سجلوا عندكم

مسيرة صياميّة نحو القيامة

Views: 415

الأب الدكتور نجيب بعقليني

١- اسئلة لا بدّ منها

بدأ يسوع المسيح رسالتَه الخلاصيّة بالصَّوم والصَّلاة أربعين يومًا وأربعين ليلة في البريّة (متى 4: 1-11)، وختمها بموتِه على الصليب وقيامتِه المُمجَّدة. هكذا رسم لنا الطريقَ: طريق العُبور من الصحراءِ إلى المجدِ، ومن الألمِ إلى القيامة، لذلك تأتي مسيرةُ الصَّوم الأربعيني دعوةً للمؤمن كي يتهيّأ، على ضوء كلام الرَبّ يسوع، للاحتفال بسرّ القيامة، لا كحدثٍ عابر بل كخبرة حياة مُتجدّدة.

هذه المسيرةُ الزمنيَّةُ، ليست مجرّدَ مرورٍ في أيامٍ معدودة، بل عبورٌ روحيّ يُشبهُ عُبور الصحراء، ففي الصحراء يتوقّفُ الإنسان ليُراجع ذاته ويقيّم مساره، ويُعيدُ النظر في خطواته من أجل تصحيح الطريق أو الاندفاع بثبات نحو تحقيق الأهداف المرجوّة، لذلك يذكّرنا الرَبّ بقوله: «سيروا ما دام لكم النور» (يوحنا 12: 35)، ويؤكّد أيضًا: «أنا الطريق والحق والحياة» (يوحنا 14: 6). المسيح هو النور الذي يُهدي خُطانا، وبدونه لا يُمكن بلوغ ملءَ الحياة.

تدعونا المسيرةُ الصياميّة إلى طرح الأسئلة، على ذواتنا أولًا، وأمام الله ثانيًا. لا يخاف المؤمنُ من السؤال، لأنّ السؤال الصادقَ يفتحُ باب الحقيقة، لكنّ الخطأ يكمن حين نطرحُ أسئلة عن الآخرين ونُسارعُ إلى إعطاء أجوبة نيابةً عنهم، فيصبحُ السؤال الحقيقي في زمن الصَّوم موجَّهًا إلى الداخل:

أين أصبحنا في مسيرتنا؟ ماذا أنجزنا؟ هل حقّقنا المقاصِد التي وضعناها؟ وهل طبّقنا تعاليمَ يسوع وكنيسته؟ «طوبى لمن يسمع كلمة الله ويحفظها» (لوقا 11: 28).

في ضوء هذه الأسئلة نتأمّل في مُمارسات الصَّوم الأساسيَّة: الصَّوم، والصَّلاة، والصَّدَقة. فهل حقًّا اختبرنا معنى الانتصار على الذات، وعلى الضُّعف البشري، وعلى الشرّ والخطيئة والرذيلة؟ هل بلغنا الغايةَ الروحيّة من الصَّوم أم ما زلنا في بداية الطريق؟

٢- التزام النوايا

قد يتساءلُ البعضُ: هل نستطيعُ مُتابعةَ المسيرة حتى لو لم نلتزم التزامًا كاملًا في البداية؟ الجواب نعم، لأنّ الصَّوم ليس امتحانًا يُقصي الفاشلين، بل طريقَ رحمةٍ يفتحُ باب بداية جديدة، خصوصًا في هذه الأيام الصعبة التي يعيشها الإنسان وسط الحروب والشرّ والقتل والدمار والتهجير والخوف من المستقبل، فيصبحُ الصَّوم مِساحة رجاء يتعلّمُ فيها الإنسانُ الاتكال على الله.

منذ القديم، طلب الله من شعبِه الصَّوم، لأنّه مسيرة توبة وعودة إلى القلب. تدعونا التوبة الحقيقية إلى طلب المغفرة من الله أولًا، ثمّ المُصالحة مع أخينا الإنسان. يقول الرَبّ : «إن لم تتوبوا تَهلِكوا جميعُكم كذلك» (لوقا 13: 5). الصَّوم الحقيقي هو ارتدادُ القلب إلى الله، وابتعادُ الإنسانِ عن الخطيئة والشرّ، وعن العُنف والحرب، وعن الرذائل التي تُفسِدُ العلاقات كالحسد والنميمة والكبرياء والأنانيّة والكيديّة.

مع تقدّمنا في هذه المسيرة، نكتشفُ أنّ الطريق لا يقودُ إلى نهاية زمنٍ ليتورجيّ فحسب، بل إلى لقاءٍ حيّ مع سرّ القيامة التي هي حقيقةٌ تُولد في قلب الإنسان كلّما انتصر النور على الظلمة، ورجاءٌ على اليأس، ومحبةٌ على الكراهيّة، لا حدثًا نحتفلُ به فحسب.

٣- مسيرة قياميّة

تقودنا المسيرةُ الصياميّةُ، في النهاية، إلى القيامة، فإذا عشناها بصِدق، تصحّحُ علاقتنا مع الله بالصَّلاة، ومع الآخرين بأعمال الرحمة والمحبّة، ومع ذواتنا بضبط الرغبات والتحرّر من التعلّق المفرط بالماديّات.

في رسالته إلى أهل كورنثوس، يقول الرسول بولس: «أقمعُ جسدي وأستعبدُه لئلا أصيرَ أنا نفسي مرفوضًا بعدما وعظتُ غيري» (1 كورنثوس 9: 27). تتطلَّب المسيرةُ الروحيَّة جهادًا داخليًا، لكنها تعتمدُ، أيضًا، على نعمة الله التي تسنُد الإنسان في ضُعفه. من هنا، لا بدّ من مُتابعة هذه المسيرة الصياميّة متسلّحين بالنعمة الإلهيِّة، مقدّمين ذواتنا ليسوع المخلّص ليقدّسها ويجدّدها، عندئذٍ تصبح القيامةُ أكثرَ من عيدٍ نحتفل به، إنما حياة جديدة يولد فيها الإنسانُ من جديد، ليحيا في نورِ المسيح ويشهدَ لرجاءِ القيامة في عالمٍ يتوق إلى النورِ والسلام.

 

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *