سجلوا عندكم

لبنان فوق الفالق… وفوق فسادٍ أشدّ خطراً من الزلازل 

Views: 1465

 د. زهير علامة

في طرابلس، وفي غيرها من المناطق اللبنانية… نحن أمام جريمة موصوفة تُرتكب “ببطء”: أبنية قديمة تتداعى، شقق تتشقق، سقوف تهدد الناس فوق رؤوسهم… ثم يأتي من يقول لك: “قضاء وقدر”!

لا، هذا ليس قدراً. هذا نتيجة مباشرة لخلطة سامة اسمها: فساد في البناء والصيانة، غياب رقابة، وغياب دولة.

وكأن اللبنانيين يعيشون في بلد بلا قانون، وبلا مسؤول، وبلا محاسبة.

لكن لنقلها كما هي: المشكلة ليست طرابلس وحدها. لبنان كلّه اليوم يعيش فوق “فخّ” اسمه: إهمالٌ منظّم، فسادٌ مقنّن، اضافة الى دولةٌ غائبة.

من الشمال إلى الجنوب، ومن الساحل إلى الجبل والبقاع، هناك أبنية متعبة إنشائياً تُترك لتنهار في موعدٍ غير معروف… وكأننا ننتظر “الإشارة” كي نتحرك، ولا نتحرك كي نمنع الكارثة.

الفضيحة ليست سقوط المباني… الفضيحة نظامٌ يحمي السقوط

الفضيحة ليست فقط في الأبنية التي صارت قنابل إسمنتية مؤجلة.

الفضيحة الأكبر هي في النظام الذي يسمح لها أن تبقى كذلك: بلديات بلا أنياب، أجهزة رقابية تُستدعى بعد الكارثة لا قبلها، تقارير هندسية تُشترى وتُباع، ورخص تُفصَّل على قياس “الواسطة”. ثم تُغطّى كل هذه الجريمة بجملة واحدة: “ما في إمكانيات”.

أي إمكانيات؟

عندما يكون المطلوب حماية أرواح الناس، تصبح “الإمكانيات” فجأة معدومة.

أما عندما يتعلق الأمر بالسمسرات والصفقات والتلزيمات المشبوهة… فالإمكانيات تظهر كالسحر!

هنا تماماً تتضح الحقيقة: نحن لا نعاني نقصاً في الإمكانيات… نحن نعاني فائضاً في الفساد.

لبنان بلد زلزالي… ونحن نبني كأننا خارج الجغرافيا

ولأن المصيبة لا تكفي، يأتي العامل الذي يجعل الإهمال جريمة مضاعفة: لبنان بلدٌ معرّض للزلازل.

لا أحد يستطيع التنبؤ بوقت الهزة التالية، لكن العلم والتاريخ يقولان إن المنطقة نشطة زلزالياً، وإن زلازل كبيرة حدثت سابقاً. فهل نملك ترف الاستهتار؟

اسألوا أنفسكم بصدق: ماذا سيحدث لو وقعت هزة متوسطة اليوم؟

في بلدٍ يضم:

أبنية قديمة بلا تدعيم،

وأبنية جديدة “حديثة بالعمر” لكنها مليئة بالمخالفات،

وأحياء مكتظة وشوارع ضيقة تعيق الإخلاء والإنقاذ،

كم بناية تُدار بمنطق الترقيع بدل التدعيم؟

كم رخصة بناء خرجت من رحم الواسطة؟

كم مخالفة صارت “تسوية”؟

وكم مرة سمعنا بعد كل حادثة: “الله ستر”؟

الله ستر… لأن الدولة لم تستر، ولأن الرقابة نائمة، ولأن القانون صار ورقة تُداس تحت أقدام التجار والسماسرة

ودولة تظهر على الشاشات بعد الفاجعة، لا قبلها.

الهزة قد تكون “متوسطة”، لكن الكارثة ستكون “وطنية”.

هل نتخيل عدد الضحايا؟

هل نتخيل حجم الانهيارات؟

هل نتخيل الفوضى؟

ثم من سيخرج عليكم على الشاشات؟ نفسهم: يذرفون دموعًا على الهواء، ثم يعودون إلى صفقاتهم.

الفضيحة ليست الزلزال… الفضيحة أننا نبني كأننا في كوكبٍ آخر

نحن بلدٌ يجعل حياة الناس “تفصيلًا”، ويجعل الإسمنت “ملفًا انتخابيًا”، ويجعل الهندسة “سوقًا”.

مواصفات تُزوَّر، موادّ تُغش، تسليح يُخفَّف، خرسانة تُسرق منها النِسَب، تقارير تُشترى، ومهندسٌ نظيف يُحارب لأنه يرفض التوقيع على كذبة.

ثم يقال للناس: “انتبِهوا”… كأن المواطن مسؤول عن انهيار منظومة كاملة!

الزلزال لا يُستأذن. الطبيعة لا تفاوض.

لكن البناء المقاوم للزلازل يُفرض بالقانون، والصيانة تُفرض بالرقابة، والتدعيم يُنفّذ بالمسؤولية.

 أزمة السكن والإيجارات: ابتزازٌ رسمي باسم السوق

أزمة السكن في لبنان ليست طبيعية. إنها جريمة اقتصادية– اجتماعية.

البيت صار رفاهية، والإيجار صار سكينًا على رقبة العائلة. المواطن يدفع ثمن الانهيار مرتين:

مرة لأنه لا يستطيع الشراء،

ومرة لأنه يُسحق بإيجار يفوق قدرته،  وببقى البيتٌ  حلماً، والأمان   رفاهية. 

السكن في لبنان تحوّل إلى سلاح ابتزاز:

من يملك بناء اّمنا يرفع السعر بلا رحمة، ومن لا يملك يُطرد أو يُذلّ أو يساوم على كرامته. وفي بلدٍ زلزالي، يصبح هذا الابتزاز أكثر وحشية: أنت لا تدفع فقط لتسكن… أنت تدفع لتنجو، وربما لا تنجو. 

الأوقاف: أمانةٌ غائبة أم ممتلكاتٌ مستباحة؟

وإذا كنا سنتكلم   بصراحة أشد: الأوقاف — التي يفترض أنها “أمانة”—أين هي؟

أمانةٌ تتحوّل إلى غياب… وصمتٌ لا يُغتفر

والأمانة تعني:

إيجارات عادلة ومعقولة لمن لا يستطيع الشراء،

مساهمة فعلية في حلول السكن،

شفافية في إدارة الممتلكات،

ومنع تحويل الوقف إلى باب للمحسوبيات والتلزيمات.

عندما تتجاهل الأوقاف أزمة الناس، فهي لا “تبتعد عن السياسة”… بل تتخلى عن أمانتها

كيف تكون ممتلكات الأوقاف “مستباحة وغائبة” في بلدٍ يختنق بأزمة سكن؟

كيف تُترك آلاف العائلات بين سندان الإيجارات ومطرقة الخطر بينما الأوقاف تملك عقارات وأبنية وأراضي ولا تتحمل مسؤوليتها الاجتماعية؟

الأوقاف ليست مؤسسة تجارية فقط، وليست خزنة صامتة. عندما يسقط بيتٌ فوق عائلة فقيرة بسبب الإهمال، فالذنوب لا تُقسَّم بالتساوي: هناك من قصّر، وهناك من تغاضى، وهناك من استفاد. والصمت هنا ليس “حياداً”… الصمت تخلٍّ عن الأمانة.

المسرح السياسي: أصحاب المليارات يطلّون موسمياً…  

 وفي وسط هذا الجحيم يظهر “أصحاب المليارات”:

يتذكّرون الفقراء قبل الانتخابات بأسبوعين، ثم ينسونهم بعد الصناديق بأسبوعين، يرفعون شعارات “خدمة الناس” بينما يتركون الناس تحت تهديد السقوط، وتحت ابتزاز الإيجارات، وتحت قهر الحاجة.

همّهم ليس إسكان الناس، ومصالح الناس.

همهم ليس حل أزمة السكن ولا إنقاذ الأبنية ولا حماية الناس همّهم حصاد الاصوات ثم الفوز في الانتخابات، ثم الانتقال بسلاسة إلى السمسرات والفساد والسرقات المقنّعة بمشاريع “إنمائية” لا يرى المواطن منها إلا الغبار والفتات.  

الانتخابات عندهم ليست محاسبة؛ الانتخابات عندهم استثمار: يدفعون اليوم ليقبضوا غداً أضعافاً.

الحل: برنامج إنقاذ وطني… لا بيانات بعد الانهيار

لكن النقد وحده لا يكفي. الحل واضح إذا توفرت الجرأة والنية الصادقة:

    • كشف هندسي شامل وشفاف على جميع الأبنية القديمة والمتعبة في كل لبنان، بفرق خبراء مستقلين ومعايير معلنة، ونشر النتائج للرأي العام. لا “تقارير على الطلب”، ولا “سلامة بالواسطة”.
    • خطة إنقاذ وترميم وتدعيم للأبنية القابلة للترميم، وخطة إخلاء وتعويض للتي تشكل خطراً حقيقياً. لأن حياة الناس ليست بنداً ثانوياً.
    • تطبيق صارم لكود البناء المقاوم للزلازل ومنع التسويات في المخالفات—ومحاسبة من رخّص وغطّى.
    • بديل حقيقي: مشاريع سكنية حديثة تُبنى وفق معايير عالمية، وبإشراف شركات عمرانية دولية مشهود لها بالكفاءة والمصداقية، لا شركات “قص ولزق” وخرسانة مغشوشة.
    • تسهيل البيع بالتقسيط وبسعر معقول: سكن بسعر ممكن وربح معقول، لا نهب منظّم. المواطن لا يطلب قصراً؛ يطلب شقة آمنة بكرامة.
  • تحميل الأوقاف مسؤوليتها الاجتماعية:

توفير إيجارات عادلة ومعقولة لمن لا يستطيع الشراء،

تخصيص جزء من ممتلكاتها لبرامج سكنية حقيقية وشفافة، بدل تركها ملعباً للنفوذ أو الإهمال.  

الخلاصة: الزلزال ليس فضيحة… الفضيحة أننا نعرف ونسكت

نحن لا نخاف من الزلازل… نحن نخاف من منظومة تحبّ الخراب

ونبني… كأننا لا نعيش على فالق.

ونؤجّر… كأن البيت سلعة لابتلاع الفقراء.

لبنان قد يهتزّ… نعم لكن الأخطر أن يهتزّ لبنان على أبنية مغشوشة، وعلى رقابة ميتة، وعلى دولة غائبة، وعلى سوق إيجارات مفترس، وعلى مؤسسات تملك القدرة ثم تختار الصمت.

  لبنان لا يحتاج خطابات. لبنان يحتاج قرارًا واحدًا:

أن تكون حياة الناس أغلى من صفقة… وأغلى من صوت.

هذه ليست أحلاماً. هذا اسمه “حدّ أدنى من الدولة”. لكن ما دام الفساد أقوى من القانون، وما دام صوت المواطن أرخص من صفقة، سنبقى نحصي الشقوق في الجدران ونعدّ الأيام إلى الكارثة التالية.

طرابلس ليست مدينة ابنية متصدعة… هي مدينة اناس طيبون. وبيروت وصيدا وصور وزحلة وبعلبك والجبل والبقاع… كلها مدن اناس طيبون. ولبنان ليس مزرعة لأصحاب المال والصفقات.

من يترك الأبنية تتساقط على رؤوس الناس، ومن يترك الإيجارات تنهش الفقراء، ومن يترك الأوقاف غائبة، هو شريك في الجريمة— ولو لبس ربطة عنق وتحدث عن “الإنماء”.

الكرامة تبدأ من سقفٍ لا يسقط… ومن دولةٍ لا تغيب.

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *