الشاعر محمد الفيتوري : ثائراً متشحًا برصاص الخيانة
وفيق غريزي
شاعر تسيل من عروقه الحارة دماء هذه الامة ، وحمل في أعماقه توهج القارة الأفريقية بكل معاناتها وعذاباتها ، فانسكبت حروفا صارخة مضيئة في سراديب التاريخ الإنساني المعاصر . انه الشاعر السوداني محمد الفيتوري ، الذي تسكنه الطفولة بكل براءتها وشغبها وشيطنتها .
هذا الإنسان المبدع الذي عرفته بيروت في عز مجدها وانكساراتها ، في أفراحها وأحزانها ، فانطبعت صورة مشعة في كيانه ، في ذاكرته ، في قصايده وأشعاره ، بيروت المستيقظة من قلب الركام . الشعر لديه طاقة ابداعية قد تكون طريقا لتجسيد الحلم والامال . يصف نفسه في هذه الابيات:
” فقير …فوجه كاني به
دخان تكثف ثم التحم
وعينان فيه كارجوحتين
مثقلة بريح الالم
وآنف تحدر ثم ارتمى
فبان كمقبرة لم تتم
ومن تحتها شفةضخمة
بدائية قلما تبتسم
وقامته لصقت بالتراب
وان سخرت روحه بالقمم “.
هذا هو الشاعر السوداني الكبير محمد الفيتوري بقلمه . لقد رسم هذه الصورة لنفسه في بداية خمسينات القرن الماضي ، وبالتحديد في ديوانه الاول ” اغاني أفريقيا ” بعدما تمكن من الخروج عن ذاته وتحطيم القيود الجاثمة على روحه باعترافه علنا . ولد هذا الشاعر في القارة الإفريقية عام 1936 في مدينة ( الجنينة ) عاصما المساليت الواقعة في غرب السودان ، الوالد صوفي ليبي عبر بوابة الشمال الأفريقي بعدما أرغمته ظروف القهر الفاشي على مغادرة بلدته ( زليتين ) . والصوفيون هم هم وكما كانوا قديما في بلاد الله الواسعة ، فليس في شرعهم شيء اثمن من الله والحرية .
لقد دب الوعي في وجدان الطفل محمد الفيتوري عندما بداً يدرك معنى بعض الكلمات التي كان يرددهاوالده ليلا مع زواره . فقد كان والده مفتاح رجب الشيخي الفيتوري خليفة من خلفاء الطريقة العروسية الشاذليةالاسمرية، كان الولد قاسيا في تربيته ، ويريد لابنه الوحيد ان يكون مثله خادما لله، وقد رافقت هذه الصورة محمد عندما بدأ يذهب إلى مدرسة مكارم الاخلاق الاولية ، في الإسكندرية في مصر ، ليحفظ القران الكريم . في المدرسة كان رفاقه ينظرون اليه بغرابة ، وأقدم بعضهم على التحرش به والتعالي عليه . وزحفت الى ذهن الطفل كلمات كانت ترددها جدته وأمه ، وعندما ارتفع الى معنى التمييز بين الالوان ، ولم يعد مع هذه الافكار يلعب ويمرح،بل اقتضبت طفولته اقتضابا في كثير من القسر وفي الكثير من التفكير بالنفس . بعد الحرب العالمية الثانية سافر مجددا إلى الإسكندرية، وتابع دراسته في المعهد الابتدائي حتى العام 1947 , ثم التحق لمدة سنتين بالعهد الديني ا التابع للأزهر ، واخيرًا انتسب إلى الأزهر الشريف في القاهرة العام 1953.

نزعته التمردية :
كان تمرد الفيتوري الاول على واقعه في محاولة للخلاص وتحقيق الذات ، ولكن كان ذلك امرا صعبا لانه كان يريد في الوقت نفسه الحصول على هويته الحقيقية ، يريد ان يعرف جذوره وأصوله ومنابته ، هل هو سوداني ام ليبي ام مصري ، ومر هذا الشاعر في مراحل شعرية ثلاث يتحكم فيها تطوره
” الوحشي الراءع التمدن ” وفي هذه المراحل كان يبحث عن امراة تحبه اكثر من غيرها يجدد فيها نفسه ، وبالتالي شعره ، يبحث عنها برجاء وغصة وحرقة فيقول :
” يا ليتي راع عتيق الرواء
ذو عصا، مشفوفة بالية
شرابه من دمعة الساقية
وقوتهم مهجة الدالية
يسوق للغابات أغنامه
وروحه كروحها صافية
راع له صاحبة ترتجي عودته
في الليلة الشاتية “.
لم يكن يستهدف ان يكون شاعرا ، فقد حاول في طفولته ان يبحث عن ذاته ، وعن شخصيته ، ويحاول ان يجد لنفسه طريقا في هذا الكون . حاول ان يرسم لكنه فشل ،لم يستطع ان يرسم اكثر من ورده وفشل حتى في رسم وردة ، لم يتطور معها فتذمر ، وحاول ان يغني وفشل ايضا ، حاول ان يقراً القران مجودا اذ كان يتمتع بصوت جميل ، وكان مرشحا ليكون احد مقرئي القران ، فبعد ان حفظ القران قرا علم التجويد وكان يقراً القران بصوت يبكي بعض الناس ، لكن والده وقف ضد استمراره في هذا الطريق ، لانه كان يريده احد كبار علماء الدين في الأزهر، ورغم عذوبة صوته وتأثيره في سامعيه ، لم يستمر في ذلك الطريق ، كما كتب القصة ، وفي بدايات حياته الادبية نشر في جريدة ( الجمهورية ) القاهرية اربع قصص ، وكان انذاك يعمل محررا في الجريدة نفسها عام 1956 ، ولكنه اكتشف انه لم يخلق ليكون روائيا او قصصيا . لقد خلق ليختصر الاشياء ، ليوجزها، ليكثفها ليكون شاعرا . القصيدة بالنسبة اليه هي عجينة المثال وألوان الرسام، هي جزء إيقاعه هو وروًيته الخاصة ، وذاتيته الخاصة التي هي ضمن دايرة كبيرة . هي هذا المجتمع . ويظن انه نجح بعض الشيء كشاعر . ان الشعر موهبة وهي اساس جوهري لقيام حياة فنية بالنسبة إلى الشاعر ، موهبته عبرت عن ذاتيته كأنسان.
كان لتجربته في الحياة تاثير كبير على شعره ، وقد تكون تجربة الشاعر وتفسيرها وتحليلها مرجعا مهما لفهم شعره . ولهذا ، لا يمكن فصل تجربته كأنسان عن تجربته كشاعر ….
ان تجربته كشاعر هي انعكاس حقيقي لتجربته كانسان ، ولا يستطيع ان يفصل بين شعره وشخصيته ، وهو ابن الأبوين المغتربين في الإسكندرية، والذي حفظ القران ، وترصد خطى ابيه وهو طفل لكي يكون شيخا من شيوخ الدين ، ثم ينتقل من الإسكندرية إلى القاهرة ويدخل الأزهر ، ويلتحق بكلية العلوم ، ثم يعمل في الصحافة المصرية ، ثم ينتقل إلى السودان ويمارس العمل الصحافي هناك ، بعدها يدخل في تجارب إنسانية عدة ، سياسية وعاطفية ، كل هذا منعكس على لوحةاخرى هي لوحة الشاعر.
وقد ارادت الأقدار ان تحدد خطواته ، ليكون ذلك الذي يرسم بالكلمة ، والا يكون له في هذا الكون ، إلا كلمة تبقى من بعده او لا تبقى ، الكلمة صوته وحياته ومستقبله.

البحث عن المرأة :
خلال مراحله الشعرية كان محمد الفيتوري يبحث عن المرأة ، عن امراة تحبه ، من اجل تجديد ذاته من خلالها ، فهل عثر على هذه المرأة ؟ربما خيًل إليه دوما انه وجد تلك المرأة ، ثم يكتشف انها ليست هي ، ولعل التجارب الكثير في حياته العاطفية ، وهي العاطفة المجردة ، ولعل هذا التفاعل الذي يحدث ما بينه وبين روح اخرى وانسانة ما ، لم يحدث مثلما حدث لانسانة هي الان في أشعاره ، وفي ذكرياته وفي احلامه . كتب لها ، ولا يعنيه ان يكون قد كتب لها قصيدة او اكثر ، لكنه يحس انها هي التي جسدت ضمن كيانها نساء أخريات سبقتها . ولذلك حتى هذه اللحظةتبقى صورتها ، وشخصيتها ، وتاثيراتهافي مكان ما من اشعاره ، في مكان ما من حزنه ، في مكان ما من روًياه الانسانية ، وايضاً، ربما يكون قد أشار إلى شيء من ذلك في قصيدة له عندما يقول :
“عشقي ، يفني عشقي ، وفنائي استغراق “.
هذا التفسير او هذا الإيجاز في هذا البيت الشعري هو ان عشقه لم يتغير يوما لكنه يتبلور ، لا ينطفىء أبدا ، لكنه يضيء في مكان آخر ، انه في داخله هو الذي يعشق ولا يهمه ان يكون معشوقا ،لذلك ، ربما كان من الأصل ان يجيب ، ان تلك المرأة التي يرسمها في خياله ، والتي يصنعها في وجدانه هي امراة واحدة ، ربما تكررت في وجوه مختلفة ، وربما تجسدت في نساء كثيرات ، لكنها امراة واحدة تملي عليه سلوكه الإنساني ،
لو غصنا في داخل ذات هذا الشاعر لوجدنا ان تلك المرأة هي ذات علاقة وثيقة بتاريخه النفسي والإنساني وطفولته ،لذلك ليست لها ملامح محددة ، لكن شخصيتها تتغير باستمرار لانها امراة في الداخل ، امراة تعبر عن انعكاس الحياةعلى روحه ، تعبر عن شخصيته المندمجة مع شخصيتها اكثر فأكثر باتساع الافق . في حقيقتها هي الارض ، وربما كانت في حقيقتهاايضا ، هي تلك المرأة العجوز التي نشاًيوما بين ذراعيها ، وهي جدته ، التي تمثلت في قصايد اخرى عن امتنا العربية، والتي تتمثل في عواطفه وانفعالاته ،
في وهجه وانطفاءاته، في علاقاته مع الآخرين ، من هنا نستطيع ان نقول انها ليست امراةذات اللحم والدم التي قد نراها ، انها من صنعه هو ، من خيالاته هو ، من شخصيته هو ، ملامحها الحقيقية لا نستطيع تصويرها ، ربما كانت نموذجا مثاليا خرافيا ، لانستطيع تحديد ملامحه وإبعاده . هي الحرية التي يبحث عنها باستمرار ، هي جمال الأشياء التي يحاول دوما ان يفهمها ويتفاعل معها ، هي تلك القيم التي تسعى الانسانية نحو تركيزها وتكثيفها وقراءتها لتصبح للجميع .

محطات في حياة الفيتوري :
كما كان لمسيرته الشعرية محطات ثلاث كان في حياته العامةثلاث محطات : أفريقيا ، الامة العربية ، الشمولية الانسانية ، وكان لاجتياز هذه المحطات أسباب متعددة ، فهو ، اي محمد الفيتوري ، قد وجد نفسه في حياد منها ، فهو لا يقف عند محطة كما يقف القطار او عابر السبيل متفرجا ، انه كاين يخترق كائنات اخرى . فالوقفات التي قد تنعكس من خلال أشعاره او حتى مواقفه الانسانية مثل وقفته الطويلة في اطار قضايا القارة الأفريقية ، ووقفته الاخرى او عودته إلى إحساساته وشخصيته الحضارية من خلال تعاطفه وتفاعله واندماجه من جديد في قضايا الامة العربية ، التي هو جزء منها ، والشمولية هي حلم الشعراء والفنانين ، يحاولون تحقيقها في واقعهم الانساني ، وفي هذا الصدد يقول الفيتوري :” في اهتماماتي القديمة التي ما زلت اعيش على نمائها ، وهي القضية الأفريقية ، كنت انطلق من ذاتي اي من تاريخي الحضاري والنفسي ، من واقع عشته وتسلل في دمائي من آباء وأجداد عاشوا يوما ما “.
لقد رافق الفيتوري النهوض العربي ، وكان الصوت الثائر المتمرد ، وفي مرحلة الانهيارات العربية ، عمل في وظيفة رسمية في جامعة الدول العربية . ومن هذا المنطلق راًى ان الثقافة العربية تمر الان بازمة لان الواقع العربي يمر بازمة ، لان الامة العربية تمر بازمة ، لان بعض السياسة العربية ليست في المستوى المطلوب في هذه المرحلة ، وربما في مرحلة سبقت ، لذلك تمر الثقافة بازمة لانها تصور روحي لحركتنا الاجتماعية والانسانية ، الثقافة في راًي الفيتوري :” ليست معزولة عن الواقع ، فعندما تنعزل عن. الواقع تنكمش ، تنطوي ،تضمر مثلما هو حادث الان “. ورغم ذلك ، لايبدو هذا الشاعر متشائما ، لانه يوًمن بان امة مثل الامة العربية لا يمكن ان تموت ، العالم من حولنا سوف يتغير، وبالتأكيد سوف نجد او يجد القادمون فرصتهم لحياة افضل ومن ثم تعود ثقافتها إلى توهجها .

الشعراء والنقاد :
يقول الفيتوري :” ليس من حق اي ناقد ان يضمني او غيري ، شاعرا اوكاتبا او أديبا ، وليس بامكان هذا الناقد ان يضع كلا منا في مكانته او خانته ، وهذا عبث ،ستزول هذه المرحلة بل ما فيها من نقاد ومبدعين ، من محلقين ومقلدين ، من الذين يحلقون باجنحتهم والذين يزحفون على بطونهم ، ولن يستطيع ناقد في هذا العصر ان يقرر لشاعر او اديب او رسام مكانته في التاريخ ، سوف تقرر ذلك الاجيال القادمة “.
وللفيتوري اسلوب خاص به في التعامل مع النقد الموجه اليه ، حيث لا يعطيه اكثر مما يستحق سواء وقف بجانبه او انتقده بعنف ، ولا يعتقد الشاعر محمد الفيتوري انه يسيئه او يهدمه ، لكنه يعتقد ان ثمة وجهة نظر ، يجب إلا تكون في موضع رضي عنه ، انه يقراً النقد ثم يمضي عابرا ،انه يومن ان قصيدته هي موقفه ، وكتاباته هي نقده لنفسه ، شعره هو الصوت الحقيقي الذي يعبر عن ضعفه وقوته وصدقه . هناك دراسات نقدية ضخمة عن أعماله في لغات مختلفة ، لكنها لا تضيف جديدا اليه ، كان قديما في حاجة إلى النقد الذي ياخذ بيده ، اما اليوم ، فيحسب انه قادر على ان يقول كلمته من دون تاثر بالآخرين ، من دون ان يزعجه الرفض ، او يملاًه زهوالمدح والاهتمام المبالغ فيه ، قضيته لم تعد بايدي النقاد ، قضيته كشاعر له تجربته ، اصبحت تجربة صدقه وتفاعله او سلبيته تجاه ما يكتب في هذه المرحلة .
ومن الناحية الشكلية ، فالفيتوري جزء من الأوركسترا العربية في الشعر ، لكنه من الناحية المضمونية وضع بين يدي الشاعر العربي المعاصر جوهر قضية هي احدى قضاياه ، وهي قضية الانسان الاسود ، وهذا ما أضافه بالذات ، تفتيح عيون الشعراء على واقع عيونهم مغمضة عنه ، هذا الواقع هو إنسان ينتمي إلى هذه المنطقة وعوالمها المختلفة جزء منه ، هذا الانسان ما زال يبحث عن الديمقراطية وحقوقه المسلوبة .

هموم الشاعر:
للشاعر هموم مختلفة كونه شاعرا وإنسانا ، فما هي هموم محمد الفيتوري ؟ من ابرز همومه ، انه مزال يبحث عن طفولته الضايعة التي هي هو ، وعندما يمل البحث عنها يكف عن الحياة ، وطفولته الضايعة هي توهجه في الاشياء ، وهي انعكاس الاشياء بصدقها وعفويتها في كتاباته . وعندما يتوقف عن هذا البحث ، يعني ذلك انه فقد طفولته ، وفقد قدرته على التفعل العميق مع الآخرين ، لذلك ما زال طفلا وسيبقى طفلا ، ولا يكذب عندما يوكد ذلك الطفل الصغير الذي لم يكن قد تجاوز عمره الاربعة أعوام ، قبل ان يعرف الكتابة والقراءة ، وقبل ان يعرف الحياة من حوله ، هو الذي يتحرك في داخله الان ، بكل خوفه من الآخرين ، بكل رعبه وقلقه وطموحاته الشعرية ، وطموحاته المكسورة الأجنحة ، هو ذلك الطفل الان ، رغم تغير شخصيته الخارجية ، ورغم تغير موقعه الاجتماعي .
ان هم الفيتوري ان يكون له دور ما حقيقي في اعادة بناء الانسان ، الذي ” حاولت مع زملائي ان نرمم بداخله تلك الجراح ، تلك الثقوب .. تلك العيوب التي ينطوي عليها ، وحر ينحدر منذ الاف السنين،”
همه ايضا ان يكتب قصيدة لم يكتبها من قبل ، ان يقول كلمة لا تخشى احدا ، لا تعنى بغير الحقيقة ، ان يبني مع الآخرين الواقع الانساني الجديد. ولم يتوقف الشاعر الفيتوري عن كتابة الشعر إلا عندما توقفت حياته ، وهو يحسب باستمرار بانه لم يكتب بعد ما يجب ان يكتبه ، وان ثمة قضايا في الواقع الانساني ، وهو جزء منها ، بحاجة إلى من يقول كلمة فيها ، وهو يصبو إلى ان يقول هذه الكلمة…..




