قصة قصيرة / الفراغ
ديانا جورج حنّون
إنّها الثّالثة فجراً.
عيناي جاحظتان في السّقف لا ترمشان.
أحسسْتُ به يكاد يهوي عليّ ويزهق أنفاسي. أزحْتُ عنّي الّلحاف، قمْتُ من السّرير، وكأنّ ألف ثعبان لدغني. أشعلْتُ سيجارة، وارتفقْتُ على النّافذة. كادَتْ تقع من بين أناملي، وأنا أقرّبها من شفتيّ. إلتفتْتُ إلى سريري. إنّه ينام كطفل أخذ منه الّلعب كلّ مأخذ، وطابَتْ له ساعات الرّاحة، لا يدري من أمري شيئاً. بئس هذه الأيام.
مرّتْ ساعات الوحدة ثقيلة ومتعبة، جرفتْ معها دقائق السّعادة اليتيمة.

هذه الّليلة، ذكرى ليلة الحبّ الأولى، جاءَتْ مملّة، مضجرة، مقلقة، “باهتة”، لا لون لها ولا طعم. ثلاث سنوات مرَّتْ على عمرِ زواجنا. ماذا قدّم لي؟ للأسف، لا شيء سوى الفراغ. لمْ يفكّر به بكلمة، بهديّة، بوردة، أو بقبلة.
هلْ أحبّني وما زال؟
لِمَ يتجاهلني، ويتغاضى عن حاجاتي، ويسخر من أحلامي وأماني؟
أيّام طويلة بلياليها قضيْتُها وحيدة. كم أهملني!

أريدُ أنْ أوقظه، أنْ أهزّه بعنف، أنْ أصرخَ في وجهه، أنْ أصبَّ جام غضبي عليه. لِمَ هذه القسوة؟ إنّه يشعر بوجودي عندما يريد أنْ يأكلَ، أنْ يرتديَ ثياباً نظيفة، أنْ أنتظرَهُ عند عودته من سفره.
أنا عرفْتُهُ حبّاً، وهو أرادني أداة تلبّي رغباته.
أحببْتُه بصدق، وحاربْتُ أهلي من أجله. إنّ كلماته الرّقيقة السّاحرة، أخذت منّي العقل والقلب. آآآه، لمْ يدم “عسلنا” طويلاً. ضاعَتِ الكلمة الحلوة، وبرزَتِ الجارحة مخالبها. أصبح ينتقدني، ويلومني، ويحاسبني على كلمة قلْتُها، وعمل قمْتُ به، أو لمْ أفعل. أمّا إذا أردْتُ أنْ أشاركَه أفكاره، وأبدي رأياً في أمر ما، فيقول لي بتهكّم: “لا تشغلي رأسكِ الصّغير بهذه الأمور. أنا مَنْ يفكّر عنكِ”.
إحتلّ عمله المرتبة الأولى في حياته. نسي أنّني أنتظره في البيت، وأنا أعدّ الثّواني والدّقائق والسّاعات، وكم طالَتْ، وأصبحَتْ كليالي الوجع لا نهاية لها! بِتُّ حبيسة ذلك البيت الواسع كعصفور حُجِزَتْ عليه حرّيته في قفص.

لمْ أعدْ أتحمّل الإهمال، والحرمان، والذّوبان في شخصه، سليبة الإرادة والقرار.
رميٌتُ السّيجارة بعيداً، وقمْتُ عن النّافذة، وفكرة واحدة تضجّ في رأسي: الرّحيل. آن الأوان أنْ أكون لنفسي مرّة واحدة. سأتركُه، سأرمي ورائي كلّ القلق، واليأس، والوحدة، لا أسفاً على الأيّام الضّائعة طالما سأربح أيامي المقبلة. سأفكّ عنّي القيد الذي كبّل حياتي، وأحرّر نفسي.
إذا بقيْتُ يوماً آخرَ في بيته، سأُصابُ حتماً بالجنون.
النّور الحقيقيّ سينبلج بعد عتمة قاهرة، وسأتنفّسُ أخيراً بكلّ ارتياح.
بدّلْتُ ثيابي، وخرجْتُ من غرفة النّوم مبتسمة.
وخرقَ سكون الّليل ذاك الصّراخ.
صممْتُ أذنيّ، وتابعْتُ سيري نحو الباب.

وعلا الصّراخ وضجّ في أرجاء البيت. كأنّ الأرض اهتزّتْ من تحت قدميّ. أضعْتُ توازني، وكدْتُ أقعُ. خفق قلبي لصغيرتي، ابنة السّنتين، هرعْتُ إليها، حملْتُها بين ذراعيّ، وضممتُها إلى صدري، إلى قلبي المتألّم لأطمئنها.
– “يا امرأأأأة، أسكتييييها.”
سمعتُه، عضضْتُ على شفتيّ وبكيْتُ بصمت…



