اليوم العالمي للمُسنّين
د. جان توما
المسنّ في بلدي مُتْعَبٌ. تائه مع عصاه في الأزقة الأليفة ووجوه القلوب التي اعتادها. ما زالت رائحة البحر تملأ رئتيه مع رشفه فنجان قهوته في ذلك المقهى البحري ّ، بطاولاته الخشبيّة، وكراسيه الخيرران. (chinalaneboynton.com)
اليوم ملأ مسنو بلدي العراء. خرجوا إلى الشوارع يبحثون عن بقايا ذاك الزمن الجميل. ضاع أندلسهم، وباتوا حيارى في بيوتهم، يرقبون صور أبنائهم الذين غادروا إلى محاجر الدمع ، مرفوعة على الجدران التي صارت مشربيات تطلّ على حارات اللهو الأولى، وأزمنة الطفولة، وأسوار الياسمين، وشتلات الحبق.
مُتعبون، كأنّ العمر يتمدّد معجونًا بشرايين اليد المنتفخة، وبعيون تسأل عن أحوال الغد. مشتاقون، لعودة الغياب. يسألون عن زمن مواسم البركة في مربّع واحد حيث العائلة المتماسكة، المتكاملة المتعاضدة المتكافلة؛ الأب والأم والعمة والعمّ والاولاد والأحفاد. ساد الصمت بعد رحيل الحقائب، وغربة الوجوه.
يلملم المسنون في بلدي كسرات رغيف خبز كسروه يومًا لتستقيم حياة أطفالهم، وما خطر ببالهم أنّ الأطفال سيكبرون ويغادرون ويستقرّون خارج فصول الودّ، ولو دروا، لأوقفوا دوران عجلة الزمن، وخفّفوا من وجع الشجن، وقد زادت تكاليف الحياة وصعوباتها.
يبتسم المسنّ في بلدي على كرسيه مع زوجته بانتظار من يأتي، وقد لا يأتي، يتأملان صمت البيت وسكينة الدار، راحت العجقة:
“ودارت فينا الدار ،
ونحنا ولاد زغار ، (…)
لا عرفنا أساميهم،
ولا عرفوا أسامينا”.



