة الدكتوراه من قبل طلاب في الجامعة اللبنانية وفي جامعة طهران.

السؤال الثاني: عشت الحرب والهجرة والعودة،

وتنقلت بين أكثر من بيئة وثقافة، من منظور نفسي، أيهما كان أقسى عليك: أن يغادر الإنسان وطنه، أم أن يكتشف بعد سنوات أن الوطن الذي يسكن ذاكرته لم يعد هو الوطن الذي عاد إليه؟

 من أقسى اللحظات على الإنسان أن يغادر وطنه مكرهاً، (مغادرة قسرية) فقد نحبّ أن نسافر لشأن أو للآخر ثم نعود، وفي ذلك متعة وجمال وفائدة. أما أن نهاجر لأن العيش في الوطن لم يعد يؤمن للمواطن حاجاته الأساسية التي تبقيه على قيد العيش الكريم، أو ربما على قيد الحياة، فهذا شيء صعب للغاية، ولا سيما في وجود أطفال صغار يصعب الرد عن أسئلتهم العويصة، والأكثر صعوبة عندما تكتشف مع مرور الوقت أن الوطن الجميل الذي تعشقه والذي تركته خلفك لم يبق كما هو، فبعد أن كان “سويسرا الشرق” أصبح ك”الصومال أو كجنوب السودان”،  وإن ما تحفظه في ذاكرتك عنه يختلف كثيراً عما أصبح عليه، فقد أعمل العدو في الوطن قتلا وتمزيقاً وهدماً وجرفاً، ولم يبق على شيء فيه حياة، فهدم البيوت على رؤوس أصحابها وأجبر الناس على النزوح عن أرضها، وأحرق الشجر أو اقتلعها (اقتلع 600 شجرة زيتون معمرة من أرض الجنوب اللبناني المحتل ونقلها وزرعها في أرضه)  فأي ألم هو أشد من ذلك، أن ترى أرضك تسلب وجنى العمر يضيع في أيام معدودات..؟  

السؤال الثالث: في باكورة أعمالك الروائية “مواويل الغربة” حضرت الهجرة والاغتراب والصراع بين الحضارات (الوطن والمهجر) هل تعتقدين أن المهاجر يعيش فعلاً بين هويتين؟

سؤال جميل عن روايتي الأولى “مواويل الغربة” التي شهدت تجربة الغربة والصراع بين ثقافة الوطن الأم، وثقافة البلد المضيف، فلم يستطع الأبوان التخلي عن الموروث والعادات والتقاليد والعيب والحرام والشرف وكلام الناس، وألزما ابنتهما الشابة لارا (بطلة الرواية)  بكل ذلك، بينما سعت هي للاندماج الكلي بالثقافة الغربية وتمسكت بالحرية التي تبيحها الدول المضيفة لكل الأفراد، فأحبّت مغني “الروك أندرول” وأقامت معه علاقة، وهو أمر عادي في بلاد الغرب، بينما هو خطيئة مميتة وعيب وخروج عن المألوف والعادات والتقاليد في الوطن الام. وهنا يظهر التناقض بين الثقافتين، ما يجعل الأفراد يبحثون حتما عن هوية ثالثة تكون جسر عبور بين الأولى والثانية، وذلك من خلال التوازن بين ثقافة البلد الأصلي وثقافة البلد الجديد..

السؤال الرابع: يقال إن الروائي يختبئ أحيانا خلف شخصياته ويمنحها مشاعر أو اعترافات لم يستطع قولها بصوته الحقيقي. كم من لطيفة الحاج قديح يسكن بطلات رواياتها؟

من المعروف أن البوح هو طريقة علاجية يستخدمها الطبيب النفسي مع مرضاه لعلاجهم، ويعتبر وسيلة أساسية لتفريغ الضغوط النفسية وتقليل الثقل الداخلي الذي يعاني منه الإنسان المتعب، ما يساعده على شفائه واستعادة توازنه. والرواية هي وعاء إبداعي فسيح، يمكن أن يتحوّل إلى آلية لهذا البوح، حيث تتيح للكاتب أو للشخصيات التي يختارها التعبير عن المكبوتات، وعن الذاكرة المجروحة والأسئلة الوجودية العميقة.  وعملية البوح تلك يمكنها نقل الكاتب من حالة الألم التي يعيشها إلى حالة أفضل وكأنه يستبدل الألم بالقلم، الذي يشير إلى معاناة الأبطال الذين يحمّلهم الكاتب ما لم يستطع التصريح عنه علناً، فيحملون عنه وجعه. وممكن القول إن في كل رواية من رواياتي شيئاً مني، فالإناء ينضح بما فيه، ومن يتابع أعمالي الروائية كلها تظهر له الصورة على حقيقتها، فكل بطلة من البطلات تحمل شيئاً من المعاناة التي عانيتها في مسيرة عمري، وربما أن وفاء بطلة روايتي الأخيرة ” المتاهة” هي الشخصية التي اقتربت مني كثيراً وكأنها قرين لي..

السؤال الخامس: كتبت عن الحرب وأثارها، والحرب لا تدمر البيوت وحدها، بل قد تترك داخل الإنسان حرباً تستمر بعد توقف الرصاص. برأيك، متى تنتهي الحرب نفسياً؟ وهل يمكن للإنسان أن ينجو من الحرب جسدياً ويبقى أسيراً لها بقية حياته؟

المسألة لا تتعلق فقط بعدد الشهداء فالشهداء أحياء عند ربهم يرزقون، والشهادة  هي وطنية  وكرامة وعزة، وحتى النزوح ممكن أن ينتهي بالتفاهمات والاتفاقات، ويعود الناس إلى بيوتهم، ولكن الأمر أبعد من ذلك بكثير، فالحروب التي تجري ليست حروبا عادية بل هي حروب إلغاء  وإبادة، فالضرر كبير وكبير جداً على مستوى البيئة والتربية والتاريخ والوجود والارتباط بالجذور، حتى المقابر قد جرفت، جرفها العدو، وكأنه يريد أن يقضي على العلاقة الحميمة بين المواطن وأرضه، وأن يمحي الذاكرة، فعمليات الهدم والتفجير والجرف التي تحصل كبيرة جداً، لدرجة أن المواطن المسكين لم يعد يعرف موقع بيته بعد أن محى العدو آثاره   …فكيف يمكن للمواطن المحبّ لوطنه أن ينسى كل ذلك، وحتى لو انتهت الحرب فسوف  تترك ندوباً كثيرة وكبيرة وأمراضاً نفسية في نفس المواطن وروحه وأعصابه.

 

السؤال السادس: الذاكرة مادة أساسية في الكتابة، ولكنها نفسياً ليست تسجيلاً محايداً للماضي، نحن نعيد تشكيل ذكرياتنا كلما استعدناها. عندما تكتبين عن الماضي، هل تثقين بذاكرتك، أم تخشين أحياناً أن يكون الأدب قد أعاد صياغة ما حدث حتى أصبح المتخيّل أكثر حضوراً من الحقيقة؟

الذاكرة هي الخزان الأول والركيزة الأساسية التي يستمد منها الروائي تفاصيل شخصيات روايته، وكذلك الأماكن التي تشكّل المسرح الذي يتحرك عليه الأبطال، بالإضافة إلى الأحداث لبناء عالم الرواية الذي لا يلبث أن يتحول إلى عالم حي متحرّك. والذاكرة التي يعمل بها الأدب لا تشبه الذاكرة البيولوجية وإنما تنتمي إلى حقل رمزي، وكأن الحكاية تنطوي على قرار ضمني في شأن ما يُقال وما لا يُقال. بمعنى آخر يعيد الخيال تشكيل الذاكرة لا كمرآة ناقلة فحسب، بل وفق منطقه الخاص، فهو ينتقي الأحداث ويزيل ما لا يناسب المعنى الإجمالي أو الإنساني، ويمنح التفاصيل العادية أبعاداً رمزية جديدة تتجاوز الوقائع الخام. ومن دون الخيال تصبح الكتابة مجرد كلمات جافة تفتقر إلى الروح والواقعية. فالخيال هو الذي يعطي العمل الإبداعي جماله وروحيّته، لدرجة يصبح معها المتخيل أحياناً أكثر حضوراً من الحقيقة.

السؤال السابع: في أعمالك حضور واضح للمرأة: الأم والزوجة والمهاجرة والمناضلة والباحثة عن ذاتها. بعد كل هذه السنوات، ما الجرح النفسي الذي ترينه أكثر رسوخاً في المرأة العربية: الخوف، أم الشعور بالذنب، أم الحاجة إلى القبول، أم فقدان حقها في أن تختار حياتها بنفسها؟

    منذ امتشاقي القلم، آليت على نفسي أن أجعل الإنسان غايتي وهدفي ولا سيما الأنثى والشرقية بالتحديد، فقد ولدتُ أنثى في عائلة كبيرة أغلبها من الإناث، ( وليس الذكر كالأنثى) كما يقول القرآن الكريم ،وكما تعتقد شعوبنا العربية الإسلامية، وقد كتبت “مقامات نون النسوة” وهي سلسلة كتب تتحدث في جزئها الأول (بحث في أوضاع المرأة العربية) عن المرأة في رحاب الإسلام، وعن الأسباب التي أدّت إلى اعتبار المرأة المسلمة أقل شأناً من الرجل، أما الجزء الثاني من السلسلة، فهو كتاب موسوم بعنوان” مريم وفاطمة ع لؤلؤتا الإنسانية”  والجزء الثالث من السلسلة (رواية آخر النفق) التي تضئ على نموذج مشرف من نماذج المرأة العربية المناضلة. وهذه الكتب تعطي للمرأة الحق في أن تتنفس مناخ الحرية، كونها كائناً بشرياً له أن يحتفظ باستقلاليته، داخل ثنائية الزوجين فلا يتعالى الرجل ليبني ثنائية (الرجل/المرأة) ولا تتعالى فيها المرأة فتشد تلك الثنائية لتكون (المرأة/الرجل)، (من كلام الناقد الأستاذ الدكتور علي مهدي زيتون في قراءته النقدية لكتاب آخر النفق). بمعنى آخر أن ما كُتبته لطيفة الحاج قديح في حق المرأة، لم يأت على حساب الرجل، لا، فقد حفظت الكاتبة للرجل نصيبة داخل “المقامات” حيث لا يمكن للمرأة أن تنال حقوقها إن لم يكن الرجل ممتلئاً بهذا لشعور. فالمرأة من حقها أن تنال حقوقها كاملة كما أرادها الله تعالى، لا كما فهم البشر، ومن هنا الدعوة إلى فهم الآيات القرآنية الكريمة على ضوء التطوّر العلمي الحديث، بحيث يسمح للمرأة ان تختار مستقبل حياتها بنفسها.

السؤال الثامن: البحث عن السعادة عنوان يحمل في داخله سؤالاً فلسفياً ونفسياً عميقا، بعد هذه الرحلة الطويلة، هل ترين السعادة شيئاً نعثر عليه فعلا، أم أنها لحظات صغيرة نصنعها وسط الألم؟ وهل الإنسان الذي عرف الحزن يصبح أقدر على تذوق السعادة، أم أكثر خوفاً من فقدانها؟

السعادة هي الحياة، وليس العكس، كما قال الفنان البريطاني “جون لينون”. وهي “علمياً” ليست شعوراً فطرياً بحتاُ ولا شعوراً مكتسباً بالكامل، بل هي مزيج يجمع بين الاستعداد الجيني الفطري وبين مهارات وقرارات وعادات يومية مكتسبة تشكّل النسبة الباقية، ما يجعلها عادة ومهارة يمكن تدريب العقل عليها بمرور الوقت، والدليل على ذلك ما يصيبنا من السعادة عقب ممارسة نشاط اليوغا والتأمل التجاوزي (أنا متخصصة في هذه التقنية وأمارسها يومياً ومنذ العام 1996).

ومن الطبيعي أن الإنسان الذي عرف الحزن العميق يصبح أكثر قدرة على تذوّق السعادة الحقيقية التي حرم منها طويلا، لأن تجربة الحزن تعزّز القدرة على تذوق السعادة واستشعارها بشكل أعمق، وهذا مثبت علمياً حيث يعمل الحزن كخلفية ذات لون داكن تجعل ألوان الفرح تبدو أكثر ضياء وبريقاً، والإنسان لا يمكنه تقدير قيمة النور من دون معرفة الظلام، وكذلك السعادة تصبح أكثر قيمة بعد المرور بالمعاناة.

السؤال التاسع: كثير من المبدعين يحولون الألم إلى فن، من تجربتك هل كانت الكتابة مساحة ابداع فقط، أم شكلا من أشكال العلاج النفسي غير المعلن؟ وهل هناك ألم استطاعت الكتابة أن تحررك منه وألم آخر بقي عصيّا حتى على الكلمات؟

أنه سؤال دقيق جداً، فتجربتي الأدبية الممتدة، علمتني كيف يمكن للقلم أن يحوّل الألم إلى إبداع، وهي في نفس الوقت شكلا من أشكال العلاج النفسي، حيث القلم هو الطبيب الذي يأمر الكاتب أن يسترخ ويقوم بعملية البوح فيدخل بئر الاعتراف، فيكتب ويكتب. فالكتابة بهذا المعنى هي الفن الذي يقود صاحبه إلى مشاركة القارئ بمعاناته، فيعرف أنه ليس وحيداً وأن هناك من يشارك ويتفاعل في آن معاً، وأنه لا بدَ من المشاركة وطلب العون وأخذ المواعظ والعبر، وتشجيع الاعتراف ليكون ثمة أمل في الخلاص. وهناك كثير من الروايات العالمية التي تتناول الاضطرابات النفسية خاصة المستعصية على الشفاء، وهي وسيلة نقل تحط بنا في عقول المرضى، نستذكر رواية “السيدة دالاواي” لفرجينيا وولف، التي كانت تعاني من اضطراب عقلي مضني جعلها تضع حداً لحياتها، وكذلك الكاتب التشيكي “كافكا” الذي اشتهر بكتاباته الغرائبية والكابوسية، والذي قال: لماذا الكتابة إن لم تكن فأساً تكسر الجليد…؟ ونشير إلى رواية “جون فوس” عن سيرة الرسام ” لارس هرترفيك” المصاب بالفصام. فهنا تعبر الكتابة عن حالة المريض وتكون في الوقت نفسه نوعا من العلاج.

السؤال العاشر: لديك تجربة طويلة في التربية والتعليم، إلى جانب الأدب من خلال معرفتك بالإنسان، أيهما يترك الأثر الأعمق في شخصية الطفل، ما نعلمه له بالكلام، أو ما يراه فينا من خوف وحبّ وتناقضات وصراعات لم نتحدث عنها؟

أنا فخورة جداً كوني قضيت الجزء الأكبر من حياتي في حقلي التربية والتعليم، فهذه المهنة هي من أهم وأنبل المهن إن لم تكن أنبلها على الاطلاق. وهي اليوم ترتكز على جعل الطالب محوراً أساسياً للعملية التعليمية، وتحول المعلم إلى موجّه يقود تلك العملية، وينمي مهارات التفكير النقدي، وحل المشكلات والتعاون الجماعي، عند الطالب، بدلاً من الحفظ والتلقين. ولقد اثبتت التجارب والدراسات أن الدروس العملية التي يقوم بها الطالب هي التي تبقى في ذهنه أكثر بكثير من الأشياء التي تقدم له بطريقة جافة من دون وسائل إيضاح، وعن طريق الكلام فقط، ولا سيما تلك التي يرافقها تصرفات من المربيين تتناقض مع المبادئ التي تدرّس للطالب، كأن تدخن مثلاً أمام المراهق وتنصحه بعدم التدخين.

السؤال الحادي عشر: كتبت عن الهجرة والمرأة والمجتمع والمقاومة، هل تعتقدين أن الروائي يختار موضوعاته فعلاً، أم أن هناك موضوعات تطارده نفسياً وتفرض نفسها عليه حتى يكتبها، وما الموضوع الذي ظل يلاحقك أطول فترة؟

صحيح جداً أن هناك موضوعات تطارد الروائي وتلحّ عليه كي يتناولها قبل غيرها، وحتى لو أختار الكاتب موضوعاته من خارج ذلك الإطار فإنه سوف يعود إلى ما يستوطن نفسه وأحاسيسه وتفكيره، لأن هاجس الموضوع الذي يسكن نفسه سوف يسيطر عليه، وهذا ما حدث معي في رواية “مواويل الغربة” كما في آخر مؤلفاتي (رقم 11) وهي رواية “المتاهة”، حيث كنت أتهرب منها وأعالج موضوعات تشبهها، إلى أن استجبت أخيراً للنداءات التي تسكنني فكانت المتاهة باللغتين العربية والإنكليزية.

السؤال الثاني عشر: في علم النفس هناك موضوع عن الطفل الداخلي، ذلك الجزء الذي يحتفظ بخبرات الطفولة واحتياجاتها ومخاوفها، عندما تجلس لطيفة الحاج قديح اليوم أمام الورقة، كم بقي من الطفلة الأولى داخل الكاتبة؟ وماذا كانت تلك الطفلة سوف تقول للمرأة التي أصبحت عليها اليوم؟

يقول الشاعر البريطاني وليم وردورث (وهذا قول حق) الطفل هو أبو الإنسان، وقد تبنى مؤسس علم التحليل النفسي “سيغموند فرويد” تلك المقولة لتأكيد أهمية مرحلة الطفولة في تشكيل شخصية الإنسان، بما يعني أن تجارب الطفولة ومشاعرها وبصماتها هي التي تصنع وتحدّد شخصية وسلوك الإنسان عندما يكبر، وذلك بسبب الترابط العميق والمستمر بين مراحل حياة الإنسان، حيث ينبثق البالغ من جذور الطفل..

والحمد لله أني عشت طفولة جميلة بكل معنى الكلمة، وكنت الصغرى في عائلة كبيرة العدد، فتعلمت منهم الكثير، إلى جانب ما تعلمته من مدرستي الأولى التي وجّهتني إلى المطالعة والقراءة في وقت الفراغ، فتشكلت شخصيتي التي أحبّها وأعتز بها، ثم جاءت هموم الحياة لتصقل تلك الشخصية.

إن لطيفة الطفلة عاشت وتعيش معي في كل مراحل حياتي، واعتقد أنها لن تسلم الروح أبدا قبل رحيلي عن هذه البسيطة…

السؤال الثالث عشر: بعد عمر طويل من الكتابة والتجربة، هل أصبحت أكثر تصالحاً مع الحياة أم أكثر معرفة بتناقضاتها، وبصورة أشد خصوصية، ما الشيء الذي سامحت الحياة عليه، وما الشيء الذي لم تستطيعي أن تسامحيها عليه حتى الآن؟

إن تجربتي الطويلة في الحياة، وكذلك عملي في التربية والتعليم، حيث مارست المهنة في دول عديدة، وكنت في الوطن الأم مديرة لمؤسسة تربوية كبيرة، في منطقة  شعبية، ما جعلني أتعاطى مع نماذج متعدّدة من حياة البشر(أهالي، وتلامذة، ومعلمين) مع ما يرافق ذلك من صعوبات، وهذا ما جعلني أتيقن أن تلك الصعوبات هي ملح الحياة، وعلينا أن نتعلم ليس فقط كيف نعيشها، ولكن أيضاً كيف نتغلب عليها، أو على الأقل نصادقها أو نبني فوقها، وأنا شخصياً واجهتني صعوبات كبيرة جداً في حياتي جعلتني حذرة، ولكن في نفس الوقت متقبّلة لكل ما يحصل لي، مع يقيني أن الله عز وجلّ لا يترك الإنسان وحيداً في مأساته، فهو كلما أقفل في وجهك نافذة لا بدّ أنه يفتح لك باباً واسعاً، يساعدك على تقبل المشكلة وتفكيكها إن أمكن مهما كانت عويصة، لا أن يهرب منها أو يستسلم لها فتتغلّب عليه، ونحن لسنا في موضع محاسبة الخالق عز وجلّ على ما أصابنا، فهو” لا يُسأل عما يفعل وأنتم تسألون”(آية 23 سورة الأنبياء).

السؤال الرابع عشر: لو طلبنا منك أن تنظري إلى حياتك كلها كرواية: طفولة، تعليم، زواج، حرب، هجرة عودة، كتابة، نجاح، خسارات وذكريات، ما الفصل الذي تتمنين لو استطعت إعادة كتابته؟ وما الفصل الذي لن تسمحي لأحد بتغيير كلمة واحدة فيه؟

أعتقد أن الحياة هي سلسلة متكاملة من الأحداث التي تمر على الإنسان، ويتفاعل أو لا يتفاعل معها، وهي في كل الأحوال تترك خلفها الأثر الذي قد ينساه الآخرين، ولكن الإنسان نفسه لا ينساه، لأنه يترك بصمات ثابتة وواضحة في بناء مستقبله،  وبالنسبة لي لو عاد بي الزمن لتمنيت أن أتوقف قليلا عند مرحلتي اليفاع والشباب، لأتزود من العلم والمعرفة حتى الثمالة، مع أني كنت من المجتهدات في مدرستي ولم أترك التعلّم أبداً، فأنا في حالة تعلّم مستمر إلى جانب عملي ومسؤولياتي الأسرية، والسبب في هذا الشعور هو تلك الهوّة التي أجدها بين الأجيال والتي تتوسع مع التقدّم والتطوّر العلمي، فلكي أتفاهم مع أولادي وأحفادي بطريقة مثلى أرى أن العلم يمكن أن يردم تلك الهوة إلى حدّ ما، فهم أي الأولاد والأحفاد تهيأت لهم الفرص للتعلّم في مدارس “الخمس نجوم”  بينما انا وأمثالي كثر من الأمهات والآباء تعلمنا في مدراس رسمية شبه عادية وكانت تعاني دائماً من نقص الكادر التعليمي ولا سيما بالنسبة ل اللغات الأجنبية.

أما الفصل الذي أتمنى أن أعيد صياغته، فهو الفصل الأخير من حياتي الذي أعيشه حالياً، فمن رضا الله علي أنه هيأ لي فرصة العيش في بلد راق يحترم الإنسان ويهيأ له الفرص للعيش بشكل مناسب، ولكن هذا لا يعني أني نسيت وطني الأول لبنان لا سمح الله أو تخلّيت عنه، فهو لا يزال يسكن قلبي ووجداني. وأمنيتي أن أعود إليه لأقضي ما تبقى من عمري فيه، مع العلم أن بيني وبين ذلك الحلم صعوبات جمة، فأولادي وأحفادي كلهم هنا في كندا وفي أميركا. وكذلك الحروب المستمرة التي يعاني منها الوطن تجعل الحلم شبه مستحيل.

السؤال الخامس عشر: وأختم بسؤال ربما يكون الأكثر قرباً من جوهر تجربتك: بعد كل ما كتبت وعشت وعلمت وقرأت، من هي لطيفة الحاج قديح حين تسقط عنها كل الألقاب: الكاتبة والناقدة، والباحثة، والأم، والمربية؟ من هي المرأة التي تبقى عندما يصمت الجميع، وتغلق الكتب وتبقى وحدها أمام نفسها؟

أشكرك جداً على تعبك معي باختيار هذه الأسئلة الموضوعية الجميلة تكلّلها بهذا السؤال، الذكي، وجوابي هو أنني باختصار امرأة عاملة بسيطة متواضعة، مجدّة ومجتهدة، أحبّ الناس والعمل الاجتماعي، ولم أتوقف عن العمل طيلة حياتي، حتى عندما تقاعدت، وأنا صبورة إلى حدّ كبير، ومتدينة، وأمارس رياضة اليوغا وتقنية التأمل التجاوزي صبحاً ومساء، منذ حوالي ثلاثين عاماً، وأنا لا أحبّ أن أخاصم أحداً، ومن يؤذيني أبتعد عنه بكل بساطة. وأنا أؤمن بأن الإنسان جسد وروح، وأن غاية الحياة هي الوصول إلى النفس المطمئنة الراضية المرضية، وهذا لا يكون إلا برضا الله تعالى على الإنسان. لم تكن حياتي سهلة، بل لقد عشت ظروفاً صعبة جداً، ولكنها لم تكسرني، بل صقلت شخصيتي تماما كما يصقل حجر الصوان بالعوامل الطبيعية المتكرّرة ليصبح أملساً، ولكن قوياً. وأنا بالمناسبة أم لثلاثة أولاد، وجدة لأربعة أحفاد. ولا يسعني في نهاية هذه المقابلة سوى أن أشكر ربي على ما أعطاني والذي ساعدني في اجتياز الصعوبات الكبيرة التي مررت بها. وكذلك أشكرك أيها العالم النفسي على هذه المقابلة الجميلة.

 

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *