سجلوا عندكم

لبنان منذُ العُصور

Views: 508

سهى حدّاد نعيمه

لبنان منذُ القِدم،

لبنان الذي ذُكر 71 مرّة في العهدِ القديم،

وفي العهد الجديد عندما وطأت قدما السيّد المسيح أرضصيدا وصور،

وأرض قانا التي شهدت أعجوبتَه الأولى في تحويل  الماء إلى خمر،

وفي لبنان كانانتظار السيّدة العذراءلابنها.

لبنان في قبْلة الحضارات القديمة، حضارات البلاد الكنعانيّة وبلاد ما بين النهرين،

لبنان الذي ذُكِر في”ملحمة جلجامش” حيث تمّ التغني بجماله وغابات أرزه.

 

وجبل لبنان، نواة هذا الوطن على مرّ العصور، منه انطلقت الهجرة إلى بقاع الأرض الواسعة في القرن التاسع عشر، خلال الانتداب العثماني، ومع لبنان الكبير، اتسعَتْ دائرة الهجرة لتزيد في عدد المُهاجرين، من بينهم أدباء وشُعراء لمعوا في بلاد الانتشار وأسسوا الجرائد والمجلات والروابط الأدبية من بينها الرابطة القلمية التي ضمت: جبران ونعيمه وأبو ماضي وغيرهم…

في الفترة الأخيرة  أقيم نُصُب تذكاري “القَلَم: شعراء في الحديقة” تكريمًا لهؤلاء بمبادرة وتنفيذ ’شارع واشنطن الجمعيّة التاريخيّة‘

Washington Street Historical Society

في مدينة مانهاتن السفلى مِن مدينة نيويورك في ساحة إليزبيث برجر  Elizabeth Berger Plaza

مِن الدوافع الرئيسيّة للهجرة آنذاك ضيق العيش في لبنان وجبلهالواقع تحت النير العثماني وما تأتّى من ذلك ، مِن خنق الحرّيات في الفكر والتعبير والإيمان، فأضْحَت الكلمة مُستعبدة لصالح المتصرّفيّة، ولمْ يبقَ خيار لكثير مِن الشباب اللبناني سوى الهجرة، ما تسبب في ضياع الهويّة: فهو لا ينتمي إلى النير العثماني كما لا ينتمي إلى بلاد الغربة التي التجأ إليها، وما بين الغربتين بحثٌ عن الذات والهوية  توّجه إليه المهاجرون اللبنانيّون بأقلامهم، لبناء الإنسان الحرّ الذي إليه يتوقون ويرنون وينتسبون مِن جهة،ودحض الجماد الأدبي واللغوي الذي أصاب اللغة في فترة المتصرّفيّة مِن جهة أُخرى. 

استطاعوا إنهاض الأدب مِن سباته وتوجيهه إلى الإنسان وحياته اليوميّة.  وهكذا، كان أدب ’النهضة‘ ما بين لبنان وسوريا، وكانت تلك الصيحات النهضويّة الهويّة الفكريّة للإنسان الواحد عبر الجغرافيّات والقارّات. 

ها هو جبران خليل جبران، كما ورد في سيرة ميخائيل نعيمه الذاتيّة، الجزء الثاني (نعيمه، 2008، ص. 253)، في 11 تشرين الثاني 1918، يرسم بريشته فتاة يافعة تحمل عبارة “على أنقاض ماضينا   نبني مجد آتينا”، تحت عنوان ’سوريا المتحرّرة‘. 

نعم، ’سوريا المتحرّرة‘ التي لا تُلغي لبنان ولا طفولة جبران في ربوع بشرّي لبنان، ولا عودته الخالدة إلى دير مار سركيس في بشرّي لبنان،

ولا هي تلغي بسكنتا وشخروب ميخائيل نعيمه التي حملها معه إلى بلاد الاغتراب فكانت تلك الأرضالدفءفي صقيع أرض نائية والبلسمفي قحل غربة موجعة.  وإبّان عودته مِن هجرته الأميركيّة، وإثر زيارة الأديب توفيق يوسف عوّاد لهفي شخروبه، أصبح لقَب “ناسك الشخروب” كاسمثانٍ لنعيمه في أرض سحرته بجمالها وسكونها، فكانت مدرسته الأم ووحْيه الأعظم في كتاباته،مِن سفح جبل صنّين الأشمّ، مِن سلسلة جبال لبنان العتيقة والعتيدة.

هذا هو حال أمين الريحاني في الفْرَيْكة، السبّاق في كتابه “كتاب خالد”، الكتاب الأول باللغة الانكليزيّة مِن كاتب مهجري لبناني لغته الأم العربيّة، وبعده كرَّت السبحة مِن جبران فنعيمه فرعيلٌ مِن الأدباء المهجريّين اللبنانيّين والسوريّين. 

لبنان منذ القِدَم، لبنان الآن، لبنان غداً، أزلاً وأبداً،

مع مفكّرين مهجريّين لبنانيّين وسوريّين تمحْوَر أدبهم حول بناء الإنسان الحقّ،

خلال بحثهم عن هويّتهم الإنسانيّة التي تتخطّى الجغرافيّات والعرقيّات والاثنيّات،

في ذلك النور الكامن فيهم، الذي هو من الإله وإليه. 

الثلاثاء، 19 أيّار، 2026

***

*مُؤَسِّسة وأمينة ومنسّقة  متحف ميخائيل نعيمه ميماسونا في المطيلب

 

 

 

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *