الاستعمال الإبداعي للضمير الأنثوي في مجموعة “لغة الأمواج” للعراقية نور الدليمي
إبراهيم رسول
الاستعمالُ الإبداعي هو التوظيف الإبداعي للغةِ التي هي تتجاوز وظيفتها العاديّة إلى وظيفة جمالية الاستعمالُ الإبداعي هو التوظيف الإبداعي للغةِ التي هي تتجاوز وظيفتها العاديّة إلى وظيفة جمالية إبداعية، وتأخذ الشاعرة في الاستعمال التوظيف النوّعي والإيجابي للأنا الأنثويّة التي تستحضرها وجودًا ديناميكيًا، والديناميكية تعني الحرّكية التي تُعطي للنّص الديمومة والبقاء والتطوّر، فالديناميكية في النّص هي إسباغ أرواح كثيرة على روحهِ الحقيقية فيبدو النّص مجددًّا ذاته في كُلِّ قراءةٍ.
والاستعمال هو النقلُ من وظيفة مباشرة إلى وظيفة غير مباشرة، الأولى تستعمل اللغة بصورةٍ طبيعية والثانية تستعمل اللغة بصورة حرّكية، والفرق بين الأولى والثانية هي الفرقُ بين الكلام العاديّ والشِّعر! فالشِّعرُ هو كلام الكلام، فليس كلّ الكلام شعرًا ولكن كل الشِّعر كلام، هنا في هذه المجموعة، بدايةً من العنوان، تستعمل الشاعر نور أحمد الدليمي اللغة استعمالًا يتجاوز العاديّ إلى الإبداعيّ، من المباشرة إلى غير المباشرة، من المستهلك إلى الباقيّ، من الحياة الطبيعية إلى الحياة المُجددة ذاتها بذاتها، هذا الاستعمال ليسَ اعتباطيًا بلْ يتفق والوعيّ الشّعريّ الذي تمتلكه الشاعرة، هذه المجموعة التي عنونتها بالعنوان الذي يحمل فعل الحضور الأنثوّيّ في داخله هو العنوان المُعبّر عن شخصيةِ المُبدعة. لغة الأمواج المجموعة الصادرة عن دار العرب للنشر والتوزيع بطبعتها الأولى في سنة 2020، تُوظف الشّاعرة لغة الأنّثى عبر ضمير الأنا، الذي تبدأ به من عتبة الإهداء كأنّها تُعطيه الإيحاء بالحضور الفاعل وليسَ الوجود العاديّ!
تقولُ في الإهداء: هذه أنا، إلى أنايَ وحدها. (المجموعة: عتبة الإهداء)، هنا لا تُشرك معها أناها أيّ أنا أخرى غيرها، وضمير “هذي” بياء المتكلم إشارة بديعة ورائعة في التعبّير الأكثر جمالًا وفاعليةً من التعبير بالضمير “هذه”، الذي يُشير إلى العموم من الأنوات الأنثوية، بلْ هنا هي تستعمل الياء استعمالًا غير نمطي، فتقول أنا وحدي، أنا المميزة، أنا التي لا يشترك معي أيّ أحدٍ! هذا الاستعمال كسر النمطية، إذ عادة ما تستعمل الشاعرة العربية صفة الكلّ لتعبّر عن الجزء والشاعرة نور الدليمي تستعمل المفرد لتعبّر عن الجميع، فهي هنا ليست نور وحدها بل هي كلّ امرأة حرّة تُثبت ذاتها ثبوتًا فعليًا وليس وجودًا هامشيًّا في الحياة الواقعيّة، وهذه الإشارة هي لإبراز الضمير بصوتٍ عالٍ، وتمّدها لغتها الأنثى بهذه الوظيفة التي تتجاوز بها المألوف المستهلك إلى اللامألوف الإبداعي. الشاعرة في عتبة الإهداء ليست وحدها هنا، بلْ النساء عامة.

الأنثى التي خلقها الوعي الشّعريّ
اللغةُ التي تستعملها الشاعرة نور الدليمي هنا هي لغتها التي تنطقها بصوتٍ عالٍ، كأنّ تُريد أنْ تقول وتُشير إلى كيانها عامة وكينونتها خاصّة، هذا الاستعمال والحضور الفعليّ للضمير يؤكد أنّ هذه الأنّثى تفعّل أناها بصورةٍ مهيمنة في كلّ المجموعة، هذه الشخصيّة القوّية المتمكنة هي الأنثى التي خلقها الوعي الشّعريّ، فالوعيّ الشّعريُّ عند نور أحمد الدليمي أبرز الأنثى بالصورة الكاملة غير المنقوصة فهذه الأنثى في حالةٍ قويةٍ فاعلة مؤثرة، فالهدوء الذي يسبق الإعصار كما تقوله في قصيدتها “تنغيمات أنثى البحر”، هي تُصدّرُ ذاتها كأنّثى صادرة عن والاستعمالُ الذي تستخدمه الشاعرة نور في هذه المجموعة هو الضمير الأنثوي، في تُصدر أهمية كبيرة لهذا الضمير وهي تعبّر عن المجتمع كلّه من خلالهِ، في قصيدة “ذلك هو الطريق”، تستعملُ مفرداتٍ ذكورية في مبناها، إلا أنّ معانيها تدلّ على أنوثتها، هذه الاستعمالات التي تُجيد صوغها وإطلاقها على دِلالات حيّة، فتقول:
تعال وفكّ عن جسدي اعترابي
فمهما درت.. بعدك لا أطيقُ
أنا الحبّ المضيع في المنافي
فخذني أرتجيك ولا أفيق
أنا الطير الذي قد ضاع عشّي
فعاد مكبّلًا وهو الطليقُ
لاحظ كيف تتلاعب الشاعرة بالمعانيّ والدِلالات، فالشطر الأوّل الذي تقول فيه “أنا الطير الذي قد ضاع عشي” يتقاطع والشطر الثاني الذي يجيء وهو مقيد بقيود كأنّه أسيرٌ! فالطيرُ التي تطير بعد ضياع عشها هي طيرٌ تائهة هائمة غير مستقرّة لا تعرف قرار، هنا تشبيهٌ بديع، هي تشبّه نفسها بالطير الذي إن ضاع بيته فهو سيرجع مكبلا بالقيود التي ترجعه إلى حيث كان، هنا يبدو الضمير غير ما جرت عليه العادة، فالحرّيةُ ضد نوّعيٌ للقيد، فالشاعرة في بيتٍ واحدٍ تجمعها وتُشير إلى معنى آخر من معانيها التي تُكثر منها.

الفرق بين “الدهشتين”
الشّعرُ الأنثوي يسير بحقول متنوّعة، المميزُ في هذه المجموعة أنّها لا تُحاول إثبات أنثويتها عبر أبيات شعريةٍ كما تفعل الكثيرات من الشاعرات وكأنّ الشّعرَ لديهنّ محاولة لإثبات حضورهنّ أمام حضور الرّجل، بلْ تبدو نور الدليمي تعيش قناعة واستقرارا ثابتين في نفسيتها، فهي شاعرة لا تحاول إثبات حضورها بلْ هي في وارد إثبات فاعليتها في الحياة، فالمجموعةُ كلّها تعملُ بفاعليةٍ أنثويةٍ واضحةٍ.
تتميز هذه الموضوعات الرئيسة في المجموعة هي موضوعات أنثى واثقة الخطى من فاعلية حضورها، لهذا تجيء الأبيات منسجمة مع الثيمة التي تُعبّر عنها في أبياتها.
عيّ أنثويٍّ خاصٍّ، فالهدوءُ يضمر الإعصار في داخلهِ.
الشّعرُ ما لمْ يكنْ دهشة لا يُعد شعرًا! كما الفلسفة! إلا أنّ الفرقَ بين الدهشتين يكون بأنّ الشعر دهشته جمالية عاطفية أما الدهشة الفلسفية فهي دهشة عقلية، فروح الشّعر هي بدهشتهِ الجمالية التي يُثيرها في المتلقي أيًا كان وعي وثقافة وتلقي هذا المتلقي، وما تلمسه في الاستعمال الإبداعي أنّه يجبُ أنْ يتصفَ بهذه الصفة “الدهشة الجمالية” لهذا في قراءتنا لمجموعة “لغة الأمواج” نجد أنَّ فكرةَ الدّهشة الجمالية تجلّت كثيرًا في الاشتغال غير العادي للاستعمال اللغوي الخاصّ بـ”أنا” الشاعرة، فالضميرُ الذاتيّ تستعمله باستعمالات متعددة وكلّها تصبُ في المصبّ العام لنهر الشّعر الكبير، فمثلًا، تفرِّق الشاعرة وتمّيز بين دِلالة المفردتين اللتين لها معنى غير متشابه، فكلمة العطش غير الظمأ ! لأنَّ العطش قدْ يكون أوّل الحاجة لشرب الماء بينما الظمأ لا يكون إلا بعد الهلاك الشديد والحاجة الماسّة للماء! أي بعد أنْ يصل الحالة إلى الهلاك، لهذا هي تنظرُ للحبّ من المنظور غير العاديّ فالحبُّ يليقُ به أنْ يكونَ أعمق من المعنى السطحي، لهذا تجيء مفردتها متناسبة والمحلّ الإبداعي الذي تشتغلُ عليه، فهي تصوّرُ الفكرة الشعرية تصويرًا بديعًا حيث تقول:
إني أُحبّكَ حتى لا أرى بشرًا
إلاك أنتَ وأنتَ الحبّ للِظامي
فالمفردة واضحةُ المعنّى أنّ غير المعنى القريب، ومفردة العطش لو جاءت هنا لدلّت على فكرة عادية لا شعريةَ فيها، إلا أنّ انتقاء مفردة “الظامي” أكثر شاعرية منها وأبلغ في التوظيف الإبداعي للمفردة.
وتستعملُ الشاعرة صفة البرود على الأنّثى وتجعل الحرارة للرجلِ، فأنت تقرأ في هذه الصفة العِفة والحياء التي هي خير صفات الأنثى وشر صفات الرجل، فالشاعرة تقرّ بالاختلاف بين الرجل والمرأة في الصفات، وتعطي لكلٍّ منهما الصفة التي تتناسب معه من منظورٍ دينيّ أو حتَّة اجتماعيٍّ ونفسيٍّ، فهي تقول مثلًا:
أنا كُلّ البرودِ بكلِّ وقتٍ
وإني الثلجُ لا يُغرى بهمسِ
هذا البيت البديع يدلُ على ديمومة الظهور بمظهر العفاف الذي يُزيّن الأنثى فهي على الدوام عفيفة، التي لا يُغريها الهمس الذي يأتيها من حرارة الرجل، فهي كالثلج، هذا الاستعمال البليغ يدلّ على كبر نفس وعظمة قلب وشرف سريرة وأنوثة محتشمة، هذا الوقارُ الذي تفرضه على ذاتها يجعلها في منزلة النجمة التي يجب أن يسمو الرجل حتَّى يقترب منها، فاستعمالُ الضمير “أنا، إني” هو استعمالٌ جيّدٌ لإثبات الهُوية الشخصيّة للمرأة، وهُوية تبدو بهذه الهيئة أكرم بها من هُوية! وتقول في بيتٍ آخر:
فدعكَ من التفننِ لاقتناصي
فإني بالتخلفِ عشْتُ درسي

فلسفة العِفة والنضج المعرّفي
هنا تصرُّ الدليمي على إعطاء الصفة التامّة لذاتها الملتزمة، كأنّها تقولُ للناقدِ لها إنّها تحتفظً بأصالتها التي قدْ يعدها الآخر تخلفًا فهي قدْ تعلمت الدرس من هذا التخلّف وصارت تعي دروس الحياة، وتبدو أمارات النضج المعرّفي في الصورة التي ترسمها للمرأة. وتعتمد شاعرتنا على قاموسها اللغوي لتقول ما تعتقد وتؤمن به، فهي حرّةٌ جريئة بقول رؤيتها في المرأة ككيان إنساني يمثلُ المجتمع كلّه بلْ قلْ الحياة كلّها.
إنّ الحُبَّ يريدُ الحرارة بالمشاعر ولكن ثوب العِفة أولى بأنْ يُصان، هنا تأخذنا الشاعرة إلى خطابٍ عقلانيٍ بقالبٍ شعريٍّ، فأنت تأخذ فلسفة العِفة أو قلْ الستر من هذا البيت وتستطيع أنْ تُكثر من قراءة البيت مرّات متتالية وفي كلِّ مرّة ستقرأ البيت بوجهٍ قابلٍ للتأويل هو الآخر أيضًّا، هذه الصورة الشعرية هي نتيجة الشعور بأهمية الثيمة التي تُريد إيصالها والتعبير عنها شعرًا، فالشعرُ شعورٌ حيٌّ يجيءُ في حالاتٍ كثيرةٍ بصورةٍ تجعله يملك حيوات كثيرة لا حياةَ واحدة فحسب. وهذا البيت من الأبيات التي تنفتح على أبواب كثيرة من وجوه القراءات التي تقبل التأويل.
الاستعمالُ الإبداعيُّ هو الاستعمالُ غير العادي للغة، لأنَّ لغةَ الشّعرِ غير اللغة العادية، فالكلامُ العادي يستعمله الناس غي معاملاتهم وأحاديثهم أما الحديث غير العادي فهو الاستعمال البلاغي الذي يمارسه الشعراءَ في أبياتهم، والاستعمال هو في صورةٍ من صورهِ: إعطاء وظيفة للكلمة غير الوظيفة المُباشرة، وهنا يسمّى هذا الاستعمال أنّه استعمالٌ إبداعيٌّ وهو أرقى من الكلام العاديّ المباشر.
تستخدم الدليمي في أبياتها الّلغة بشعريةٍ عالية وبصوتٍ تستشعره في قراءاتكِ لأبياتها، هي شاعرةٌ تشتغلُ على توظيف معانيها مفردات تنسجم والصورة التي تجيءُ بها، قدْ تجاوز الشعر مرحلة الفصاحة التي هي شيءٌ طبيعي أما شرط البلاغة فهو الشرط الواجب تحققه في الشّعر وإلا لا يكون شعرًا!
القراءةُ العامّةُ لمجموعة لغة الأمواج يخلص القارئ من خلالها أنّ هذه العيّنة الشعرية هي عينةٌ من العيّنات الشّعرية المُعاصرة من حيث لغتها وثيمتها، وثمة ناحية تميّز اللغة بأنّها تهتم بقضايا مُعاصرة وهي ميزةٌ جيّدةٌ في الشّعرِ أنّها انشغالَ بالواقعِ المُعاصر وقضاياه الرّاهنة، وتلمسُ في المجموعة صوت الأنثى يُعبّر عن أنا الأنثى وتستعمل الشاعرة نور الضمير وتُكثر منه في أبياتها كثرة مفرّطة كأنّها تتعمدُ إسباغ الضمير وتوظيفه بالصورة غير المُستهلكة وغير المألوفة الاستعمال.
هذه العيّنة الشعريةُ المُنسجمة وخطاب العصرنة الذي نمرّ به، فاللغةُ تقول الإنسان، ولمّا كانت لغة الأمواج عينة للشاعرة نور أحمد الدليمي فإنّها تقولُ الإنسانة نور بقضاياه الرّاهنة التي تُعبّر من خلالها شعرًا عال المستوى والتركيب والصياغة.



