هل نعيمة اقتبس مرداد عن نبي جبران؟
وفيق غريزي
بعض النقاد ومحبي جبران خليل جبران، اتهموا زورا وبهتانا ناسك الشخروب ميخايل نعيمة باقتباس فكرة كتابه “مرداد” عن كتاب “النبي” لجبران، بالاضافة الى اتهامه بالحملة على جبران في كتابه عنه. وهنا نسأل هل اقتبس نعيمة عن جبران؟ ام الحملة التي تعرض لها باطلة ومغرضة ونابعة من حقد طائفي دفين.
ومما لا شك فيه ان هذه الحملة ضد نعيمة بدأت مع ظهور كتاب نعيمة عن جبران، حيث كثرت الاقاويل التي تركزت على ان ناسك الشخروب قد تحامل على صديقه، ونقده بغية تحطيمه، ليحتل مكانة، وكأن جبران نبيا معصوما عن الخطأ، وهذه الامور كتب فيها الكثير الكثير، وهي في الحقيقة لا تستند الى اية قاعدة علمية اساسية، وبالتالي فهذه الحملة تساق ايضا على كتابي “النبي” لجبران و”مرداد” لنعيمة. الكتابان مختلفان جدا من حيث التركيب والتصور والخيال، اما ان يكون نعيمة قد سرق او اقتبس الفكرة عن جبران، فهذا تجن وغير منطقي… لا، نعيمة الاديب والمفكر الكبير ليس بحاجة الى الاقتباس عن احد، كما اقتبس جبران عن الشاعر وليم بليك والفيلسوف فريدريك نيتشه، ولقد اثبت نعيمة في مؤلفاته انه قادر، واوتي من العبقرية ما يجعله يستغني عن الاقتباس فكيف بالسرقة؟ والقضية الاساسية ليست قضية اقتباس فكرة مرداد عن النبي، بل هي ان الكتابين ينبثقان من تراث عريق في هذه المنطقة، الذي يمكن ان نسميه التراث العربي -الابراهيمي، هذا التراث يرتكز على فكرة نبي وكتاب في الاساس، وخير دليل ان نبي جبران مقتبس اسلوبا ومضمونا من الكتاب المقدس – العهد الجديد. ولكن جبران ونعيمة كلاهما ابناء تراث يرتكز على فكرة نبي مرسل وكتاب، كما سبق ذكر ذلك، منذ ادم عليه السلام، وهذه الفكرة موجودة، فاذا اقتبسا او اعتمدا هذه الفكرة فلا يكونان سارقين او مقتبسين، بل يكونان ابني هذا التراث البارين، ولكن في التدقيق نجد ان ثمة اختلافات جوهرية بين نبي جبران ومرداد نعيمة.
التقاطع بين “مرداد” و”النبي”
نبي جبران في اطاره المكاني، هو رجل كان في مدينة ما تخيلها جبران اسمها: “اورفليس”، ولعل جبران رمز في هذه المدينة الى عالم الزمان والمكان، وعندما رأى هذا النبي سفينته مقبلة من البعيد لتنقله الى ارض اجداده، اي لتعيده الى عالم المطلق، الى العالم الآخر، استغل اهالي المدينة تلك الفرصة ليقولوا له: “اعطنا زبدة حكمتك قبل ان نرحل”. فوقف النبي في ساحة المدينة واجاب على اسئلتهم التي تبلغ حوالي ستة وعشرين موضوعا، فالنبي اذا، هو سلسلة من الاقوال التي يدلي بها النبي المصطفى، وبعد ذّلك يسافر.
اما “مرداد” فتركيبته مغايرة لذلك. وهو ينقسم الى قسمين. الاول حكاية كتاب، وهو كتاب عن رجل في سفح جبل يقال له، عن دير ما، وعن راهب ما، وعن كتاب ما، على القمة، فيسعى هذا الرجل الى القمة، بغية اكتشاف السر، ونعيمة يرمز في ذلك الى الحقيقة، وسعي الانسان اليها، وكان بين الانسان والحقيقة منحدرا طويل لابد من اجتيازه.
ويصور نعيمة هذاالمنحدر لانه منحدر الصوان، يتألف من فتات صخر كالابر، وتصور حكاية الكتاب المغامرات والاحداث والمآسي التي واجهها هذا المتسلق في طريقه، الى ان وصل بعد غيبوبة. في هذه الحكاية نفس ملحمي هائل، يمكن ان يوضع في مصاف الملاحم الكبرى في العالم، فهي على غرار كتاب “منطق الطير”.
انه يبلغ القمة ويهوي بالكتاب الى اسفل ليبدأ القسم الثاني، حيث اتى هذا الانسان بالحقيقة الى الناس، واذ نقرأ الكتاب نجد ان زبدة تعاليم مرداد، الذي كان في هذا الدير الاسطوري، اي زبدة محاوراته مع مريديه وهم سبعة – عدو مقدس، وقد دوّن المحاورات احد هؤلاء الحواريين واسمه “ناروندا”. الكتاب يحتوي على خلاصة قناعات نعيمة في ما يتعلق بالحقيقة وبالخير والشر، وبالحياة والموت، وبالزمن، وبالذات الصغرى والذات الكبرى.
واذا استعرض المرء هذا الكتاب يرى ان تركيبه مختلف عن كتاب النبي، كما انه يختلف من حيث المضمون. واللقاء يبقى ليس بين الكتابين، بل بين قناعات نعيمة وقناعات جبران، لان مصدر هذه القناعات واحد، هو التراث العربي – الابراهيمي. والفرق بين الاثنين يقول الدكتور الصديق نديم نعيمة (ابن شقيق مخاييل نعيمة): “إن نعيمة تجسيدي، يعني انه يصب ادبه بشكل رواية، او بشكل رمز او اسطورة. اما جبران فأسلوبه عكس ذلك، بل هو تجريدي لفظي، شعري، يعتمد اللفظة الشعرية اكثر مما يعتمد التشخيص، شخصيات نعيمة تستقل عن الكاتب، في حين لا نرى شخصيات في ادب جبران، واذا رأينا شخصيات في الادب الجبراني، فهي شخصيات كلامية وليست تجسيدية”.
اللااكتمال والاكتمال
وثمة نقطة ثانية، تفصل بين نعيمة وجبران، حيثما يتسنى لجبران أن يكتمل فكريا، في حين تسنى لنعيمة ذلك واكمل دورته. لدى جبران نجد تطورا في فكره، وهو شاعر حساس – رومنطيقي، يكتسي ادبه بالثورة على الاقطاع ورجال الاكليروس والتركيز على العودة الى المسيحية البكر، او الى المسيحية الرعوية الخالصة، اي الى المسيح خارج الكنيسة، والى الانجيل خارج اللاهوت، اي انه يثور على مجتمع اساء اليه في حياته اليومية، سواء المجتمع الكنسي بسبب فهمه الخاطىء للمسيحية، ويتطور جبران في النبي ويحاول ان يعطي مسيحا جديدا على غرار نيتشه الذي يعطي مسيحا بديلا هو “الانسان الاعلى” يقدم للناس مسيحه كما فهمه هو. ونعيمة قبل النبي كان قد بدأ يقترب من هذه القناعة خاصة في كتابه “مذكرات الارقش” حيث يبدو في هذا الكتاب ان الانسان عالق بين ذاتين له، “الانا الصغرى والانا الكبرى”.
واستمر نعيمة في تطوير فكرته هذه، وسجلوها مرحلة بعد مرحلة حتى وصلت الى كمالها في مرداد، الذي استطاع ان يتسلق من مقتضيات الزمان والمكان الى المطلق. وفي كتاب”الهة الارض”، الذي كتبه جبران بعد النبي، بدا وكأنه على عتبة تحول جديد، فلو اتيح له ان يحيا على قدر ما عاش نعيمة لكنا ادركنا الى اين سيقوده هذا التحؤل.
اما نعيمة ففي سياق تطوره الفكري وجدناه سائرا في طريق زيادة الايضاح لرؤية استمرت معه حتى النهاية. وانما الاختلاف الذي نراه ظاهرا بين مرحلة واخرى، هو فقط في درجة الوضوح في النضج الفني -في اتساع وشمول الرؤية، وليس التحؤل من قناعة الى اخرى. (https://www.beyondbeaute.com/)
وفي النهاية، فان كل الاتهامات التي وجًهت الى ناسك الشخروب هي باطلة، فمكانة نعيمة في الذروة، وليست في المكان الذي يحدده المتعصبون دينيا وطائفيا، وشاء هؤلاء ام لا، فان نسيج عبقرية نعيمة نادر الوجود…



