سجلوا عندكم

أصلُ الأديان… وضياعُ الإيمان

Views: 429

د. زهير علامة

من رحم هذا الشرق الصافي انبثق نورُ الأنبياء، ومن أرض لبنان وسهول المشرق العربي انطلقت رسالاتُ التوحيد تنادي بالحقّ والعدل والرحمة.
في هذه الأرض عبر الأنبياء والقدّيسون، وتجلّى الإيمان في أبهى صوره، حتى غدا الشرقُ مهدَ القيم الروحية ومنبعَ الرسالات السماوية.

لكنّ المفارقة الموجعة أنّ هذا الشرق الذي أنجب الإيمان، بات اليوم مسرحًا لتناقضٍ صارخٍ بين تديّنٍ ظاهريٍّ صاخبٍ وتطبيقٍ غائب.
الصلوات تُرفع في كل زاوية، والشعارات الدينية تملأ المنابر، والحديث عن الفضيلة لا ينقطع… ومع ذلك يسود الفساد، ويتفشّى الظلم، وتُنتَهك القيم التي نادى بها الأنبياء أنفسهم.

لقد تحوّل الدين في مجتمعاتنا من منهج حياة إلى مظهر اجتماعي، ومن رسالة خلاصٍ روحيٍّ إلى بطاقة تعريفٍ طائفية.
نُحسن أداء الطقوس، لكننا نغيب عن جوهرها: الصدق، والإحسان، والتواضع، والرحمة، والمسؤولية.
فالتديّن، إن لم يُقترن باتّزانٍ أخلاقي، ونظافةِ كفّ، وصفاءِ نيّة، واستقامةِ سلوك، فليس إيمانًا حيًّا، بل مظهرٌ خادع، وقشرةٌ بلا لُبّ، وصوتٌ بلا صدى.

ليس كلّ من أطال صلاته مؤمنًا، ولا كلّ من رفع شعار الإيمان تقيًّا.
فكم من متديّنٍ بالقول فاسدٍ بالفعل، وكم من صامتٍ عامرٍ قلبُه بالنور والإخلاص.

لقد كانت رسالةُ السيّد المسيح عليه السلام نداءً إلى المحبّة الصادقة والرحمة العميقة، لا طقوسًا جامدة ولا مظاهر زائلة. دعا إلى أن يرى الإنسانُ اللهَ في وجهِ أخيه الإنسان، وأن تسبقَ النيّةُ اليد، وأن تسبقَ الرحمةُ الحكم.
“طوبى لأنقياء القلب لأنهم يعاينون الله”  — وكأنّه يُذكّرنا بأنّ الإيمان الحقيقي لا يُرى في المظهر، بل في النيّات الخفيّة التي لا يطّلع عليها إلّا الله.

وكذلك جاء النبيّ محمد ﷺ برسالةٍ تُتمّم مكارم الأخلاق، لا لتُكثِر الجدل في عدد الركعات، بل لتُطهّر القلوب من الكذب والظلم والأنانية. قال ﷺ:
“إنما بُعثتُ لأتمّم مكارم الأخلاق”.

لقد اتفقت رسالات الأنبياء جميعًا — من نوحٍ وإبراهيمَ إلى موسى وعيسى ومحمدٍ عليهم السلام — على كلمةٍ واحدة:
أنّ الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى مظاهركم، بل إلى قلوبكم وأعمالكم.

فكيف يكون المتديّن كاذبًا؟
وكيف يكون المصلّي ظالمًا؟
وكيف تُرفع الأيادي إلى السماء وهي ملوّثة بمالٍ حرامٍ أو قلبٍ حاقد؟

إنّ التديّن الحقّ ليس في كثرة الشعائر، بل في نقاء الضمير وعدل السلوك.
التديّن هو أن يكون قلبُك ميزانًا، ولسانُك صادقًا، ويدُك نقيّةً لا تظلم ولا تمتدّ إلّا بالخير.
فالدين ليس شعارًا يُرفع، بل سلوكًا يُعاش؛
ليس تجارةً بالآخرة، بل طريقًا إلى الإنسانية.

فالإيمان بلا عدلٍ خداع،
والتديّن بلا صدقٍ نفاق،
والعبادة بلا ضميرٍ رياء.

نُصلّي ثم نغشّ،
نصوم ثم نكذب،
نحلف باسم الله لنبرّر باطلًا،
نسرق ثم نحمد الله على النعمة،
نخون ثم نصلّي،
ونظلم ثم نتصدّق.

لقد تحوّل الدين عند كثيرين إلى زيٍّ اجتماعي، لا إلى التزامٍ أخلاقيٍّ حيّ.
تُرفع الصلوات في المناسبات وتُنسى في المواقف، تُتلى على الألسن ولا تُترجم في الأفعال.

نُدين الغرب بالإلحاد، غير مدركين أنّ كثيرين منهم يطبّقون جوهر القيم التي نادى بها الدين أكثر ممّا نفعل نحن؛
يحترمون القانون، يُخلصون في العمل، يُتقنون الصنعة، ويُقدّسون الإنسان كقيمةٍ بغضّ النظر عن لونه أو معتقده.
لم يرفعوا شعارات السماء، لكنّهم التزموا — في كثير من الأحيان — بمبادئها على الأرض.

وفي لبنان — هذا البلد الصغير الذي جمع في قلبه كنائس ومساجد ومزارات وخلوات ومجالس — كاد أن يكون منارةً روحيةً للعالم لو جمع بين إيمانه العريق وسلوكه العملي… لكنّ الواقع مختلف.
تكثر بيوت العبادة، ويقلّ العدل في الشوارع.
تعلو الأصوات في الطقوس، ويخفت صوت الضمير في المواقف.

الإصلاح لا يبدأ بالشعارات ولا بالمواعظ، بل بثورةٍ داخل النفس:
بفهمٍ جديدٍ لمعنى الإيمان، وربطه بالمسؤولية؛
بالعدالة لا بالهوية؛
بالضمير لا بالمظهر.

نحتاج إلى ثورة ضميرٍ قبل ثورة شارع،
ثورةٍ تبدأ من داخل كلّ إنسان،
من لحظةٍ يرفض فيها أن يُنافق أو يُبرّر الباطل باسم الدين أو الطائفة.

عندها فقط يمكن أن يولد لبنان جديد:
لبنان يُصلّي لله لا للزعيم،
ويؤمن بالحقّ لا بالمذهب،
ويُقدّس العدالة قبل الشعارات.

ومنذ تلك اللحظة، يعود لبنان إلى جوهره الأوّل:
مهد الرسالات… لا مقبرة القيم.

 

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *