سجلوا عندكم

لماذا تخلف المتخلفون؟!… تضخم الشخصيّة.. الجذر الأول  للتخلف  

Views: 2692

  د. علي عبد المنعم   

(الاسكندرية )            

افتتاحية:                                                                                            

أخذتُ أقلّب بين الملفات، وأتصفّح ما تزخر به من قضايا، أبحث عن فكرة أستهلّ بها حديثي إليكم، فوجدت أنّ أنبل ما يُقال اليوم هو ما يُوقظ العقول من غفلتها الطويلة. فما أكثر ما نكتب عن السياسة والاقتصاد والتاريخ، وما أقلّ ما نواجه أنفسنا!

لقد أيقنت أنّ التخلّف لا يولد من فقرٍ في المال، بل من فائضٍ في الوهم؛ من تضخّمٍ سرطاني في “الأنا” حتى تغدو أكبر من حجمها الطبيعي، فيتعاظم الفرد داخل نفسه حتى يعجز عن رؤية غيره، وتنتفخ الشعوب بذاكرة أمجادها حتى تعجز عن رؤية حاضرها.

ذلك هو الداء الأول في رأيي: تضخّم الشخصية — حين يتحول الإيمان بالذات إلى عبادةٍ لها، وحين تَغدو الكرامة ستارًا للكبرياء، والثقة قناعًا للغرور. من هنا يبدأ السقوط، ومن هنا يصبح التخلف حالة نفسية قبل أن يكون واقعًا اجتماعيًا.

إن عالم اليوم يزخر بالمعلومات والفرص، لكن لا يزال أكبر أعداء التقدّم هو تضخّم الذات، الذي يحجب رؤية الفرد والشعوب للواقع كما هو. لذلك آثرت أن أبدأ مقالي الأول بمحاولة إيقاظ العقول النائمة من سباتها الطويل، قبل أن يفوت الأوان.

أولًا: تضخّم الشخصية عند الأفراد

حين تتضخّم “الأنا” في الفرد، تفقد ملامحها الإنسانية وتتحوّل إلى كيان منتفخ لا يرى في الآخرين إلا مرايا صغيرة تعكس صورته. يتحدث لا ليعبّر، بل ليُسمَع، ويعمل لا ليُنتج، بل ليُمدَح. يخلط بين الكرامة والعناد، وبين الثقة والغرور، وبين الحرية والانفلات.

يتوهم الفرد أن الاعتراف بالخطأ ضعف، وأن التراجع عن الرأي هزيمة، فيمضي في عناده حتى لو تهشّم الجدار أمامه. إنّه الإنسان الذي يعيش ليُثبت ذاته لا ليبنيها، ويقيس قيمته بقدر ما يُثير حوله من ضجيج، لا بما يُضيف من معنى.

في الفكر: يتحول الحوار إلى مناظرة، والمناظرة إلى معركة، والمعركة إلى عراك على الكلمات.

حلقات الانحدار عند الأفراد:

في السلوك: يتبدّل التواضع إلى استعلاء، والجد إلى استعراض، والعمل إلى وسيلة للشهرة لا وسيلة للخلق والإبداع.

في العلاقات: يغيب الإصغاء، لأن كلّ طرف يصرخ ليُثبت أنه الأعلى صوتًا، لا الأعمق فكرًا.

إن تضخّم الشخصية لا يترك للروح مكانًا للنمو، فهو يملأها حتى الاختناق، ويجعلها كالبالون الكبير الذي لا يحتمل وخزة إبرة.

ثانيًا: تضخّم الشخصية عند الشعوب

ما يحدث للفرد حين تتورّم ذاته، يحدث للأمم حين تتضخّم ذاكرتها. فالشعوب أيضًا قد تُصاب بمرض الأنا، حين تُفرِط في تمجيد ماضيها وتقديس رموزها، حتى تعجز عن رؤية حاضرها كما هو.

يتحوّل التاريخ من مصدر إلهام إلى وسادةٍ للنوم، وتغدو الأمجاد القديمة ذريعةً للتقاعس لا باعثًا للنهوض. كلّ شعبٍ يكثر من قول “كنّا”، ويقلّ من قول “سَنكون”، هو شعبٌ يسكن في أطلال ذاته.

حين تتضخّم الشخصية الجمعية، تتصلّب العقول كما تتصلّب الشرايين. تُقدَّم العاطفة على العقل، والرمز على الفكرة، والشكليات على الجوهر. يصبح النقد خيانة، والاختلاف تمردًا، والتجديد تهديدًا.

إن تضخّم الشعوب لا يقل خطرًا عن تضخّم الأفراد، فكلاهما يبدأ من الخوف من المواجهة: مواجهة الذات أولًا، ثم مواجهة الواقع.

ثالثًا: من الأنا المنتفخة إلى الذات الواعية

الشفاء من هذا الداء لا يتحقق بالوعظ ولا بالشعارات، بل بعمليةٍ طويلة من التربية على الوعي. فالعقل الذي تضخّمت فيه الأنا لا يُشفى إلا بالمعرفة، ولا يُروَّض إلا بالاعتراف بالخطأ، ولا يُطهَّر إلا بالتواضع.

يبدأ الإصلاح من لحظةٍ بسيطة ولكن شجاعة: أن ينظر الإنسان إلى المرآة فلا يسألها “كم أنا عظيم؟” بل “كم أنا صادق؟”

أن تتعلّم الشعوب كيف تُراجع ذاتها لا كيف تُصفّق لنفسها، وكيف تُكرّم العقول التي تختلف لا التي تُطيع.

لا خلاص من التخلف ما لم نتعلّم فنّ الاعتراف بالنقص؛ لأن النقص هو أول درجات الاكتمال، ولا نهضة لأمةٍ ترى في النقد عداءً، وفي السؤال كفرًا، وفي المراجعة ضعفا.

إننا حين نستبدل تضخّم الأنا بصفاء الذات، والمباهاة بالتأمل، والاستعلاء بالفضول المعرفي، عندها فقط نتحرّر من أغلال التخلف، لا لأننا أصبحنا أغنى أو أقوى، بل لأننا أصبحنا أصدق مع أنفسنا.

خاتمة: دعوة إلى التواضع الوجودي

ما أضيق العالم حين تمتلئ “الأنا”، وما أرحبه حين تتسع “الذات”.

فالأمم لا تنهض حين ترفع رايات الكبرياء، بل حين تزرع في أبنائها شجاعة الاعتراف، وفضيلة الإصغاء، ونبل التواضع أمام الحقيقة.

إنّ بداية النهضة ليست في تغيير العالم، بل في تصغير الذات حتى ترى العالم كما هو. فحين نصبح قادرين على قول: «لسنا كاملين، لكننا نحاول»، تكون تلك أول لحظة نخطو فيها حقًا نحو النضج، لا كأفراد فحسب، بل كشعوبٍ تُشفى من تضخّمها لتستعيد إنسانيتها.

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *