إنّما الحياةُ ساعةُ حُبورٍ

Views: 193

محمود شريح

مرّ عليّ زمنٌ كنتُ فيه حزيناً، وإن كنتُ لا أتذكّر طوله، بيد أني أتذكّر شدّته ولا زلتُ حتى الساعة أتذكّر حدّته ومدى قسوته، إلّا أنّي عندَ هذا المنعطفِ من حياتي وقد فترتْ همّتي وحسمتُ أمرَ محنتي، أدركتُ الباعثَ على حزني فيما مضى من غابر الأزمان. وكانت وحشتي عن الدنيا أقربَ ما تكونُ إلى غربةِ النائي عن مسقطه فلا يحدوني الأمل بالرجوع إليه، وكانت وحشةً موجعةً رافقَها حزنٌ دفينٌ تَرقى جذورُه إلى ماضٍ سحيق كنتُ وإنْ نسيتُ تفاصيلَه لم يغبْ عن بالي أثرهُ الراسخ في تلافيف نفسي الجانحة أصلاً إلى الأسى، فلم أرَ فكاكاً حاصلاً بين حزني وأساي، وكان كلُّ هذا الحزنُ وكان كلُّ هذا الأسى حَجَبا عنّي ولو إلى حين الباعثَ على حزني وعلى أساي إلى أنْ انقشعتْ الغشاوةُ عن عينيّ إثرَ أجل طويل إذْ غابَ عنّي التفكير بذلك الباعثِ لتكاثفِ غيوم القلقِ على فكري آنذاك.

وكان أن لازمَني حزني دهراً وكان أن لازمتُ حزني دهراً فتآنسنا معاً لزمن نسيتُ طولَه وإن لم أنسَ قسوتَه، ثم انّي فارقتُه صدفة وفارقني صدفة وكانت محض صدفة لكنّها صدفة نجمَ عنها حزنٌ أخفُّ من حزنِ ذي قبل إذ بدا لي أن هناك نقلةً إلى ضفّة هادئة وإنْ لم تكن بعيدة عن ضفّة حزني إلا انّي وجدتُ بعض راحة فيها إذ انتقلتُ رويداً وبطيئاً من التفكير بحزني إلى التفكير بما قد يسرُّني ويسعدُني وكان ذلك صدفة إذ قادتني الصدفة إلى العقيدة، فخفتُ حزني في ظلال العقيدة. 

تزامنَ حزني هذا مع بداية وعيي الأوّل بالعقيدة، وكان إذ ذاك وعياً مُبهماً غامضاً لقلّة درايتي بالعقيدة آنذاك، لكنّه وعيٌ مبهمٌ غامضٌ أشاحَ عنّي بعضَ حزني الدفين، إذْ كانت العقيدة وأنا في مطلع الصبا شاغلَ الناس فنسيتُ حزني ولو إلى حين وإنْ بقي جمراً تحت رمادٍ، فملتُ إلى العقيدة، ولو إلى حين، منجاة لي من حزني؛ ثمّ شغلتُ نفسي بالعقيدة ردحاً من الزمن فهانَ عليّ أمرُ حزني لبرهة لا بل أنه غابَ ظاهراً وكمنَ باطناً، فكنتُ نهاراً لا أحفلُ به وإن كان في هدأة الليل يحفلُ بي فيؤرقني ولكنْ إلى حين إذ كان هاجسي غداً واعداً في ظلال العقيدة فأهنأُ ولكن إلى حين وأباتُ بين قلقٍ وبين طمأنينةٍ، ومتى كانَ الغدُ خَفَتَ قلقي وبدتْ طمأنينتي، فكنتُ متأرجحاً بين بين، وعبثاً جهدتُ في أن أتشبّتَ في أمري، فلم أتروَّ في يومي فكنت على عجلٍ ولم أصطبرْ لعلمي آنذاك ان الوقتَ يفرُّ مني إذ أدركتُ أن سهمَ الوقتِ إذا مرقَ فلا مردّ له. 

وسعيتُ إلى أن أعدلَ بين قلقٍ وطمأنينةٍ فكدَّني سعيي وأرهقني عدلي، فبقيتُ على قلقٍ وبقيتُ على طمأنينةٍ، وتأرجحتُ بين شكّ ويقينٍ خلا هُنيهات فرحٍ وحبورٍ رستْ عليّ لدى جَولاني في حدائق وردٍ فأنعشني شذَاها وارتحتُ إلى ألوانها فكانتْ قطراتُ ندى هابطةً عليّ من علٍ حيثُ الفكرُ صفاء ونقاء ما ردَّني إلى جادّة صوابٍ، فالتفتُّ إلى شعرِ الأوّلين ووجدتُ في ثنايا أبياتِه حكمةً وتهذيباً ما قادني إلى فلسفةِ الأقدمين فاغتنيتُ وقلتُ في نفسي لكلِّ وقتٍ مسرّتُه ولكلِّ زمن بهجتُه فما عليّ إلا اقتناصُ ساعةِ الفرح لعلمي أنّ ساعةَ الحزنِ آتيةٌ لا محالةَ فرأيتُ انّ ساعاتِ الفرح متى وفدتْ إليّ وتراكمتْ عندي نسختْ ساعاتِ الحزنِ قبل أن تجدَ دربَها إليّ فغنمتُ ردحاً براحةِ بالٍ، ما أفسحَ لي بنعمةِ الإصغاء إلى الموسيقى والغناء فوجدتُ فيها حياةَ روحٍ وشفاءَ عليل، فلاحَ لي بعد لأيٍ ومشقّة أنّ الحريّة لهي أُسُّ الرفاهة، وأنّ الحريّةَ كامنةٌ في الدنيا فسحةَ هناء، فإنّما الحياةُ ساعةُ حبورٍ، وحين وقفتُ على ذلك بعد أن علمتُ أن الكلَّ لا محالةَ زائلٌ أمسكتُ بتلك الفسحة واغتنمتُ تلكَ الساعة، فغبطتُ نفسي أنّي أدركتُ اللذّة القصوى في أوانها ولحظةَ نضجِها فتساقطتْ عليّ تساقط الندى على أجفان الوردة ما أحدثَ فييّ موسيقى الكونِ الحالمة فبتُّ يقظانَ أرقبُ مسرى النجوم حتى الساعة، إذ ثَبُتَ لديّ أنّ ناموس الطبيعةِ لهو شريانُ القلب في خفقانه.  

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *