سجلوا عندكم

مستقبل التعليم: لِم نُعدّ أبناءنا؟

Views: 50

د. رمزي صالحة

فكرت في التعليم طويلًا، وأنا الذي استثمر شطرًا رئيسًا من حياته في التدريب وتطوير الأفراد، ومراقبة المؤسسات وهي تتغير. وخاصة لأننا، وللمرة الأولى في تاريخ البشرية، نواجه تقنية يختلف تأثيرها جذريًا عمّا اعتدناه من الآلات. إذ لا يكتفي الذكاء الاصطناعي بتنفيذ مهامنا عنَّا؛ فهو يقرأ، ويكتب، ويحسب، ويترجم، ويبحث، ويحلل، ويصمم، ويبرمج. (هل ذكرت كل ما يفعله؟ أشك في ذلك!) لذا أجد نفسي أطرح سؤالًا مزعجًا: إذا كانت الآلات قد أصبحت قادرة، وبشكل متزايد، على أداء الكثير مما نرسل أبناءنا إلى المدرسة لتعلّمه، فما الذي ينبغي أن تفعله المدرسة إذن؟

أعتقد أن هذا هو السؤال الذي يجب أن نطرحه قبل أن نبدأ بتغيير الكتب المدرسية، أو إضافة مقررات في الذكاء الاصطناعي، أو شراء حواسيب لكل صف دراسي. نحن بحاجة إلى العودة إلى الأساسيات: ما هو الغرض من التعليم؟

العالم المتغيّر

صُممت مدارسنا لزمن آخر، ولعالم آخر. كان الطفل يذهب إلى المدرسة لأن المعرفة كانت هناك. كان المعلم يعرف ما لا يعرفه الطفل. وكان الكتاب يحتوي على معلومات لا يستطيع الطفل إيجادها بسهولة في أي مكان آخر. كان الطالب يستمع، ويحفظ، ويتمرّن، ثم يُختبر. وكان ذلك منطقيًا.

أما اليوم، فيستطيع الطفل أن يسأل هاتفه الذكي ما يشاء، ويحصل على إجابة خلال أجزاء من الثانية، وقد تكون الإجابة خاطئة! وهنا بالضبط تكمن النقطة الجوهرية. فالمهارة المهمة لم تعد مجرد معرفة الإجابة، بل معرفة ما إذا كانت هذه الإجابة تستحق أن نبحث فيها، وأن نتبناها. وهذا نوع مختلف تمامًا من التعليم.

لن يُلغي الذكاء الاصطناعي، حكمًا، وظائف الأطباء والمحامين والمعلمين والمحاسبين والمهندسين والكتّاب. لكنه سيغيّر ما يقوم به هؤلاء، وكيف يقومون به. فقد يستعين المحامي بالذكاء الاصطناعي لإجراء ساعات من البحث. وقد يستخدم الطبيب الذكاء الاصطناعي للمساعدة في تفسير المعلومات. وقد لا يقضي المحاسب معظم يومه في إجراء حسابات روتينية. وقد يستعين المعلم بنظام ذكي يشرح الدرس نفسه لعشرين طفلًا بعشرين طريقة مختلفة. فالسؤال لم يعد: “هل سيأخذ الذكاء الاصطناعي وظائف أبنائنا؟” بل أصبح: “ما الذي سيبقى فريدًا، وقيِّمًا، في الإنسان حين تستطيع الآلة أداء حصة متزايدة من العمل؟”

هل كنّا نطرح السؤال الخاطئ؟

تساءلنا، ولأجيال: “ماذا ينبغي للطفل أن يتعلّمه؟». هذا سؤال هام، غير أن السؤال الأكثر أهمية هو: «أي نوع من الرجال والنساء نريد أن يصبح أبناؤنا؟» وهذا يغيّر كل شيء. فإن كانت إجابتنا: «أشخاص قادرون على الحصول على وظائف جيدة»، فسنستمر في بناء مدارس حول التوظيف. أما إن كانت إجابتنا: «أشخاص قادرون على التفكير، والاختيار، والإبداع، والحب، والتعاون، والتساؤل، وتحمّل المسؤولية، وعيش حياة ذات معنى»، فإننا نحتاج إلى مدرسة مختلفة بالكامل. إذ لا ينبغي أن يكون الغرض من التعليم حشو رأس الطفل بأكبر قدر ممكن من المعلومات، بل تنمية الإنسان.

لا مزيد من الواجبات المنزلية

دعوني أقول شيئًا قد لا يتفق معي فيه كثير من التربويين: «لا ينبغي أن تكون هناك واجبات منزلية». أنا لا أدعو لواجبات أقل. ولا لواجبات في عطلة نهاية الأسبوع فحسب. ولا واجبات «لساعة واحدة فقط». أنا أدعو إلى إلغاء الواجبات المنزلية أصلًا. أكاد أسمع السؤال من الآن «وكيف يتعلّم الأطفال من دون واجبات منزلية؟» والإجابة بسيطة: لماذا لا نمنحهم وقتًا كافيًا للتعلّم في المدرسة؟ إذا كان الطفل يقضي ستّ ساعات، أو سبعًا، في المدرسة، فلماذا نُعيده إلى البيت ليعمل لساعتين أو ثلاث ساعات إضافية، وننصب الوالدين معلمين بلا أجر؟ أسألكم بالله: متى يُتاح للطفل أن يكون طفلًا؟ متى يُتاح للأسرة أن تكون أسرة؟ متى يتحدث المراهق إلى والده؟ متى تجلس الأم مع ابنتها؟ متى يلعب الطفل، ويمشي، ويقرأ كتابًا من أجل المتعة، ويستمع إلى الموسيقى، ويتمرّن على آلة موسيقية، ويرسم، ويفكر، ويحلم، أو، وبكل بساطة، لا يفعل شيئًا؟ لقد أقنعنا أنفسنا بطريقة ما بأن الطفل المشغول باستمرار هو طفل يتعلّم. فهل هذا صحيح؟

لتتولَّ المدرسة أمر التعليم

ثمة قاعدة واحدة: ينتهي التعليم بنهاية اليوم الدراسي،. فإذا كانت الرياضيات بحاجة إلى تمرين، فليكن ذلك في المدرسة. وإذا كانت القراءة بحاجة إلى تطوير، فليكن ذلك في المدرسة. وإذا كان المشروع البحثي يحتاج إلى ثلاث ساعات، فلتُمنح تلك الساعات الثلاث للطالب في المدرسة. وإذا احتاج الطالب إلى مساعدة، فليسأل المعلم. وإذا احتاج إلى حاسوب، فلتؤمنه المدرسة، وكذا المختبر، ومجموعة العمل: على المدرسة أن تتحمّل مسؤولية التعليم.

ولا ينبغي أن تتحوّل الأسرة إلى امتداد غير مدفوع الأجر للنظام المدرسي! ثمة سبب آخر يجعلني أميل إلى فكرة إلغاء الواجبات المنزلية: فإلغاؤها يخلق نظامًا أكثر عدلًا. فبعض الأطفال يعودون إلى بيوت هادئة، وآباء متعلمين، وحواسيب، وكتب، ومعلمين خصوصيين. وآخرون لا يحظون بشيء من ذلك. قد يكون الواجب المدرسي هو نفسه، لكن الظروف ليست نفسها. فإن أردنا أن يكون التعليم أداة لتحقيق المساواة، فعلينا أن نُنجز أكبر قدر ممكن من العمل التعليمي المهم في المكان الذي يتساوى فيه وصول كل طفل إلى الموارد نفسها.

أعيدوا المساءات إلى الأسرة

تخيلوا طفلًا يعود من المدرسة. فلا يجد ورقة تمارين في الرياضيات بانتظاره. ولا مشروعًا علميًا يتطلّب يسرق وقت الوالدين. ولا واجب من ثلاث صفحات. لقد أنهى الطفل يومه المدرسي، ويستطيع أن يحيا حياته. تستطيع الأسرة أن تتناول الطعام معًا. وأن تتحدث. وأن تخرج في نزهة. ويستطيع الطفل أن يلعب، أو يقرأ، أو يعزف على آلة موسيقية، أو يزور جدته، أو لا يفعل شيئًا!  ولا بأس في ذلك: فالطفولة ليست مسابقة إنتاجية. نحنا لسنا مضطرين إلى استثمار كل دقيقة من حياة الطفل. فالأطفال يحتاجون إلى وقت لا يُنتج شيئًا. يحتاجون إلى وقت لاكتشاف أنفسهم.

متى ينبغي أن يبدأ التعليم؟

أرى أن يبدأ التعليم الرسمي في السادسة من العمر. وأرى أن نترك الطفل في المنزل، قبل ذلك، حيث يمارس الأهل التربية في إطارها الطبيعي: الأسرة، وعبر اللعب، والحوار، والحركة، والفضول، والتجربة. فالسنوات المبكرة ليست سنوات ضائعة. إنها من أهم سنوات الحياة الإنسانية. وإن كنّا نؤمن بذلك حقًا، فينبغي للمجتمع أيضًا أن ييسّر على أهالي الأطفال دون السادسة أن يكونوا حاضرين في حيوات أطفالهم. وينبغي أن يُمنح الآباء والأمهات، ممن لديهم أطفال دون السادسة، فرصة محمية للعمل من المنزل. ما أكثر ما نتحدث عن أهمية الأطفال: دعونا نعيد تنظيم المجتمع  وفقًا لذلك.

يوم في حياة طالب

تخيلوا معي يومًا من حياة طفل في السادسة من عمره: يومٌ يمتد من التاسعة صباحًا إلى الثانية عشرة ظهرًا. وهي ليست ثلاث ساعات من الجلوس خلف مقعد، بل ثلاث ساعات من التعلّم المركّز، والحركة، واللعب، والاستكشاف، والحوار، والاكتشاف. ومع نمو الأطفال، ينمو اليوم الدراسي معهم. ثم يمتد اليوم، ومع بداية المراهقة مثلًا، من التاسعة صباحًا حتى الخامسة مساءً. أرجو ألا يُساء فهمي: فمن التاسعة حتى الخامسة لا تعني ثماني ساعات من المحاضرات، بل تعني أن تصبح المدرسة مكانًا يستطيع فيه الأطفال التعلّم بطرق عديدة: عبر صف دراسي، ومختبر، ومكتبة، وورشة عمل، واستوديو، وحديقة، وصالة رياضية، ومركز بحثي، ومكان للحديث، ومكان للصمت، ومكان للعمل مع الآخرين.

ماذا نُدرّس فعليًا؟

أرى أن نبقي على أساسَين أكاديميَّين في صميم التعليم: الرياضيات واللغات. الرياضيات لأن الأطفال بحاجة إلى تعلّم كيفية التفكير المنطقي، والقياس، والحساب، والتعرّف على الأنماط، والتعامل مع التجريد. واللغات لأن اللغة هي بوابتنا إلى ثقافتنا وإلى عقول الشعوب الأخرى وثقافاتها. وأرى أن يتقن كل طفل لغتين على الأقل. أما ما عدا ذلك، فلا أرى تحويله إلى كتاب مدرسي آخر وإلى اختبار آخر. وهنا يكمن التغيير الجذري.

اقتلوا فكرة «المواد الدراسية»

هل يحتاج الأطفال حقًا إلى حصة منفصلة تسمى «التفكير النقدي»؟ ربما. لكنني أفضّل أن أمنحهم شيئًا يستحق التفكير فيه. أعطوا مجموعة من أطفال في الثانية عشرة سؤالًا أو مشروعًا: لماذا يتلوّث النهر القريب من بلدتنا؟ وراقبوا ما سيحدث. سيحتاجون إلى النظر إلى السؤال من زوايا العلوم، والجغرافيا، والرياضيات، والبحث. وسيتجهون، لفعل ذلك، إلى الحواسيب والذكاء الاصطناعي. وسيحتاجون، لفهم الخلفية، إلى فهم نظام الحكم والاقتصاد. سيحتاجون إلى التحدث مع الناس، وإلى الكتابة بذكاء، وإلى العرض بإبداع. وسيحتاجون، في هذه العملية، إلى الاختلاف فيما بينهم، وتقرير ما هي الأدلة التي يثقون بها. وفجأة، لن يكون لدينا عشر مواد دراسية مختلفة، بل مشكلة حقيقية واحدة. وسيكتشف الأطفال أنهم بحاجة إلى المعرفة والتعاون معًا لحلّها. وهذا، على ما أراه، هو التعليم.

ولّدوا الأسئلة

أريد مدرسة يُكافأ فيها الطفل على طرح الأسئلة: من، ولماذا، وكيف، ومتى، وأين، وماذا، وماذا لو… على سبيل البداية لا الحصر. هذه ليست أسئلة لندوة جامعية متقدمة. إنها الأسئلة التي يطرحها الأطفال بشكل طبيعي قبل أن يدفعهم المجتمع الغبي، وبكل إجرام، إلى التوقف عن طرحها. ينبغي ألا يُقضي التعليم على هذا الفضول، بل أن يحميه وينمّيه.

الذكاء الاصطناعي أداة، لا عكّازًا

يعيش أبناؤنا مع الذكاء الاصطناعي، ولا فائدة من التظاهر بغير ذلك. ينبغي أن يتعلّموا كيفية استخدامه لطرح أسئلة ذات صلة، وكيفية البحث معه، وتحدّيه، وتعلّم كيفية التعرّف على أخطائه. ينبغي أن يفهموا الخصوصية، والتحيّز، والتلاعب، والمسؤولية. لكن الأهم من كل ذلك، ينبغي أن يفهموا المبدأ البسيط: قد يساعدك الذكاء الاصطناعي على التفكير، والحذار الحذار أن تدعه يفكر بدلًا منك.

قد يصبح الطفل الذي يطلب من الذكاء الاصطناعي كل إجابة كفؤًا للغاية. لكن هذا لا يجعله بالضرورة ذكيًا. فالهدف ليس تربية أطفال يعرفون كيف يستخدمون الذكاء الاصطناعي، بل تربية أطفال أذكياء بما يكفي ليعرفوا متى يستخدمونه، ومتى يشككون فيه، ومتى يضعونه جانبًا.

التعليم كحزمة متكاملة

ركّز التعليم، ولفترة طويلة جدًا، على العقل وحده. وأرغب في أن أرى اهتمامًا أكبر بالإنسان كاملًا. ينبغي أن يتحرك الأطفال، وأن يتعلّموا التوازن والتناسق الحركي، وأن يمارسوا الرياضة، وأن يتعرّفوا على شيء مختلف كالتاي تشي، أو كيفية التنفّس السليم. وينبغي أن تكون لديهم فترات من الهدوء. وينبغي تعريفهم بالتأمل؛ لا كممارسة دينية، بل كفرصة لتعلّم كيفية التوقف، والهدوء، والانتباه. نحن نُنشئ جيلًا سيعيش في عالم من المعلومات المتدفقة، والتحفيز المستمر، والتغيّر المستمر والمتسارع. ومن أعظم المهارات التي يمكننا منحهم إياها هي القدرة على القول: يكفي، حان وقت الهدوء.

العبوا الآن وتعلّموا المنافسة لاحقًا

أرى، حين يكون الأطفال صغارًا، أن يكون النشاط البدني غير تنافسي إلى حدّ كبير: دعوهم يركضون، ويقفزون، ويسبحون، ويلعبون. دعوهم يكتشفون أن الجسد شيء رائع. ودعوا التنافس لوقت لاحق. سيحبّها بعض الأطفال، ويكرهها آخرون. دعوهم يتنافسون. فالمنافسة تُعلّم الانضباط، والشجاعة، والمرونة، والعمل الجماعي. لكن الفوز يجب ألا يتحوّل أبدًا إلى مقياس لقيمة الإنسان. فالطفل الذي يحلّ ثانيًا ليس ثاني أفضل إنسان.

الفن ليس رفاهية

لنركز على الموسيقى والفن. لا لأن كل طفل سيصبح موسيقيًا، ولا لأن كل طفل سيصبح فنانًا، بل لأن الإنسان بحاجة إلى وسائل للتعبير عمّا لا تستطيع الكلمات وحدها التعبير عنه. علينا، بدلًا من أن نسأل: «هل هذا جيد؟» أن نسأل: «ماذا كنت تحاول أن تقول؟» وهذا سؤال مختلف تمامًا.

علّموهم تاريخ الحضارات

لا أريد للأطفال أن يحفظوا تواريخ وأسماء لا نهاية لها. أريدهم أن يكتشفوا كيف وُلدت الحضارات، وكيف تطوّرت، وكيف تفاعلت مع بعضها بعضًا، ولماذا ازدهر بعضها وتراجع البعض الآخر.

ليس علينا تعليم الأطفال أن حضارة ما كانت أفضل من أخرى، بل مساعدتهم على فهم أن الحضارة الإنسانية قصة طويلة ومعقدة أسهمت فيها شعوب مختلفة، واقتبست، وتنافست، وأبدعت، ودمّرت، وأعادت البناء. ينبغي أن يبدأ الطفل في رؤية الروابط، وطرح السؤال الأهم: ماذا يمكن أن يعلّمنا تاريخ الحضارات عن الحضارة التي نبنيها اليوم؟

علّموا الجغرافيا بوصفها قصة المكان

ما أهمية أن يستطيع الطفل سرد خمسين عاصمة من الذاكرة إن لم يكن لديه أي فكرة عن سبب سكن الناس حيث يسكنون؟ على الأطفال أن يفهموا البيئة، والثقافات، والاقتصاد، وعلاقة الجغرافيا بالحياة الإنسانية. ينبغي أن تجيب الجغرافيا عن سؤال: لماذا هنا؟

الأطفال كباحثين

لا ينبغي أن يبدو صف المستقبل دائمًا كصفّ تقليدي. بل ينبغي للمعلم أن يتراجع خطوة إلى الوراء، ويطرح على الأطفال سؤالًا، ويتركهم يبحثون. سيرتكبون الأخطاء، ويتجادلون، ويغيّرون آراءهم، ويبنون شيئًا لا يعمل، ويحاولون، ويحاولون مجددًا. على المعلم أن يصبح أقل ميلًا إلى المحاضرة وأكثر ميلًا إلى التوجيه. وهذا الجزء الأخير أهم من أي شيء يستطيع الذكاء الاصطناعي فعله.

اكتشفوا الطفل

لا يوجد طفلان متطابقان. لا ينبغي أن نرغم الأطفال على مسارات ضيّقة مبكرًا، بل أن نمنحهم وقتًا لاكتشاف أنفسهم. ولتحقيق ذلك، علينا أن نراقبهم، ونستمع إليهم، ونمنحهم الفرص، ونختبر قدراتهم (لا عبر الامتحانات، بل عبر التجربة)، ونساعدهم على الإجابة عن أحد أهم أسئلة الحياة: ما الذي أُجيده؟

التخصص لاحقًا

يجب أن تبقى السنوات المبكرة واسعة النطاق؛ فليختبر الطفل أشياء كثيرة، ثم، في السنة الأخيرة من المدرسة، يبدأ بالتخصص تدريجيًا. ويمكن للصف الثاني عشر أن يصبح جسرًا بين المدرسة والجامعة. وعلينا أن نُعدّ الأطفال ليس فقط لمهن اليوم، بل لمهن لم تُوجد بعد.

ماذا يحدث للمعلم؟

لا يختفي المعلم، بل يصبح، من نواحٍ عديدة، أكثر أهمية. فإن كان الذكاء الاصطناعي قادرًا على شرح الرياضيات، يستطيع المعلم أن يركّز على الطفل الذي يعاني. وإن كان قادرًا على تقديم المعلومات، يستطيع المعلم أن يساعد الطفل على تقرير ما يفعله بتلك المعلومات. وإن كان قادرًا على توليد مقال، يستطيع المعلم أن يسأل: «لكن ما رأيك أنت؟» وإن كان قادرًا على تقديم عشر إجابات، يستطيع المعلم أن يسأل: «أيّها تُصدّق، ولماذا؟» قد تُقدّم الآلة المعلومات، لكن المعلم يقدّم شيئًا أصعب بكثير من أن تحاكيه الآلة: العلاقة الإنسانية.

إعادة التفكير في الامتحانات

إن توقفنا عن إعطاء الواجبات المنزلية، فلا يمكننا أن نستمر في قياس الأطفال بشكل أساسي عبر الامتحانات. نحن بحاجة إلى معرفة ما يعرفونه، لكننا بحاجة أيضًا إلى معرفة ما يستطيعون فعله. وقد يخبرنا ملف أعمال الطالب في نهاية المطاف بأكثر مما تخبرنا به مجموعة من درجات الامتحانات.

ينبغي أن تكون المدرسة مكانًا للحياة

قد يكون هذا أكبر تغيير أقترحه. لا أريد للمدرسة أن تكون مكانًا يجلس فيه الأطفال لساعات يستمعون إلى الكبار. أريدها أن تكون مكانًا تحدث فيه الحياة. حيث يتعلّمون، ويتحركون، ويتجادلون، ويبدعون، ويبحثون، ويكوّنون صداقات، ويفشلون، ويحاولون مجددًا، وينجحون، ويصبحون فضوليّين، ويصبحون مسؤولين، وأخيرًا وليس آخرًا، يكتشفون أنفسهم.

العودة إلى فكرة إلغاء الواجبات المنزلية

سيقول البعض: «هذا غير واقعي». قد يكونون على حق. لكن علينا أن نسأل: لمَ هو غير واقعي؟  هل هو غير واقعي لأن الأطفال لا يستطيعون التعلّم من دون واجبات منزلية؟ أم أنه غير واقعي لأننا صمّمنا نظامًا مدرسيًا يعتمد على الواجبات المنزلية؟ هناك فرق بين الأمرين. فإذا صُمّمت المدرسة بشكل صحيح، وإذا امتلك المعلمون وقتًا كافيًا، وإذا تحوّلت الصفوف إلى مختبرات وورش عمل، وإذا عمل الطلاب معًا، وإذا توفّرت التقنية، وإذا حلّت المشاريع محل أوراق التمارين التي لا تنتهي، فقد لا نحتاج إلى إرسال المدرسة إلى البيت مع الطفل. ينبغي أن تكون المدرسة كافية، وهذا سيمنحنا شيئًا فقدناه تدريجيًا: أطفالًا لديهم وقت ليعيشوا.

السؤال الأهم

يُرغمنا الذكاء الاصطناعي على مواجهة أسئلة تتجاوز التعليم بكثير. إذا كانت الآلات قادرة على أداء الكثير من العمل الذي كنا نقوم به، فما الغرض من العمل الإنساني؟ وإذا كانت الآلات قادرة على الإجابة عن الأسئلة، فما الأسئلة التي ينبغي أن نطرحها؟ وإذا كانت الآلات قادرة على الإبداع، فما هو الإبداع الإنساني؟ وإذا كانت الآلات قادرة على اتخاذ القرارات، فأي القرارات ينبغي أن تبقى قراراتنا؟ وإذا كانت الآلات قادرة على محاكاة الذكاء، فما الفرق بين الذكاء والحكمة؟

أعتقد أن هذا السؤال الأخير قد يكون الأهم. فالمعرفة تخبرنا بما هو كائن. والذكاء يساعدنا على فهمه. والتفكير يتيح لنا التشكيك فيه. أما الحكمة، فتساعدنا على تقرير ما نفعله به. فيما تحدد الأخلاق ما نفعله حين لا يرانا أحد.

ما الذي نحاول تكوينه؟

كنّا نفكر في التعليم بطريقة ضيّقة جدًا: ونتحدث عن الوظائف، والشهادات، والامتحانات، والمهارات، والمسارات المهنية. لكن الإنسان أكثر من مجرد موظف مستقبلي. فالطفل الجالس اليوم في الصف الدراسي سيصبح يومًا ما زوجًا أو زوجة لشخص ما، وأبًا أو أمًا، وصديقًا، وجارًا، وصاحب عمل أو موظفًا. أي نوع من الأشخاص نريد لذلك البالغ أن يكون؟

أودّ لذلك الشخص أن يكون قادرًا على التفكير من دون أن يُملى عليه ما يفكر فيه،

وأن يستخدم التقنية من دون أن يصبح خادمًا لها،

وأن يختلف مع الآخرين من دون أن يتحوّلوا إلى أعداء،

وأن يتنافس من دون أن يحتقر من يخسر،

وأن ينجح من دون أن يعتقد أن النجاح يجعله أفضل من غيره،

وأن يمتلك القوة من دون أن يسيء استخدامها،

وأن يرتكب الأخطاء من دون أن تدمّره،

وأن يكون قادرًا على قول: «لا أعرف»، متبوعة بـ: «لنكتشف ذلك».

نحن لا نُعدّ الأطفال للمستقبل

هذا هو ما أعتقد أن مستقبل التعليم ينبغي أن يدور حوله. نحن لا نُعدّ الأطفال لمجرّد اجتياز الامتحانات، أو الحصول على وظائف. ولا ينبغي أن نُعدّهم للتنافس مع الآلات في أن يصبحوا آلات.

نحن نُعدّ بشرًا لعالم ستصبح فيه الآلات قادرة بشكل استثنائي. قد يعني ذلك أن أعظم هدية يمكننا أن نقدّمها للطفل ليست مزيدًا من المعلومات، بل الوقت للتفكير، والاستكشاف، والإبداع، والحركة، وطرح الأسئلة، والتواجد مع الآخرين، والتواجد مع الأسرة: الوقت ليكون طفلًا. ولهذا السبب سأُلغي الواجبات المنزلية.

لا ينبغي أن نحاول تكوين طلاب أفضل، بل بشر أفضل؛ وقد يكون هذ، في عصر الذكاء الاصطناعي، أهم تعليم على الإطلاق.

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *