سجلوا عندكم

حين تصبح “الوطنية” غطاءً لخراب الدولة

Views: 732

د. زهير علامة

أخطر ما أصاب لبنان لم يكن الفقر، ولا الانهيار، ولا الحروب وحدها، بل اختطاف معنى الوطنية نفسه.

فعندما تضعف الدولة، وتُعلَّق السيادة، ويتوزّع القرار بين الولاءات والمحاور، ثم يخرج من يطالب الناس بالتصفيق لهذا الخراب بوصفه بطولة، نكون قد تجاوزنا حدود الأزمة إلى حدود المهزلة التاريخية. عندها لا تعود الوطنية شرف الانتماء، بل تتحوّل إلى قناعٍ لغويٍّ كثيف يُخفى وراءه التراخي، والتبعية، ومصادرة الوطن من أهله.

في لبنان، لم تعد الكلمات تُستعمل لتوضيح الحقيقة، بل كثيرًا ما تُستدعى لحجبها. ومن أكثر الكلمات التي أُسيء إليها، حتى كادت تفقد شرف معناها، كلمة “الوطنية”. تُرفع في الخطب كما تُرفع الرايات فوق أبنيةٍ متصدّعة، وتُصفّق لها الجموع، وتُستثمر في مواسم التأجيج، وتُقدَّم للناس بوصفها برهانًا على الإخلاص، فيما هي، في كثير من الأحيان، ليست إلا ستارًا لغويًا كثيفًا يُراد به إخفاء العجز، وتجميل الارتهان، وتأجيل لحظة الاعتراف بأن الوطن يُستنزف من داخله.

والمأساة أن لبنان، كلما اشتدّ اختباره، ازداد فيه الضجيج وقلّ فيه القرار. كأنّ البلاد محكومة بلعنة البلاغة: كلما ضعفت الدولة، ارتفعت الكلمات؛ وكلما تهاوت السيادة، ازدهرت المزايدات؛ وكلما اقتربت الحقيقة، سارعت الطبقة السياسية إلى إغراقها في وحول التفسير والتبرير وتدوير الزوايا، وفي سياسات الترقيع التي لا تعالج نزفًا، بل تؤجّل لحظة الموت.

فعن أيّ وطنية نتحدّث؟
أعن وطنيةٍ تُتقن البكاء على لبنان، لكنها لا تجرؤ على حمايته؟
أم عن وطنيةٍ تعرف كيف تُشعل الحماسة، لكنها ترتبك كلما سُئلت السؤال الأبسط والأخطر: من يملك القرار في هذا البلد؟ من يقرّر الحرب والسلم؟ ومن يملك حقّ أخذ وطنٍ كامل إلى الهاوية، ثم يطلب من أبنائه أن يسمّوا ذلك بطولة؟

لقد تحمّل لبنان، على مدى عقود، ما لا تحتمله دولةٌ تريد أن تبقى دولة. تحمّل مصادرةً متدرّجة لقراره، وتحمّل ازدواجيةً قاتلة في السلطة والمرجعية، وتحمّل أن يكون النصّ الدستوري في جهة، والواقع القسري في جهة أخرى. ومن شدّة ما اعتاد الخلل، صار الخلل عند كثيرين نظامًا غير معلن، وصارت الكارثة وجهة نظر، وصار الاعتراض على مصادرة الدولة يُصوَّر كأنه خروجٌ على الوطنية، فيما الوطنية الحقّة هي هذا الاعتراض نفسه.

الحقيقة التي هربوا منها طويلًا لم تعد تحتاج إلى شرح:
السلاح الخارج عن قرار الدولة لم يحمِ الدولة، بل كسرها.
لم يصُن السيادة، بل مزّق معناها.
لم يمنح لبنان قوّةً إضافية، بل جرّده من حقّه الطبيعي في أن يكون هو صاحب قراره، لا ساحةً لقرارات الآخرين، ولا منصّةً لصراعاتٍ أكبر منه، ولا صندوق بريدٍ إقليميًّا يُفتح ويُغلق وفق مصالح لا علاقة لها بكرامة اللبنانيين ولا بمستقبلهم.

وما زاد المأساة فداحةً أن المسؤولين، في أكثر اللحظات احتياجًا إلى الصراحة، اختاروا المواربة؛ وفي أكثر اللحظات حاجةً إلى الحسم، احتموا بالغموض؛ وفي أكثر اللحظات التي كان يُفترض أن يرتفع فيها منطق الدولة، انخفضوا إلى حسابات الخوف والمصلحة والتعايش مع الخطأ. لم يواجهوا أصل العطب، بل تفاوضوا معه. لم يسمّوا الكارثة باسمها، بل لفّوها بأقمشة التعبير الناعم. وهكذا لم تعد السياسة في لبنان فنّ الحل، بل فنّ إدارة الانهيار بألفاظٍ مهذّبة.

في هذا البلد، جرى تهريب المعاني كما هُرّبت الأموال، وتعرّضت المفاهيم للسطو كما تعرّضت المؤسسات للتفريغ. حتى الوطنية نفسها لم تسلم. صار يكفي أن يرفع أحدهم صوته، أو يكثر من ذكر السيادة، أو يوزّع قاموس التخوين يمينًا ويسارًا، حتى يُنصَّب وصيًّا على الوطن. أمّا الدولة الفعلية، الحقيقية، الملموسة، فبقيت تتراجع: قانونٌ يُهان، ومؤسساتٌ تُستنزف، واقتصادٌ يُسحق، ومجتمعٌ يُهاجر، وبلدٌ يُترك معلّقًا بين شرعيةٍ مكتوبة ووقائع مفروضة بقوّة الأمر الواقع.

الوطنية ليست نشيدًا يعلو على الدستور، ولا رايةً فوق الدولة، ولا عاطفةً تُستخدم لتغطية التعدّي على الكيان. الوطنية هي أن يكون لبنان هو المرجع الأعلى، لا أن يكون الحلقة الأضعف في شبكة الولاءات. الوطنية هي أن تكون الدولة وحدها صاحبة السلاح والقرار والمصير. وما عدا ذلك، مهما ازدانت عباراته، ليس وطنيةً بل تعدّيًا عليها. لأن الدولة التي لا تحتكر قرار الحرب والسلم ليست دولةً مكتملة، بل اسمًا بلا سيادة، وهيكلًا بلا روح، وعلمًا يرفرف فوق فراغ.

لبنان اليوم لا ينقصه من يتحدّثون باسمه، بل من يمتلكون شجاعة إعادة اسمه إلى معناه. لا ينقصه من يصفّقون له في الخطب، بل من يرفضون تحويله إلى وظيفةٍ في مشاريع الآخرين. لا ينقصه من يكتبون عن الكرامة، بل من يفهمون أن الكرامة الوطنية لا تتجزّأ: فلا كرامة مع دولةٍ مكسورة، ولا سيادة مع قرارٍ موزّع، ولا مستقبل لوطنٍ يظلّ أسير معادلةٍ تقول شيئًا في الدستور وتفرض نقيضه في الواقع.

من هنا، يصبح الكلام عن الوطنية في لبنان بلا معنى ما لم يبدأ من الحقيقة العارية:
لا وطنية مع السلاح الخارج عن قرار الدولة.
لا وطنية مع مصادرة الحرب والسلم من المؤسسات الشرعية.
لا وطنية مع جماعاتٍ تربط مصير لبنان بسياسات دولٍ أخرى، ثم تطلب من اللبنانيين أن يدفعوا الثمن صمتًا أو تصفيقًا.
ولا وطنية، فوق ذلك كلّه، مع مسؤولين يعرفون موضع الجرح، لكنهم يفضّلون وضع العطر فوقه بدل تنظيفه.

لقد تعب لبنان من البلاغة الكاذبة. تعب من السياسيين الذين يزيّنون الهاوية بالمفردات. تعب من الحكمة التي لا تُنتج إلا مزيدًا من التأجيل. تعب من التسويات التي تُسوَّق على أنها إنقاذ، فيما هي ليست إلا تقسيطًا للهلاك. فالبلد الذي يُدار دائمًا بمنطق “ليس الآن” ينتهي إلى لحظةٍ لا يعود فيها أيّ غدٍ ممكنًا.

والسؤال لم يعد: من يحب لبنان أكثر؟
هذا سؤالٌ صغير أمام خرابٍ بهذا الحجم.

السؤال الوحيد الذي يستحق أن يُطرح هو:
من يريد دولةً فعلًا، كاملةً، حصريةً، سيّدةً، لا شريك لها في السلاح، ولا منازع لها في القرار، ولا وصيّ عليها في الحرب والسلم؟

أما ما عدا ذلك، فليس سوى زخرفةٍ فوق نعش.

لبنان لا يسقط لأن أعداءه أقوياء فحسب،
بل لأنه ابتُلي طويلًا بمن أقنعوه أن انهيار الدولة يمكن أن يُسمّى وطنية.

 

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *