الخروج من الغيمة السوداء
د. جورج طراد
هذه السنة أيضًا، تزامنتْ أيّام الصوم المبارك عند المسيحيين والمسلمين، وذلك للسنة الثانية على التوالي. ومن المؤكَّد، وفق معادلات التقديم والتأخير، أن يتزامن الصوْمان أيضًا في السنة المقبلة. فهل يتّعظ المتطرفون، على الضفتيْن، من هذا التلاقي؟ وهل يقتنعون، مرّة أخيرة، أن الله واحد وإنْ كانتْ طرق الوصول إليه متعدٍّدة؟ وهل يؤمنون أن الإرتقاء صوب الأعلى له سبيلٌ واحدٌ ومعروف، وإن تعدّدت المسارب إليه، يبدأ بالتخلّص ممّا يشدّ إلى الأسفل ويصبو إلى روحانيّة سامية تصفو فيها النفوس وتتطهّر؟
لكنّ رمضان،هذه السنة، ومع الأسف الشديد، جاء حزينًا للغاية. لقد أثخنوه بالجراح واغرقوه بالدم والدموع. شهر الرحمة والتسامح جعلوه شهر النقمة والتناطح. فبايِّ حقّ تنغّصون على الناس روحانيتهم وتُفسدون عليهم شهرهم الفضيل؟ ولماذا جعلتم أيام الصوم المبارك مُثْقَلةً بالقلق والأسى بدل منْ أن تكون شهر التسامي والتقرّب من الله؟
إنها الحرب مع الأسف. إنه الثور الهائج الذي يعيث دمارا وتحطيمًا في معرض للكريستال النادر. لا يحسبون حسابًا للناس، ولا يقيمون وزنًا لتطلعاتهم إلى حياة مستقرّة يسودها الأمان والتسامح. في العادة كانت أيام رمضان ولياليه مناسبة للإطمئنان النفسي وللصفاء المريح، ينتظره الناس كل أيام السنة ويستعدون لإستقباله بكل ما أُتيح لهم من قدرة…لكن المحظور داهمهم فجأة هذه السنة فلم يبقَ لهم غير الذكريات الدافئة عن أيام رمضان التي نعموا بها قبل حفلة الجنون هذه.

على الصعيد الشخصي، أجمل أيام رمضان امضيتها في أبو ظبي، على موائد إفطار الشيخ نهيان بن مبارك، وزير التسامح في دولة الإمارات العربيّة المتّحدة، وفي السهرات الرمضانيّة التي يقيمها كلّ ليلة حيث يتحلّق حوله مئات المحبّين والأصدقاء من كل المشارب والمعتقدات والجنسيات. فموائد الإفطار في قصره تشبه إلى حدّ بعيد جلسات الأمم المتحدة التي تتلاقى فيها كل الشعوب وتتحاور. وسيّد المكان يحيط الجميع بالحفاوة والمحبة الغامرتيْن.
وقد اصبحت المواعيد الرمضانيّة في ربوع الشيخ نهيان، طقوسًا مكرَّسة يحرص الجميع على الإلتزام بها. ذلك أن تمضية بضعة أيام عند الشيخ المُحِب، في الشهر الفضيل، متعة تريح النفس وتبعث على الطمأنينة. والحقيقة أن صورة دولة الإمارات العربية المتحدة تشبه إلى حد التطابق صورة الشيخ نهيان: التسامح والإنفتاح والحرص على الأمن والأمان والحفاوة بالضيف وإشعاره أنه من أهل البيت. لذلك يحرص ضيوف الشيخ نهيان على برمجة أعمالهم سلفًا بحيث يحجزون أيامَا ثمينة يمضونها في ربوعه في خلال شهر رمضان.
لكن المفاجأة، هذه السنة، كانتْ مزلْزِلة. ألغيتْ كل الرحلات وتعطّلتْ كل البرامج، فحُرمْنا الإستمتاع بالشهر الفضيل في ربوع الشيخ نهيان، لأن الإعتداء على أمن دولة الإمارات جعل السفر إلى هناك مستحيلا.
إلا أن هذه الشدّة لا يمكن أن تدوم. والغيمة السوداء ستنجلي وسنخرج منها قريبًا بإذن الله. والإمارات ستسعيد أمنها وأمانها وستعزّز منعتها في وجه الطامعين الظالمين، وسيعود الشيخ نهيان، بابتسامته الهادئة المطمئنة، لاستقبال ضيوفه بكل الأصالة التي عوّدنا عليها هذا البيت العامر منذ عشرات السنين.



