صبيّة الشُّرفة
محمود شريح
ها أنا اليوم أنظرُ إلى ستّة عقود أفَلتْ لأرى ما الذي أشعلَ فيّ ذلك الحنين إلى صبيّة، وعلى مدى ستّة عقود، منذ أن رأيتها على شرفةِ سكنِ أهلها في حيّ كنتُ أسكنُ فيه مع أهلي، وأذهبُ منه إلى مدرستي، فأرى صبيّة الشرفة في ذهابي إلى المدرسة وإيّابي منها، ومع الوقت تحوّلتْ رؤيةُ تلك الصبيّة إلى هاجس يقضُّ مضجعي، ووسواساً يؤرقني.
وها أنا اليوم أكرُّ البصرَ في تفاصيل تلك الرؤية، ولا أقولُ تلك المعرفة، فكلُّ ما في الأمر أنّي شاهدتُ صبيّة، على الأرجح في سنّي، على شرفةِ أهلها، فانجذبتُ إليها، فلا أنا حادثتُها، ولا هي حادثتْني، وكان ذلك على مدار سنة. هي من علٍ على شرفة أهلها وأنا من سافل على رصيف مقابل، عبرَ نظراتٍ منها ومنّي، وبسماتٍ منها، وليسَ منّي، فكانتْ معرفةً، وإنْ قصيرةً وبسيطةً، غلبتْ عليها البراءة وتركتْ أثراً واضحاً عليّ منذ ذلك الحين، والأهمّ على تصوّري اللاحق لمفهوم الغرام. ومع أنّي لم أكنْ أفكّرُ آنذاك بالغرام، إلّا انّه تملّكني إحساسٌ مبهمٌ عرفتُ لاحقاً أنّه هو نفسُه الغرامُ عينُه الذي خبرتُه في رواياتٍ كنتُ آنذاك أقرأُها وفي قصائدَ كنت أحفظُها عن ظهرِ قلبٍ، وكان الحسّ بالغرام باطناً فيها.
وها اليوم، وبعد ستّين، بالتمام والكمال، على رؤيتي صبيّةِ الشرفة على مدى عام، أَعجبُ كيف انّي أُغرمتُ بها، أو هذا ما بدا لي، فأعيدُ النظرَ، الآن، فيما كنتُ عليه من بساطة وسذاجَة، آنذاك، وقد وقفتُ على فهم أدقّ لماهيّة الغرام، حسب مقياسي وإدراكي إثر تجاربي اللاحقة على مدى ستّين، فأعجبُ أكثر، أنّي وإنْ كنتُ منذ ستّين غير واعٍ بالغرام وبدقائقِه، كيفَ أبحرتُ في لجّة الغرام دون وعيٍ منّي، ولعلَّه كان لا وعياً بالمُطلق، أي الوعيُ في حالتِه الأولى المُبْهمة، لا بل انّي أعجبُ أكثر وأكثر أيضاً كيف استهواني الغرامُ آنذاك، هذا إنْ كان فعلاً غراماً، ولكن لماذا كنتُ أمرُّ تحتَ شرفتها جيئة وذهاباً عدّة مراتٍ في اليوم، صبحاً ومساءً حتّى أراها وحتّى تراني أراها، وكنتُ واثقاً أنّها تراني إذ كانتْ تبتسمُ لي من على شرفتها، وتلاحقُني بنظراتها، فيما كان حيائي يحولُ دون ردّ الابتسام بابتسام ولا أدري حتّى الساعة لماذا لم أبادلْها الابتسامَ بابتسام، فليسَ الحياءُ إذاً كافياً، فنظرتُها إليّ كانت واضحة ترحّب بالردّ عليها، وحتى عيناها كانتا أيضاً تبسمان لي.
وأنا لا أدري حتى الساعة ما الذي دفعني إلى أن أحجبَ عنها ابتسامتي لها، كما لا أدري حتى الساعة لماذا كانت هي تفترُّ دائماً عن ابتسامة لي، هل كانتْ فقط تجاريني فيما أنا أُديمُ النظر بحياء إليها جيئةً وذهاباً، قاصداً رؤيتَها عدّة مرّات، إلا أنّي أذكر الآن تماماً وبعد ستّين، وكأنّه الآن وبعد ستّين، أنّي كنتُ متى رأيتُ ابتسامتَها أصابَني حياءٌ وخفرٌ واعتراني خوفٌ وحذرٌ كنتُ ولا زلتُ أجهل مصادرَها، لكنّي اليوم وعيتُ، وإنْ متأخّراً، أنّه كان غراماً، وإنْ كان غير ما تهيّأتُ، قرابةَ سنةٍ، دون لقاء أو كلام، سوى بسمتِها من علٍ ونظرتها إلى سافلٍ، وأدركتُ مع الوقت، وإن متأخّراً، إثر رحيلها عن الشرفة، أنّ نظرتها إليّ كانت إليّ تحديداً، وأنّ بسمتَها كانت بلا ريب بسمةً لي، فأعجبُ اليوم أكثر لمنشأ الحسّ بالغرام آنذاك، متى كان ذلك الحسُّ فعلاً غراماً، أم كانَ ذلك الحسُّ وهماً، فإنْ كان حقيقةً فما هو صلتُه بالواقع، وإنْ كان وهماً فما هو باعثُ هذا الوهم، لا بل ما هو حافزُه في مطاوي النفسِ حتى بدا لي حقيقةً راسخةً. وسواءً كان مفهومُ الغرام، كما تهيّأ لي، حقيقةً، أم كان وهماً، كما ظننتُ، فما هو هذا الإحساسُ الوافدُ منه بغِبطةٍ وحبور، وإنْ كنتُ ليلاً قلّما يغمضُ لي جفنٌ، إذ كانتْ عيني البصيرة قبل أن تنغلقَ تبصرُ الصبيّة على شرفة أهلها فتنقبضُ روحي، فيما كانتْ عيني القلِقة تبصرُ بسمتَها وتسرُّ لنظرتها، فأغبطُ يقظتي بعيداً عنهما، فما كان أن ينشقَّ الفجرُ حتى أعدَ نفسي برؤية الصبيّة من جديد فيسري فيّ تيّارُ سرورٍ كنتُ أجهلُ مصدرَه، وكان ذلك منذ ستّين وعلى مدى حولٍ بأكمله، أنتظرُ أفولَ ليلي ليطلعَ نهاري فأراها على شرفة أهلها من جديد، فكأنّه النهارُ الأوّل لرؤيتها، فلا قبلُ ولا بعدُ، فالنظرةُ هي هي نفسُها، والبسمةُ هي هي نفسُها، على مدى عام، فكان أهنأَ عامٍ وكان أشقى عامٍ، إذ فجأة نضجتُ فيه دون تمهيدٍ، وفجأةً وعيتُ فيه دونَ توطئةٍ، فتأرجحتُ بين قطبي نعيمٍ وجحيمٍ على مدى عام وكان ذلك منذ ستّين، وبقي وكأنّه بالأمس، وبقيتُ بين شكّ ويقين، فما عدتُ أدري على طول ذلك الحول أكان غراماً حقّاً أم كان وهماً حالماً.
ثمّ مرّت تلك الستّون منذ غابتْ الصبيّة عن الشرفة، وإذْ بذكراها تطرقُ بالي فأتذكّرها من جديد، وإذ بي أتذكّرُ نفسي من جديد أجيءُ وأذهبُ تحت شرفتها، ليس إلّا لرؤيتها، فأعجبُ اليوم لذكراها تطرقُ بالي من جديد بعد ستّين، فلا أنا حادثتُ تلك الصبيّة، ولا أنا التقيتُ بها، فأعجبُ أيضاً لبقاءِ صبيّةِ الشرفةِ أثراً لا يبرحُ، بل ظلّاً عندي يُلازمُني كلّما ألمّتْ بي ذكراها حيثما كنتُ، فأسألُ نفسي كيف تسرّبَ إليّ مفهومُ الغرامِ دون وعيٍ منّي، وكيف أنّ فكرةَ غرام البراءة الأُولى عصيّةٌ على الإدراك وقتَ حدوثها في الواقع، فأعجبُ أكثر لرؤية صبيّة الشرفة في خيالي على الدوام، فالبسمةُ والنظرةُ اليومَ ناضرتان كما عهدتُهما من ستّين.
ثمّ كان يومٌ خرجتُ فيه أُبشِّرُ نفسي برؤية صبيّةِ الشرفة وفجأة خابَ ظنّي وضلَّ سعيي إذ وجدتُ الشرفةَ قاعاً صفصفاً، فلم أرَ للصبيّةِ أثراً، ثمّ كان يومٌ ثانٍ، وكان يومٌ ثالثٌ وكرّتْ سبحةُ الأيّامِ، وتكرّرَ مشهدُ الشرفة قاعاً صفصفاً، ولمّا عييتُ وأعياني المشهدُ، سألتُ في الحيّ عن مآل أهلِ الصبيّة فقيلَ لي إنّهم ارتحلوا إلى مكانٍ غيرِ معلومٍ، وما كنتُ أدري يومها ما البكاء، فقنطتُ ويئستُ، وإذا الدنيا ظلامٌ وإذا الكون فزعٌ، وما كنتُ من قبل أحسبُ لهذا حساباً، فخارتْ قواي وأدركتُ أنّي صائرٌ إلى هزالٍ نفسيّ وقلق وجوديّ، وهذا ما كان، وكان ذلك من ستّين.
ثمّ كانت تنتابني كوابيس فتقضُّ مضجعي وتؤلمُ جنبيّ، فكنتُ أنتظرُ الصباحَ على قلق آملاً أن يكونَ خلاصي من ثِقل كوابيسي، فما أنْ كان ينشقُّ الفجرُ حتّى تخفَّ وطأتُها، لكن بقيَ الصباحُ يحملُ في طيّاته، وعلى الدوام، تبعاتِ تلك الكوابيس، فإذا هي هواجسٌ مضنيةٌ ووساوسٌ مُفزِعة، فعمدتُ صباحاً إلى المشي في غابة قريبة علّني أطردُ عنّي كآبتي. كنتُ أغذُّ السيرَ إلى أن تفترَ همّتي، فأتذكّرُ أيامَ جيئتي وذهابي على مطلٍّ من شرفة الصبيّة، فأعجّلُ خطوي إلى أنْ ترتخي أعصابي، وكانت أعصابي أوتاراً مشدودة، فأهنأُ براحة مؤقّتة وافدة من لحظاتِ أُنْسٍ عبرتْ، كان جلُّها ذكرى بسمةِ الصبيّةِ وذكرى نظرتها، فتنقشعُ رؤيتي، وأعودُ إلى سكني مطمئناً، ولكن إلى حين.
كانَ ذلك منذ ستّين حين غابتْ الصبيّة عن شرفةِ أهلها، وغابتْ، وإلى الأبد، واليومَ، وبعد ستّين، أراها في أحلامي، ولكن بفارقٍ غير بسيط، فأرى وجهَها واضحاً، فيما بسمتُها فاترةٌ ونظرتُها حائرةٌ، فأُدركُ أني المُلام. وها اليومَ بعد ستّين أكرُّ البصرَ وأعيدُ النظرَ في ذكرى تلك الصبيّة لفهمِ بنيةِ الغرام، ولو بالقياس إلى فهمي، فأرى أنّها مُوغلة في القِدمِ فلا ناموسَ يحدُّ من نوازعها ولا قاموسَ يحوى معانيها، فلا عجبَ إن كنتُ عرفتُ الصبيّة دون قصد أو تدبير، فكانت حينذاك معرفة عفويّة اتّضح غورُها على مدى ذكراها، أي الآن وبعد ستّين، حتى الساعة، وتآينَ ذلك منذ ستّين مع وعيٍ آخر، إثرَ الهزيمة الكبرى، تزامنَ نضجُه أثناء ذلك الحولِ لمعرفتي بصبيّةِ الشرفةِ وكان وافداً إليّ أيضاً بلا وعي منّي، وبلا قصدٍ أو تدبيرٍ، بيدَ انّه كان حثيثاً، وكان ذا أصلٍ محتدٍ، فإذا عرقُه دسّاسٌ ينسلُّ من وعيٍ أعمّ خارجَ نفسي، فأعجبُ أيضاً وأيضاً كيف وفدَ عليّ هذا الوعيُ الأعمُّ منذ ستّين، أيضاً وأيضاً، إذ كان وعياً متّصلاً بوعيي لفكرة الغرام الأُولى منذ ستّين، ولكن كان وعياً منفصلاً عن فكرة الغرام الأُولى من حيث انّه كان خروجاً منّي إلى المتّحد حولي، فعجبتُ لفكرة المتّحد كيف تنسلُّ تاريخيّاً من مطاوي النفس صعوداً إلى تمظهر العقل، أي الشّرعُ، منطقُ النفسِ بموازاةِ الحسِّ، وأعجبُ أكثر لعلاقة العقل بالحسّ، لكن يراودُني أحياناً أنّهما من خامةٍ واحدة، واردةٌ إلى عالم الحسِّ كَشْفاً عن مادّةِ العقل، كما الحسُّ تمظهرٌ لمادّة العقل.
وها اليومَ، وبعد ستّين على صبيّةِ الشرفةِ، يتّضح لي أنّ وعيَ الغرامِ، دون قصدٍ أو تدبيرٍ، لهو متّصلٌ وثيقاً بوعي المتّحدِ، والمتّحدُ وصلُ الروح بالمادة، عفوياً، ودون قصدٍ أو تدبيرٍ، فالمخزونُ الجماعي، قيمةٌ نفسيّةٌ، لا يضيعُ منه رزقٌ، فالمنشأُ واحدٌ، حسّاً وعقلاً، مادةً وروحاً، مُحتوى وقالباً. فها اليوم أدركتُ وبعد ستّين أنّ المعرفةَ تراكمٌ لحقباتِ وعيٍ، فما كان كامناً يتمظهرُ، وما كان باطناً يتكوّن، فإذا التكوينُ المتَّحدُ وافدٌ من بهاء الروح في انطلاقها نحو جمال الحقِّ وصواب الرؤية، وما تماسكُ العقيدةِ في نهايةِ المطافِ إلّا من صَهْرِ أقانيم الجمالِ والخيرِ والحقِّ في بوتقةِ التآلفِ الناجمِ عن الصراع الفكري، نُسْغُ الحياة، فما التنافرُ والتجاذب بين قطبي المادّة والروح إلّا لإسباغ صحوةَ الوعي على الوجود إثر نشأته عبر حقبات التاريخ المتعاقبة في تكوين المتَّحد، فلا غروَ إنْ تآينَ الوعيُ بالغرام في درجاته الأُولى المتلاحقة مع الوعي بالمتَّحد في بواكير حلقاته المتعاقبة، إذ طغى فيهما التاريخيّ على العقلانيّ، ثمّ انتصرَ العقلاني في تشكيل وعي الغرام، فيما تفتّق العقلاني عن وعي المتَّحد، فإذا هما وَعْيان متلازمان جدليّاً عبر التاريخ.
فها اليوم، وبعد ستّين، أدركتُ، ولو متأخّراً، أن الغرامَ الحقَّ لهو وقفةُ عزٍّ، ليس إلّا، تماماً كما هي الحياةُ الخيرُ لهي وقفةُ عزٍّ، ليس إلّا، وأن هذا الوعي الصحيح بكلتيهما وافدٌ من حيث الثقافةُ إعمالُ فكرٍ على مدى طويل ويحتاج في آن إلى تفصيل وتوضيح يتأتّيان مُستوييْن بنضجِ الزمن وتراكمِ الخبرة وتعاظمِ المعرفة مقترنةً بالممارسة، فلا انفصامَ بين عقيدة ومراسٍ، تماماً كما لا انقطاعَ بين الفكرِ والحياةِ، فإذا هما مُكملان لبعضهما البعض وآخذان فيما جرى مجراهما إلى تحقيق الوحدة بينهما عبر النشوء والارتقاء.
وهذا كلُّه خبرتُه وعرفتُه تحتَ قنطرة الفكر الحرِّ في ظلال دوحة بيروت الوارفة الأغصان، حيث الصراع الفكري عطاء والمحاورة الجدليّة بركَة، فهي بيروت على يمين سِدرة المنتهى الشِّعريّة، وهي بيروت على يسارِ ضفّةِ الفردوسِ النثريّة، هي بيروت مهدُ الحرفِ صَفّاً فرصْفاً فغُنجاً ودلالاً.
وكان ذلك في بيروت منذ ستّين فكأنّه اليوم، وها هو اليوم في بيروت بعد ستّين فكأنّه بالأمس، فأدركتُ ولو متأخّراً، بفارق ستّين، أنّه لا يكفي أن يسعى الفكرُ إلى تحقيق ذاته، إذ على الواقع أن يسعى بنفسه باتّجاه الفكر، وعلى هذا النحو انقضتْ الأيّام وكأنّها أحلام، وهل أقولُ يا ليتَ وليتٌ غيرُ مُجديةٍ، وقناعتي أنّ ما كان لهو الإمكان ليس إلّا، فما لا سبيل إليه لا حيلة فيه، وإنْ تأكّدَ لي اليوم، وبعد ستّين على صبيّة الشرفة، ان عهد البراءة الأُولى تزامن آنذاك مع عهد الوعي بالمتَّحد إثر الهزيمة الكبرى، شرق السويس وغربه، وما كان العهدان ليحدثا لولا أنّي منذ ستّين نعمتُ في بيروت بأساتذة أرشدوني إلى جادّة عقيدة الخير والجمال، فيما كان منهاجُ التدريس الرسمي، للمرحلة الثانوية، كافياً للدخول في آفاق فكريّة لا مُنتهى لها، وكان ذلك عهدُ حرّية القلم في بيروت، ولا زال، فالقلم هو المقياس، وهو ثبَات الرّقي في تحوّلاته.
***
*الصورة الرئيسية: لوحة بريشة الفنان التشكيلي اللبناني أمير سلامة.



