سجلوا عندكم

أنطوان المدوّر: سهى حداد نعيمه طوبى لك يا ابنة الوفاء والإخلاص

Views: 780

كلمة أنطوان المدوّر  في حفلة توقيع كتابَيْ سهى نعيمه ( باللغة الانكليزيّة)، مركز عبدالله غانم الثقافي بسكنتا.

 

أيها الأعزاء،

يشرّفني  أن أقف اليوم وأتكلم على من كان يجب أن تكون جارتنا في يوم من الأيّام، وأشكر من أتاح لي هذه الفرصة لأعبّر فيها عن شعورَين يحتلجانني منذ مدّة، وسأفصح عنهما اليوم:

الشعور الأول:

شعور الندم والأسف لأنني أضعت فرصة ثمينة في حياتي لن تُعوَّض، وهي فرصة لقاء أديبنا الكبير ميخائيل نعيمه، وهو الذي ضجّ به العالم.

والشعور الثاني:

شعور الفرح أنني أحاول من خلال الصديقة سهى أن أعوّض ما فاتني مَع الأديب، وأحاول أن أسترجعَ مرحلة، كان يمكنُ لي أن أكون فيها قريبًا منه، ومعاشِرًا له.

معرفتي بسهى منذ زمن بعيد، ولكنها ليست ببعيدة.

منذ زمن بعيد، لأنني منذ انتشار الفايسبوك حتى الساعة، وأنا اقرأ يوميًّا مقاطعَ وأخبارًا وقصصًا عن الأديب والمفكر ميخائيل نعيمه، إنّما على لسان سهى حداد نعيمه.

فمنذ ذلك الحين تعرّفت إليها عبر تعليقات من خلال الفايسبوك، وبدأ الشوق ينمو في داخلي لمعرفتها شخصيًا، الى أن دعتني يومًا الى زيارة الميماسونا في المطيلب. ومنذ الزيارة الأولى لذلك المتحف الرائع، لذلك المنزل المتواضع الذي تحول كل غرض فيه إلى تاريخ رجل عظيم، اكتشفت كم كنتُ مهملا، لأنني لم أقم بخطوة، وأتعرّف إلى هذا الأديب النادر، الذي رفع اسم لبنان وبسكنتا على المنابر وفي المحافل الدولية.

إنما من الزيارة الأولى، شعرت وكأني عاشرت ميخائيل نعيمه لمدة طويلة، لا بل عشت معه تفاصيل حياته الدقيقة، وكل ذلك بفضل الأخت سهى، التي تستقبلك من عتبة مدخل الطابق الأرضي ، إلى أن ترمي عليك سلام الوداع، وهي تشرح وتجيب وتناقش بفرح وابتسامة وحسن الضيافة، عن ميخائل نعيمه وعن تفاصيل حياته، فتخرج من بابها وكأنك عشتَ مع هذا الرجل سنين طويلة.

وفور مغادرتي ذلك المتحف تكوَنَت في مخيّلتي أربعُ صور لتلك التي تغادرها، وتبقى في قلبك وعقلك، ويبقى رنينُ كلماتها الناعمة في أذنيك.

 

الصورة الأولى: المرأة الوفيّة

سهى التي تربّت في أحضان جدّها ميشا، وتدلَلَت على يديه، وسمعت همسَ كلماته الحلوة تدغدغ أذنيها، وخربَشت على دفاتره وعبثت بأقلامه، وبعثرت أغراضه، وتسلّقت على كتفيه، وغَمَسَت من صحنه زادها، وارتشفت في كأسه ماءَها… بقيت وفيّة لكل اللحظات وأصبحت رمزًا لهذا الوفاء: فقالت:

انتَ البيّ للي كنت، من دون ما تكون 

حنانك عاصف … غضبك سكون

جبل عطف عربَشت ع كتافاتو

وبير من الفكر شربت ميّاتو

وغَير بنتك لا كنت ولا رَح كون

وهكذا كانت سهى المرأة الوفيّة التي اعتبرت ميخائيل أباها الروحي الذي ربّاها من محبته الصافية.

الصورة الثانية: المرأة العاشقة

فسهى التي تتلمذت على يدَي ميخائيل أحبّته حتى الثمالة، وسكرت من حبّه وحنانه فكانت كلمة جدّو من فمها رنين اللحن على العود. عشقت الأدب والفن والذوق والجمال، وعشقت الحياة حتّى أفنت عمرها في التعليم. وبين أسطر الكتب، وخبايا المكتبات، وهذا العشقُ للعلم وللأدب، يُترجم بمسيرتها الطويلة في احضان المكتبة النعيميّه. ومتابعة كل تفاصيلها، ونشرها وتوزيعها مجانا على كل الزائرين.

فعشق سهى كان مختلفًا ومميّزًأ عن عشق الفتيات.

وباتت تسعى الى حب الكل، وتزرع حبّها في قلوب الكل.

الصورة الثالثة: المرأة المتفانية

لم تتردّد سهى أن تسيرَ على خطى أمّها، هي التي تخلّت عن كلّ شيء في الحياة لخدمة عمّها، وانتقلت هذه العدوى الى الصغيرة سهى، التي شبّت على هذا الدور، وكرّست حياتها مع والدتها، لخدمة هذا الإنسان الذي كان يستحق أن يُخدَم من الجميع.

لم تبخل في حياتها بشيء من أجل جدّها. فضحّت بعمرها وتخلّت عن عائلتها، لتكونَ بجنب جدّها، الذي بادلها هذا الحنان وهذا العطف وهذه التضحية، ولم تتردد في أن تتخذ عائلة نعيمه عائلتها، وهذه قمّةٌ في التضحية والتفاني.

الصورة الرابعة: المرأة الأديبة 

وهُنا يصحّ القول في سهى:”فرخ البطّ عوّام”، ولا شك أنّ التي تربّت في هذا الجوّ العابق بالأدب والشعر والفلسفة، والتي غرفت من معين اللغة النعيمية، وارتشفت من خمرة الفكر، ومن حبر القلب النابض حكمةً وصورًا، ستكون شجرةً وارقةً في هذا العالم الأدبي الكبير.

فأكثر من ٤٠ مقالة منشورة باللغتين العربية والإنكليزية، كلّها تعالج مواضيع وقصصًا وأدبًا لمخائيل نعيمه، وأخيرًا هذين الكتابين اللذين سيخلّدان اسم سهى في التراث النعيمي. أضف إلى ذلك طائفةً كبرى من الندوات والمحاضرات و الحلقات الأدبية، وكلها تحمل موضوعًا واحدًا: ميخائيل نعيمه.

 أعود إليكِ وأسأل:

سهى : من أنتِ !!!!

من أنتِ وما أنتِ؟

أنت الإنسانة التي آمنت وراهنت وضحّت وتفانت وتخلّت عن كلّ غالٍ ونفيس من أجل راحة هذا الأديب العظيم، ولكن في النهاية كسبْتِ الرهان، وها هو ميخائيل نعيمه، بفضلك وبفضل والدتك وبفضل عائلة النعيمة، ما زال عائشًا خالدًا بيننا ومعنا كلّ يوم. فطوبى لك يا ابنة الوفاء والاخلاص.

أنت التي نشرت في بيتك ومتحفك MiMaSona  سكون بسكنتا، وعطر نسيم الزعتر والسنديان، وصلابة الصخور الشخروبية، فنَطَقَ بيتُك في كلّ غرض ومُقتنى من مُقتنيات نعيمة، نطق بحياته وبأعماله اليومية، ومع جدك مشيت على تراب له ذاكرةُ، وشربت من ماء لهُ لحن، ففي هذا البيت الذي يتكلّم بصمته، تزهرُ الحياةُ ولا يَسمعُ لغتَها سوى القلوبِ النقيّة.

سهى: 

زيارة أولى، غيّرت حياتي، فَتَلتها زيارات، وفي كل زيارة تزداد معرفتي فيك، فكبرتِ وتكبرين، وفي كل لقاء أرى حضرة الكلمة والفكر، وتقف الأرواحُ بخشوع أمام عظمة هذا المتحف، الذي تنفّس فيه ميخائيل نعيمه الحرف ونسجَ من التأمّل حكمة خالدةً. 

زيارتك ولقاءاتك لم تكن مرورًا عابرًا بل وِقفة تأمُل في سيرة رجل حَمل لبنان الى العالم، وغرس في الأدب روحًا لا تموت : سهى أشكر الله عليك………….

والشكر لك على كلّ شيء.                                                        

 

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *