سجلوا عندكم

الأب نجيب بعقليني في حديث تلفزيوني حول معاني عيد الميلاد: بالرجاء والتواضع نلتقي الرب المتجسد

Views: 879

اعتبر الأب الدكتور نجيب بعقليني في حديث إلى تلفزيون لبنان ضمن برنامج “آحلى صباح” مع الإعلامي بشارة مارون أن عيد الميلاد يرمز إلى العطاء المجاني وإلى التواضع، فكما الرب يسوع تواضع وولد في مذود حقير ليلتقي بالإنسان، على الإنسان أن يتواضع ليلتقي الله…

في ما يلي نص الحوار:

-ماذا يعني لك عيد الميلاد شخصيًا؟

​عيد الميلاد بالنسبة إلي هو المغارة، هكذا رأيته عندما كنت طفلًا في العمر، والآن ما زلتُ طفلًا في القلب، أتمنى أن تساعدنا الفرحة، والزينة، والبهجة، والتراتيل، والصلوات، والأضواء لنعود إلى ذاتنا. الميلاد وقفة أمام الذات، وقفة مع الله، لأجدد علاقتي مع الله ومع أخي الإنسان التي تشوبها أحيانًا، توترات، غضب، ضعف، صراع، أنانية، تسلُّط، شك، عدم اهتمام، رفض…

عيد الميلاد، مناسبة لتجديد إيماني، فرحي الداخلي، مصالحتي مع الله. في أوقات الألم والعذاب والقهر قد أتخذ موقفًا من الله، بينما هو لا يتخذ موقفًا مني أبدًا بل يبقى حاضرًا ليحتضنني، لذلك الميلاد وقفة روحية إنسانية تعيدنا إلى القيم والمبادئ كي نعيش السلام الذي أعطانا إياه الله، وتكون لدينا الجرأة للوقوف أمامه، تمامًا كما كانت لدى الله الجرأة، فتجسد وأخذ إنسانيتنا، وكرَّم هذه الإنسانيَّة، ورفعها وارتقى بها، فيما نحن نشدّ فيها نزولًا بسبب ضعفنا وبسبب الشكّ والتسلُّط وحُبّ المال.

-هكذا هي الطبيعة البشرية…

صحيح، ولكن لدينا القدرة لنكون قديسين أيضًا، عندما نتبع تعاليم يسوع الرب الإله المخلص، “نروحن” طبيعتنا البشرية ونتغلب عليها، متسلحين بالقوة التي أعطانا إياها الله.

 

– مظاهر الفرح على الطرقات وبين الناس، إلى أي مدى هي مبررة اليوم، وإلى أي مدى ولادة يسوع المسيح هي حدث تاريخي يدعو إلى الفرح فعليًا؟

الإنسان بحاجة، دائمًا، إلى أحداث ومناسبات ليعبّر ويعيش. أحيانًا، الأحداث الإيجابية توعيه ولكنها تنسيه الأساس والجوهر. الميلاد هو ولادة يسوع المسيح في قلب الإنسان، من أجل الإنسان وحتى يغير الإنسان الضعيف. أكيد نحتاج إلى الأمور الخارجية وإلى وسائل تساعدنا للعودة للإيمان والتوبة.

لا أعتقد أن الزينة الخارجية تُبعدنا عن يسوع، فالشجرة رمز للميلاد والمغارة تعني الميلاد، كل ذلك دعوة إلى الفرح. الميلاد هو لقاء الله مع الإنسانية.

-كم كانت حياتنا مختلفة لولا هذا اللقاء.

ثمة أشخاص لم يلتقوا الرب يسوع ولم يتركوا له مجالًا ليلتقي بهم، هؤلاء يعيشون ربما في الحزن والإحباط والشكّ واللاإيمان والخوف من الغد، أما أنا كمسيحي فلدي الرجاء، أتكل على الرب يسوع الذي هو النور، لذلك لا أخاف من الغد لأنه سيكون أفضل من الأمس، ليس من الناحية المادية أو الصحية، إنما من خلال الاستعداد للقاء الرب يومًا ما في الحياة الأبديَّة وأيدينا مليئة بالمنجزات المطلوبة منا. هذا الميلاد يعلمنا اليوم التواضع والمحبة والتسامح.

-على سيرة التواضع، لماذا قرر الرب أن يولد بمذود فقير ومهمش؟

ليقول إنه قريب من كل الناس، المهمشين والفقراء والأغنياء أيضًا، عندما أقول أغنياء لا أعني المادة، ثمة أغنياء مادياً لكنهم فقراء، أي أغنياء بنفسهم، بعنجهيتهم، بتسلطهم، أو أغنياء بذاتهم للأسف. جاء يسوع من أجل الإنسان بتواضع ليكون قريبًا منه. الخلاص هو لكل الإنسان وكل إنسان يؤمن بيسوع. هذا التواضع مهمّ جدًا اليوم، كذلك الابتعاد عن حُب الظهور، خصوصًا أننا نعيش وسط عالم يحكي بالسُّلطة وبقوة المال، وبالوجود القائم عليهما.

جاء يسوع ليعطينا المحبة، ويقف في وجه المتسلطين الذين يستعملون سُلطتهم بطريقة سيئة من خلال الفساد والتهميش والدونية، ويدعو إلى التغيير.

– قصة الميلاد ما كانت لتتحقق لولا مشاركة مريم العذراء، إلى أي مدى دورها مهم وهل هو دليل على دورنا نحن اليوم كبشر لنسلم أمورنا لربنا ونكون شركاء بمسيرة الخلاص؟

مريم التي قالت نعم، جندت ذاتها ونفسها وجسدها وحياتها من أجل مساعدة يسوع ليولد ويعطينا الفرح والخلاص، فحضورها أكيد هو مهم وفاعل وضروري لنقول إن من خلالها تجسّد يسوع كي يخلص الإنسان.

-كيف نحمل زوادة عيد الميلاد ونحن على أبواب عام جديد؟

الفرح الحقيقي النابع من السلام الداخلي من يسوع المسيح، هو ثابت أمام الصعوبة والألم، نستمده من إيماننا، من صلاتنا، من تأملنا، من محبتنا لأخينا الإنسان، من مساعدة “إخوتي هؤلاء الصغار”، الفقراء، المرضى، المساجين، المدمنين على المخدرات… هذا هو الفرح. يسوع اعطانا جسده وحياته، ونحن أيضًا عندما نعطي، من خلال هدية، ربما، هي رمز وعلامة تقارب وحب وعطاء مجاني. العطاء المجاني ولو له بدل مالي، إنما هو نابع من القلب ومن الحياة ومن الحضور والإصغاء والمرافقة، والنضال… هذا هو العطاء هذا هو الميلاد.

-منذ أكثر من 27 سنة تعمل “جمعيَّة عدل ورحمة” في المجال الاجتماعي، ولها حضور فاعل في السجون، ما هي القضايا التي تعمل عليها حاليًا؟

نحن نعمل مع نُزلاء السجون، ومع المُدمنين على المخدرات في مركزنا في الرابية، حيث نرافقُهم ونتابعُهم ونحاول معالجتَهم ومساعدَتهم كي لا يعودوا إلى الإدمان الذي يدمر حياتهم وحياة الآخرين. طبعًا هؤلاء الأشخاص بحاجة إلى العطف والحنان والمتابعة. أيضًا نزلاء السجون نحن حاضرون دومًا لمساندتهم وتقديم لهم الإصغاء، المتابعة، المُرافقة ومتابعة ملفاتهم القانونية والصحية، وتأهيلهم ليندمجوا في المجتمع مجددًا.

– كان الوضع في السجون أفضل منذ 27 سنة؟

كان أفضل، نوعًا ما، الاكتظاظ كان أقلّ، لأن الدولة كانت مهتمة بأوضاع السجون، ولكن منذ عشر سنوات، تعيش السجون ترديًا بسبب الاكتظاظ، وعدم الاهتمام، وعدم أخذ القرار السياسي من قبل مجلس النواب، والحكومة، وكلّ العاملين في المجتمع لمساعدة هؤلاء الأشخاص والحفاظ على حقوقهم، ولتأمين لهم متطلباتهم. الجمعيات اليوم، من بينها “جمعيَّة عدل رحمة” حاضرة معهم لترافقهم وتساعدهم.

للأسف، يزداد الوضع سوءًا يومًا بعد يوم، مع أنه، بعد انتخاب رئيس الجمهورية وتشكيل حكومة، تأملنا أن تكون هنالك نهضة أكبر، نبض أكبر، ولكن الأمور بطيئة، ربما لأن الأوضاع في البلاد مزرية، اليوم في عيد الأمل والرجاء نأمل أن تتحسن الأحوال.

-إلى أي مدى هنالك مساحة للإيمان في قلب السجن؟

مساحة الإيمان واسعة في السجن، الشخص الذي ارتكب المعاصي والخطايا والجرائم يشعر في قرارة ذاته أنه معزول ومتروك ومُهمل ومُهمش، فيتساءل لماذا أوصل نفسه إلى هذا الدرك؟ عندها يرجع إلى الخالق الذي أعطاه الحياة، ويتمنى من خلاله ومن خلال العدالة والقاضي والشهود العودة إلى هذه الحياة. عندما يتكل على الله وينفذ محكوميته والعقوبة بإيمان وتوبة وندامة، يغمره الإيمان مجدّدًا.

-نحن اليوم ندعو إلى الفرح بهذا العيد، لكن كيف نفرح ومحيطنا يتألم؟

​بالألم نجد معنى، يسوع تألم من أجلنا حتى نخلص، مات من أجلنا، بدورنا علينا أن نعطي الألم والعذاب معنى، لنتحمل الصليب ونحمله بفرح، ونكون قدمنا شيئًا للبشرية، من خلال وجعنا وتضحياتنا، مساندتنا وتعاضدنا، تعاوننا مع أخينا الإنسان الذي هو بحاجة لنا. الإيمان يولد من إيمانك بأن الرب معك، فعندما تكون معه يكون هو معك.

-كيف يمكن دعوة الناس ليولدوا من جديد؟

حيث تكثر الخطيئة تكثر النعمة، يعني أينما تكون الخطيئة يكون الله موجودًا. الولادة داخلية، الإنسان يولد من جديد من المعمودية (الولادة الثانية)، وهي ولادة الروح، ولادة الحياة التي يعطينا إياها الرب يسوع. أنت تتجدَّد عندما تقرر أن تولد من جديد، بنفَس جديد، بأسلوب جديد، بتوبة، بعمل محبة، بحضورك مع أخيك الإنسان. الولادة هي من الداخل وليست خارجية من الجسد. عندما نعيش المحبة والتسامح مع الآخرين ونتعاضد مع أخينا الإنسان ونحزن مع حزنه ونفرح مع فرحه، نولد من جديد ونتجدد يومًا بعد يوم.

-إلى أي مدى نحن، كمجتمع، قريبون من رسالة الميلاد بمعناها الحقيقي؟

كل ما كان الشخص قريبًا من الله يقترب من عيد الميلاد، وكل ما كان بعيدًا عن الله وعن أخيه الإنسان وتملك فيه الشر والضغينة والحسد، يبتعد عن عيد الميلاد.

وحده الإنسان يحدد موقعه من الميلاد، حسب أفعاله وممارساته، فيقترب من الله أو يبتعد عنه.

-يحمل عيد الميلاد الفرح في البيوت، لكن ثمة بيوتًا تعبق بالحنين والنوستالجيا والحزن بسبب فقد أعزاء، أو بسبب صعوبات وتحديات على مستوى المهنة والعائلة، ماذا تقول للأشخاص الذين يمرّ العيد عندهم بغصة؟

العيد بذكرنا بأحبابنا الذين غادرونا، بالمتألمين والمرضى والمحبطين والذين يعيشون العزلة والكراهية والحقد. بالرجاء نمحو البغض والألم، نتساعد حتى نتحمل ونقبل ونحوّل الشر إلى خير، والضعف إلى قوة، والحقد إلى محبة، بواسطة محبة يسوع وحضوره، وهذا هو الميلاد، إنه الرجاء والأمل.

البابا فرانسيس والبابا لاوون الرابع عشر يركزان على الأمل، وهذه السنة اليوبيلية التي سنختتمها بعد أيام، دعوة ليقول الإنسان: “أنا موجود وقادر إطلع من الفجوة”. طبعًا ليست الفجوة المالية، التي تواجهنا في لبنان، نذكرها بالطبع لأنها أثرت على حياة الناس وعلى الاقتصاد وعلى مسيرة البلد.

عندما يكون الإنسان مرتاحًا ماديًا، نوعًا ما، يكون قريبًا من الله، وعندما يكون فقيرًا يكون قريبًا من الله أيضًا، لذلك أدعو اللبنانيين للعودة إلى الذات، إلى التعاليم السماوية، إلى المحبة، إلى الرجاء لنبني وطننا من جديد على قيم ومبادئ ومواقف إنسانية وأخلاقية وقانونية ودستورية، وليعيش الإنسان بسلام في لبنان، ونعيش الحياة المشتركة، أنا أسميها “العيش معًا”. التعايش يعني نتحمل بعضنا البعض غصبًا عنا، اما العيش معًا، فيعني أن الإنسان مع الإنسان يصنعان الحياة.

هذه كانت رسالة البطريرك الراعي ليلة عيد الميلاد.

صحيح، تكلّم أيضًا عن المواطنية، عن الدولة والمساواة أمام القانون، وعن العدل والقضاء النزيه، والقضاء العادل، والسلام العادل والشامل في منطقتنا وفي بلدنا. إن شاء الله يعود أبناء الجنوب إلى بيوتهم ومؤسساتهم، ونبقى في هذه الأرض، أرض صور وصيدا وقانا وكل المناطق التي زارها يسوع وباركها، فلا يحقّ لنا أن نتركها للشر والحرب والقتل وآلة الموت.

-على أمل أن تعبق أيامنا بالعدل الرحمة خاصة مع الأعياد، أشكرك الأب الدكتور نجيب بعقليني على المجهود الكبير الذي تقومون به كجمعية وشكراً على الإضاءات والمعاني الروحية للعيد.

لعيد الميلاد معانٍ جميلة نتمنى عيشها بتفاصيلها الحقيقية، والتركيز  على فرحة العيد وهي يسوع المسيح.

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *