حول كتاب “الزنبقة الصوفية في جادة النقد”
وفيق غريزي
في جادة النقد ثمة ما يشي بافكار الحداثة وما بعد الحداثة ، ويأتي في مقدمتها الفكر الاستعاري بوصفه ممارسة سوسيو- ثقافية مركوزة في المتداول اليومي من الخطاب ، فالفكر الاستعاري ، في الدرس البلاغي ، الحداثي ، لم يعد لعبة الشعراء الفحول ، بل تتناقله ألسنة العامة في تعابير استعارية متغايرة .
وفي كتاب سمير الشيخ ( الزنبقة الصوفية في جادة النقد ) ، ثمة كتابة حول الكتابة وشعر حول الشعر . ولما كان ما وراء الشعر عنوان الفكرة الجديدة ، فان اللاحق ما وراء بات يمثل هذه الحساسية الجمالية .
وفي هذه الجادة النقدية ، ثمة تجربة في تخليق ضرب من النقد السيميائي المقارن . فالأدب المقارن ، ومنذ زمن بعيد ، قد وطىء طرقات اللغات المتباعدة والثقافات المتغايرة عبر الوقوف على المشتركات في الأبنية الشكلية بين شاعرين من بيئات مختلفة . ولكن عندما تصبح العلامة ، كاللون مثلا ، التي احتفى بها الدرس اللساني والنقد على حد سواء منذ الثورة اللسانية الكبرى في بداية القرن الماضي ، المشترك المهيمن لدى شاعرين ، فان هناك إلماحا جديدا لم يكن ببال الادب المقارن الذي ألفناه في الفضاء النقدي .

قيامة الشعر
منذ الثورة اللسانية الاولى في بواكير القرن الماضي ، والثقافة الغربية تلعب دور الباث للمفاهيم اللسانية والنقدية الحديثة ، فيما يلعب الوعي الادبي العربي دور المتلقي عبر مناخات المثاقفة ، ويقول المؤلف :” يعلمنا تاريخ الأفكار ان الثقافات المهيمنة في عصر ما هي التي تبث رسالاتها المعرفية عبر قنوات الاتصال “. غير ان الوعي الادبي ، وتحديدا الوعي الشعري ، لم يكن يلعب دون دور الحساسية السامية ، بل كانت الاستجابة الجمالية على مستوى الجدة والابتكار .
يرتبط مفهوم ما وراء شعر الحداثة العربي ، بنظر المؤلف ، كما تفترض هذه الورقة بقيامة الشعر ، اي بالخرق القصدي لثوابت البنية الشعرية الموروثة ، من جانب ، وبالمهم الشخصي والسيو- سياسي بفعل التحولات التي مرت بها البنية الاجتماعية العربية في عصر الكولونيالية الأوروبية ، من جانب آخر .
يمثل المورفيم “ما وراء” الحساسية النقدية المعاصرة ، فهذا ألغازي القادم من غاب اللسانيات قد اقتحم قلعة الادب ذات الأسوار العتيقة والأبراج الشاهقة ليؤسس دويلات ، ما وراء الدراما ، وما وراء الشعر . ويرى “د. ويلر ” في قاموسه ، مفاهيم ادبية ، وتعريفات ان ما وراء الرواية رواية تكون فيها موضوعة القصة هي فعل او فن القص نفسه ، وتحديدا عندما تكسر مثل تلك المادة الإيهام بالواقع في عمل روائي . ” الأسلية السردية الحديثة تتغيا نزعة الانعكاس الذاتي وهي تطرح طبيعة العلاقة بين الرواية والواقع . مثل هذه الأعمال الروائية الحداثية ، والتي هي استجابة للرؤية الاجتماعية والثقافية المعاصرة ، تجد لها امثلة في السردية العربية . من قبيل ” قميص وردي فارغ “، لنورا امين ، و”مملكة الغرباء” ، للياس خوري ، و”الديناصور الأخير” لسحر السديري ، ويمثل ” هذه التقنية السردية ، كما تقرر ” باتريشيادو” تكون الرواية قد بلغت مبلغا من الإدراك المدروس لوجودها كتابة ، والتي بوسعها فقط ان تؤكد قابليتها المستمرة على الحياة قدر صلتها بالعالم المعاصر “.

أطباق اللغة والفكر
يتجاذب استراتيجيات الاستعارة، منذ الثورة اللسانية الحداثية في القرن الماضي ، قطبان : اللغة والفكر ؛ويشير المؤلف الى ان دراسة الاستعارة ارتبطت في النظرية اللسانية الحداثية بدراسة اللغة ذاتها . يضع العالم اللساني رومان جاكبسون دراسة الاستعارة في المركز من اللغة ، ففي كتابه : ” اساسيات اللغة ” يرى كل من جاكبسون وهاله ، ان تطور الخطاب يحدث قدما على مسارين :المسار الاستعاري ، والمسار الكنائي، ويعد التفريق بين صور الكلام هذه امرا جوهريا ، فالاستعارة تفترض تشابها متحولا او مقايسة بين كيان واخر .
ان المعيار اللساني الذي يعد ضروريا في اي اثر شعري هو الانتقاء . والوظيفة الشعرية تقوم على هذا الاساس ، لذا ، يقول المؤلف:
“فالاستعارة طريق الشعر ، فيما ترشح الكتابة عن النتاج النثري،الدرس اللساني ، والاتجاه الوظيفي في جانب منه ، يرى في الاستعارة خرقا قصديا لمعايير اللغة وسننها ، بالرغم من التأكيد وثاقة العلاقة بين لغة الشعر ولغة المعيار “.
ان هذين الشكلين يتطوران جنبا الى جنب ، وان الحدود الفاصلة بينهما تبدو حدودا مضللة ، فالاختلاف بين النظامين في الدرجة ، غير ان هذه المنظورات التي تجعل من الاستعارة ظاهرة لسانية ، قد فقدت الكثير من مصادر قوتها ، بسبب من التصورات الحداثية التي ترى في الاستعارة ظاهرة تتجذر في النظام الفكري للحياة اليومية ، وليست مزية اللغة الشعرية وحدها . ويؤكد المؤلف ان فكرا جديدا لا يقوم إلا بنقض سابقه عبر آليات الجدل الصاعد . ان الاستعارة في النظرية الكلاسيكية اشكالية في اللغة وليست في الفكر . في هذه النظرية الكلاسيكية تعد الاستعارة اشكالية لسانية وليست فكرية ، ولقد مارست هذه النظرية اقصاءا متبادلا للتعابير الاستعارية من مملكة الحياة اليومية.

دلالات الحب والموت
ترتبط البكائيات والمراثي في الاداب الإنسانية بعالم الموتى . فالموت هو السؤال الفلسفي الأزلي، الذي ظل يؤرق الإنسان منذ فجر الخليقة . والفكر الإنساني في مغامرته الاولى كان يعد الموت واقعة محتومة . هذا الأمر يصدق على قول جلجامش في ملحمة وادي الرافدين ( العراق ) التي تدور حول اشكالية الموت . ” يخاطب بطل أوروك صديقه انكيدو قبل بدء المعركة مع نور السماء في غابة الارز، من ذا الذي يا رفيقي ، ادرك من السمو ما يمكنه من الصعود إلى السماء والإقامة مع شماس إلى الأبد ؟مجرد إنسان ايامه معدودات ، ومهما فعل ان هو إلا هبة ريح “. فليس للموت في معتقد جلجامش من سيادة او سلطان ما دام المجد يبقي اسم الانسان حيا على مد الدهور . غير ان بطل أوروك لا يدرك سطوة الموت إلا بعد موت انكيدو، فيصرخ : “ذاك الذي شاطرني كل خطر ، حتف الإنسان المحتوم احاق به ، بكيته طيلة النهار وطيلة الليل ، بكيته ورفضت الإذن بدفنه “. وقول جلجامش انما هو ثورةضد الموت ، فحقيقة موت انكيدو قد تحول دون نشيج لايهدأ “.
الإنسان يظل في مسعاه يكابد السؤال الخالد من الطوفان الاول حتى الطوفان الاخير .
وفي انتقالة الفكر التأملي من بواكيرالالف الثاني قبل الميلاد الى العصر الحديث ، نجد مارتن هيدغر، قطب الوجودية ،يتحدث عن الموت بوصفه تلك الإمكانية الفريدة التي تحول دون وجود الكائن هنا الآن الى ماض بحت قد اصبح في خبر كان .
يقول المؤلف :” شعر الرثاء في اوروبا او الفن الإليجي يختلف في نشأته عما هو الحال في الشعر العربي ، فلم تكن هناك علاقة حميمة بين البكاء على الميت او ما نسميه رثاء ، وبين الشعر الاليجي ابتداء”. فقد كان هذا الشعر يغنى بمصاحبة الناي وله وزن معين لا يتقيد بموضوع معلوم ، فنرى البطولة والهجر والفروسية والحرمان وبكاء الميت وغيرها تدخل في هذا الميدان . المكون الدلالي في جسد النص الشعري لم تؤلفه مفردات الموت وحدها ، بل تجد ان دلالات الحياة تحتشد في التشكيلات الجمالية .

الصورة الشعرية لدى تشيلي
تعد الصورة الشعرية ، بتجلياتها المادية والإثيرية ، السمة المائزة لاسلوبية الشاعر تشيلي الشعرية ، فالصورة في الجوهر ، من وجهة نظر المؤلف ،هي اعادة انتاج الحس الذي يتخلق بفعل ادراك مادي ، غير ان هناك من الصور ما لا يتخلق بفعل الرؤيةالبصرية ، بل بفعل الحدس . والصورة بعد هذا ، هي الحامل اللساني الجمالي لرؤية الشاعر للعالم .” تأتي الصورة عند شيلي على شكل تنافر او خرق قصدي للاقتران الدلالي بما يسبغ على الصورة جدتها وغرائبيتها ، وبالتالي تفردها الاسلوبي “. لذا، تتخذ هذه الورقة مفهوم الاقتران الدلالي اطارا نظريا للوقوف على ابعاد الصورة في قصيدة ” النبتة مرهفة الحس ” . والتأويل القرائي لصورة شيلي الشعرية ، يبين ان هذه الوسيلة الأسلوبية تشي بالرؤيةالفلسفية للشاعر ، والتي تتجذر بصورةجوهرية في الفكر الجمالي الأفلاطوني ..



