سجلوا عندكم

“ومضةُ” أيدي شويري، مدارُ فسيفساء التصوير

Views: 395

منى رسلان* 

تُطرح أسئلة فلسفيَّة مركزيَّة حول معنى الحياة الإنسانيَّة، والحُريَّة، والوجود.ولطالما تأمَّل المُبدعون والفلاسفة والمُثقَّفون والكُتَّاب والباحثون في الظواهر الطبيعيَّة والعلوم كافَّة، حتَّى الفنانون والحِرفيُّون وسواهم، كما اهتموا بظواهر الانهيار الَّتي تعترض المجتمعات وتتجسَّد بفقدانهم لمعنى الحياة، حيث يتبدَّى الانهيار من خلال الأزمات الوجوديَّة تلك الَّتي تُزعزع البنائيَّة النفسيَّة والشخصيَّة للذَّاتي قبل المُجتمعي. 

لربَّما جاء الانهيار تتابُعياً، تِبعاً لعوامل خارجيَّة، سياسيَّة أو تكنولوجيَّة أو عسكريَّة أو اقتصاديَّة أو تربويَّة أو ثقافيَّة أو حضاريَّة؛ أو تلك المُجتمعيَّة وما تُشكِّله من  قيودٍ وضغوط  لامرئيَّة.. أو تِبعاً لعوامل الإرادة الفرديَّة المُتمثِّلة باتِّخاذ الفرد  لقراراته الحُرَّة والمُتمثِّلة في البحثُ عن فاعليَّته الذَّاتية على الرُّغم ممَّا يُحيطُهُ من ظروف أو لَيْل عاتٍ.

وكذا تِبعاً لصراعاته النفسيَّة ورغباته وسياقات شعوره باللاجدوى أو فُقدان المعنى أو القيمة في الحياة، أو بالتهميش بفُقدانه الاحساس بهدف كينونة وجوده في الحياة، زمنيَّاً ومكانيَّاً.

 

ما دفع الفيلسوف ألبير كامو ليُقارب مسألة فقدان الإنسان لقيمة الحياة، بمفهوم “العبثية”. إذ تنظُر العبثيَّةُ إلى المُعضلة تلك من مِنظارأشمل؛ وترى أنَّ الكون لا يملك معنى موضوعيَّاً، ما يُولِّدُ صراعاً داخليَّاً بين الواقع الخالي من المعنى وحاجة الإنسان للمعنى – “الفاعليَّة” كمبدأ أساس يتمثَّل في الفلسفة الوجوديَّة.

“فإذا كان النصُّ الأدبي، ظهوراً قائماً بذاته، ووُجوداً يؤدِّي وظيفة حضور انطلاقاً من هذا الظهور..”؛ ومجال عمل الناقد الأدبي سيكون مُنصباً عليه. “ويتجلَّى الظهور، ههُنا، بالأساليب الَّتي يتشكَّل بها النصّ”. (فانوس، د.وجيه. لمحات من النقد الأدبي).

هذا في مضمار النّصّ الأدبي، فكيف يتمظهر ذلك في الصور الفوتوغرافيَّة؟ هل يندرج هذا التوصيف العملي المضموني، ليُصبح دارساً لموضوع الصورة وأساليب تشكُّلِها، أو تشكُّل جُزيئاتها؟ هل يُمكن فصلُ تلاحُمِها العضوي؟

 

وهل يتمظهر النشاط الجمالي من خلال عدسة التصوير الفوتوغرافي؟ مبحثي النقدي -الفنِّي التُراثي هذا بعنوان: “ومضةُ”أيدي شويري، مدارُ فسيفساء التصوير”.

فقد قيل أنَّ ميدان الجمال هو ميدان التجرُبة الكامنة المنطوية على ذاتها، وأنّ نتائج الإدراك الجمالي لهي أبسط ، فلا تحتاج منا إلى الانشغال بها، أو حتَّى التفكير في أسباب إنتاج الموضوع الفنِّي أو وسائله.

بناءً عليه، كيف يتجلَّى ذلك في ميدان التجربة الجماليَّةِ؟ خاصَّةً أنَّ التقدير / التذوُّق الجمالي عادةً لا يخضعُ لنُظُمٍ عامَّةٍ، كالنشاط الدينيّ أو الاقتصاديّ.

 

التذوُّق الجمالي في رؤيا أيدي شويري

يستمطر الباحث في عالم الصورة والتاريخ والتُراث الأستاذ الجامعي أيدي شويري من مدارات السُحب، لمحات من الوجود السَّاحر؛ إذ يقيم بعدسة كاميرته وشغفه بالتصويرالفوتوغرافي، علاقة ودِّيةً ما بين الثرى والثُريا؛ ما بين الرحيق المُتطاير، ونسائم السكوت المهيب. ما بين اللَّحظة المتأوِّهة والوجع الفكريوسطوع الحريَّة؛ ما بين النهر الضجر، والصخرتؤرقه الحساسين. ما بين انحسار الدمعة المخيف وسيمفونية بيتهوفن الخامسة. تنتفض صور أيدي شويري على العبثية واللاَّجدوى.

هُنا “نغنشات” الأطفال يتسامرون كالضباب بخفَّة، والقصيدة بتمرُّدِها المجنون، تنتصر.

وهُناك المنفى الصَدِئ،والروح تٌقيم بين حواجز العُمر ومنفى الذكريات، تتقمَّصُ الكبرياء. كبرياء الصورة.

فـ “لكي ألتقط أوراق الأشجار وأُلقي بها بعيداً

(وقد أنتظر حتَّى أرقب المياه الصافية:

ولن أغيب طويلاً معي بدورك”( فروست، روبرت. قصيدته: ” الطريق الَّذي لم يُسلك” )[1].

 

تجيءُ الصورة مَرويات قَصصيَّة، زمنيَّاً، مكانيَّاً، وإرثاً مُجتمعيَّاً وحضاريَّاً وثقافيَّاً ومِعماريَّاً، مُتجذِّرةً في عوالم ماضوية تُختبر حياة المُجتمعات والأمم. فيوفِّر أيدي شويري ضمن هذا التصوُّر، درباً تواصليَّاً يصول ويجول بين الذاكرة الجمعيَّة والتُراث الحضاريِّ والثقافي بأشكالهِ جمَّة، وحضور عيشنا، بخاصيَّة تكامُليَّة ما بين المواد غير الحيَّة (تتمثَّل بالجمادات) في الحياة الساكنة، والموارد الطبيعيَّة الحيويَّة المُتحرِّكة المؤثِرة في الإنسانيّ: جداول وسواقٍ وشواطئ وملاَّحات؛ زهور وأعشاب عطريَّة واستشفائيَّة؛ فراشات وعصافير وحمار ودجاج؛ ونخيل وزيتون وتين وكرزومُشمس وتين وصبَّار؛ وحجارة “مُقصَّبة” ومداميك ومسارات سواقٍ مُتهلهلة كالندى، وأرائك وثريات وقناطر ومسقوفات وأوانِ فُخَّاريَّة أو خزفيَّة وزُجاجيَّة ونُحاسيَّة؛ أطفال وعجائز وصبايا وشيوخ… عوالم أنشودة فذّة، توَّاقة لاختبار العيش.

ههُنا الأزهار بسكينتها تتسلَّق هياكل المباني، وتشرئِّب الأعشاب وإكليل الشوك مُتألِّقاً نحو الشمس فوق هيكل سكك الحديد؛ ويستحيل التصميم المعماري لوحة رسَّام تشكيلي ولربَّما رومانسي أو واقعي أو بوهيمي أو تجريدي،بتعانق الأخضر والزهري والبنفسجي والأزرق والأصفر والتُرابي الحديدي..، وهُنا يتسامر”الدوري” و”الصلونج” و”التيان” و”الورور الأزرق الخدين” و”النسر الملتحي” و”الباشق” و”المطوق” و”البط”.. كُلٌّ في ايقاعه وفرادته بحِرفيَّة مُبهرة.

في لبنان، لن تغيب عنك مروياتمواسم الهجرة. أتظنَّها تهنأ بأفول العُمر؟ وسوسنة أفئدتنا تتوضأ النغم فجراً، وتغزل من السنديان والأرز والصفصاف، زيتونتنا مسكناً موسيقيَّاًللعرعر (اللزّاب).

 

 مشهديَّات تتوالى في المخيال الإنساني مثل سنونوة تُهاجر بين مضاجع القلب والحنين، بين اليقظة والحُلم، والهضاب تتأمُّل الصلاة. هذا ناهيك عن ترانيم طبيعة تتلاقح في ما بينها، مننهيق الحمار ونعيق البومة وصياح الديك ونقيق الضفادع؛ ويضمُّ نسيم الحبق في مضايا الشغاف وردة جوريَّة الحبيب، واللافندر ينفلشفي “جب” النعناع، وإكليل الجبل ينمو بفيء شجرة التُفَّاح، والعربيشة تتسلَّق “الحيطان”؛ هُنا في فسيح “بحرة” الديار ترتعش زهرة اللوتس المغناج، رذاذاً من ياسمين وعسل الورد وعسل تُراب، تراقص أضلع نوافذنا التُراثيَِّة، حيثما تُزاحم فسيفساءالمكانيَّة غاباتنا العذراء.

فهل تذوُّقت “الحميضة” و”حص” الزيتون وخبز المرقوق؟

هل حدَّثتكَ عن زهر الرُّمان، خميرة اليوسفي ذاك الزمان؟

فمن زاوية واسعة في مدار كاميرا أيدي شويري؛ وفي كل “كادر”ترتسم قدسيَّة المُدن والبلدات اللبنانيَّة، وشوارع بيروت بمعالمها كافة، تلك المُطعَّمة بإبرة تطريز أشغولة لونيَّة شيَّدها السهر، تعلوكـ ” أجراس برج ضاع في قرارة البحر” (السيَّاب، بدر شاكر. قصيدة: “النهر والموت”)

تستعرض صور أيدي شويري بقضاياها الإنسانية والوجوديَّة وفاعليَّة الحضور، العالم الواقعي وطبيعة لبنان وإنسانه، بألوانها وتكويناتها المُتداخلة حيناً والمُتفرِّدة بذائقتها الفنيَّة حيناً آخر، بانسيابية غير مألوفة، إذ تخلق شعوراً مُلتبساً بين شدَّة الوضوح من ناحية والريبة من ناحية أخرى، موسيقا تُلاعب دراماتيكية الغموض وحميمية الحُريَّة.

 

فتسمعُها تدمدم نغم الميجانا والعتابا، والمعنَّى القصيد، والأغنية التُراثية والشعبيَّة:

“يا لبنان دخل ترابك / دخل حجار الفوق بوابك / لما هجرنا وتغربنا الله بيعلم شو تعذبنا / وشو كنا نبكي بغيابك.

يا لبنان لحبك الله / عنك مش ممكن نتخلى / برمنا أرض الدني كلها / وما صلينا غير بكتابك “

” (كلمات: توفيق بركات؛ ألحان: ملحم بركات؛ غناء: السيدة صباح)

وممَّا لا شكَّ فيه، أنَّ الصور الَّتي تتَّخذُ من خلال تواتر “اللقطة” / ومضة حركيَّتها الجديدة، إنَّما هي تضُجُّ بالعيش، وتُحفِّزُكَ كي تستبطن الحوار الكامن في صمتها، ولربَّما المُلتاع من خطيئة الأقدارن صراعاً منسيَّاً بين النظرة الأولى وأحادية الشغف يتأبَّطُ السُكنى، مثل المنفىالأبدي لرؤى “الروح”.

تتجسَّدُ “الومضة”، ومضة الصورة الفوتوغرافيَّة بمُستعربات الكوميديا اللونيَّة، أو الدراما الرماديَّة ، بين السخريةأو مونودراما السُخرية المُتفجِّعة. مظاهر كلاسيكيَّة لعيش احساس فيَّاضاً بالفرح، وأحياناً حزين، حزين جداً، حتَّى التفجُّع. تناقضات تتغلغل في عقر الذَّات الإنسانيَّة، تندمج بالحب والانتقام، بالانجذاب اللحظي والفتور.

كأنَّ الاطار  “في انتظار غودو” انتفض عشبه، خلع رداء الانتظار ومضى؛ جميعها تستحضرها “ومضة اللحظة” عند شويري لخلق توازن بصري شعوري أخَّاذ في الرُّوح.

هل تُدركُ التلالُ تلك، صفير الشجن؛ والعاشقين في حضور المعنى، يرتحلون؟

فمن تأطير الكادر، وسلوك اتجاهات ضوء الطبيعة والعتمة، يخلق أيدي شويري توازناً بصرياً لصورة جذلة، ويأخذُك في عوالم رحلة ظلال الاحتضان والتشويق، حيث تمتزج فيها خطوط التصوير كالشُعاع يزهو بترفٍ، ويتفتَّحُ كدورة فصول المُتلِّقين انسحاباً ضوئياً نحو النجوم. 

 

يتواءم المسار الإنساني بطوبوغرافيَّة خرائط سكَّة القطار، جسراً تواصليَّاً يؤمِّن للبنان والعالم المحيط نموَّاً مُحفِّزاً. هُنا شرايين القلب تمدُّ الوطن باندفاعيَّة حركيَّة تواصليَّة، والمسار تدفُّقي للإقتصاد الوطني والمحيط الحيوي شرقاً وغرباً،ما يُحقِّق نمواً وازدهاراً. ففي مدارات الرؤيا،  تنهض صور شويري مصقولة بتاريخ ذاكرة البنفسج، والجداول الخارجة بعشوائيَّة الشهوة تبدو وجوداً جماليَّاً مُحيِّراً، كأوراق الغيم تتقطَّر، كمملكة الوجد تنبعثُّ من رحم الأمهات، وتتجمَّل.

أتُدرِكُ هذه الأرض غموضها المُنساب إلى جهَّة الغرب، مشدوهةً بعشوائيَّة رغبة الربيع الآتي، وديناميكيَّته الجماليَّةِ، تستدعي تفعيلاً / تقديراً لذَّات الإنسان –الوطن!

وتظنَّ أنَّ بلاد كنعان تُطاردها الصقور، في وحشة من عيش جوف عبثيَّة التناقضات؛ والتجربة الجماليَّة من خلال اعادة خلق الفاعليَّة تشي بالدهشة والحنين المُفرط إلى حدِّ التلاشي.

 

تنبُت ومضة فوتوغرافيا أيدي شويري في ذاكرة الجماعة، تنتشلها من إيقاع المخاض العسير، وتوالي السقوط بهندسة هرمية، كي تُعيد انتظامها عبور أرجوانيَّة البوح.

فهل فرَّ الانتظار مِنك وانقطعت معموديَّتك الأولى، أفياء لذَّة تُشتهى؟

والـ “شمعةٌ من فضَّة، يدعونها: قمراً”. (حرب، جوزف. قصيدة: “المِحبرة”).

الصورة بعدسة أيدي شويري، تعانقُ حفيف الحَورِ والصدى، والوهاد المُخمليَّة تقطف بوحُ البشارة.

هُنا يستريح الضوء، ذُرى للمطر.

***

[1]– فروست، روبرت. قصيدته ” الطريق الَّذي لم يُسلك”.

*أستاذة النقد الأدبي الحديث والأدب المقارن،

أدب ما بعد الحداثة، والمنهجية،

في كليّة الآداب والعلوم الإنسانيّة -الجامعة اللبنانية.

 

 

 

 

 

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *