سجلوا عندكم

النميْري والخِرفان و..غريزة البقاء!

Views: 385

  بقلم جورج طراد

  لا يخفى على عاقليْن أن حالة التردّي التي وصلها العالم العربي الراهن باتتْ في نقطة لم يسبقْ لها أن انحدرتْ إليها في تاريخها. فالوضع في غزّة غرق في عالم النسيان بالنسبة إلى معظم العرب. وهم ينامون قريري العين مطمئنّين إلى أن وقفًا لإطلاق النار أنهى حفلة التقتيل الهمجي هناك. حتى ولوْ قلتَ لهم أن أكثر من ألف شهيد سقطوا في غزّة منذ وقف إطلاق النار المزعوم، فإنهم لا يعيرون الأمر أيّ اهتمام، ربما لأنهم منشغلون بأمور أخرى!

  ولبنان الممزّق النازف المنقسم عموديّا حتى العظم لا يحرّك فيهم أيّ مشاعر. تعاطفوا معه في البداية ثمّ ناموا على حرير الأخبار التي تهدْهدُهم وهي تتحدّث عن وقف لإطلاق النار في لبنان. وعبثًا تقول لهم إن هذا الوقف المزعوم هشّ وإنّ ثمّة قرى تُهدَم في ظلّه وشهداء يسقطون دوريّا تحت رايته، وإن أصوات “الدرونات”  فوق العاصمة والمقار الرسميّة الحكوميّة باتتْ موسيقى مألوفة لا تكاد تلفِت نظر أحد..لكنّ كلّ هذا لا يبدّل في اقتناعاتهم شيئًا. فهم سمعوا أن هناك وقفًا لإطلاق النار.. وكفى!

  فهل العرب نائمون أو مخدَّرون؟ وهل أدمنوا “التطنيش” بعد أن أتقنوا ممارسة سياسة تجاهل العارف؟ واستدْراكًا، هل هناك أمل في صحوةٍ ما تحرّك بعضًا من هذا الركود الذي استعمر أفكارهم؟

المفكر العربي علي الشرفا

 

  لا أحد يمكنه أن يعطي جوابًا مقْنعًا. بل ان التساؤلات محكومة بالبقاء معلّقةً في فضاء اللايقين إلى أجَل غير مسمّى. عِلمًا بأنّ هناك شبه تسليم بأن الأمة وصلتْ إلى حالة ينطبق عليها توصيف القول اللبناني المأثور “فلج لا تعالج”.

  وقد فوجئت، شخصيّا، بأن حالة اليأس هذه وصلتْ إلى مفكر عربي صلب المعتقد أمضى حياته في الدعوة إلى توحيد الصف العربي، وفي التحذير من المكائد والأفخاخ التي ينصبها أعداء الداخل والخارج، وفي وضع المقترحات التي من شأنها تعزيز وحدة العرب وتقوية مواقفهم من أجل إحباط ما يُحاك لهم في العلن وفي الخفاء..

  هذا المفكر العربي هو علي الشرفا الذي عقدتُ معه، قبل أيام، جلسة في أبو ظبي، وكانتْ الأوضاع العربية وما آلتْ إليه من تشرذم وضياع، موضوع الحديث. وكان لافتًا أن الشرفا المتابِع بدقّة عالية التطورات في لبنان وفي غزّة وفي كلّ العالم العربي، مصابٌ بنوع من الضيق، كي لا نقول الإحباط، جرّاء ما يجري. وهو يردّ كل هذا إلى التفرقة المتفشّية وإلى احتكار مَنْ بيدهم القرار للسُلطات بحيث يرفضون أيّ تشاور أو تبادل آراء.. وهم بسياستهم هذه يسيئون، ويجرّون معهم كل الأمة، إلى هاوية لا يعلم عمقها إلا الله.

الرئيس السوداني الأسبق جعفر النميري

 

  لا مجال الآن لإستعراض كل ما قاله الشرفا في هذه الجلسة العميقة، فللكلام عليها مجالٌ آخرُ أوسع مدىً، إنما أكتفي هنا بما قاله الشرفا للرئيس السوداني الأسبق جعفر النميري، عندما قدّم له أوراق اعتماده، في العام 1972، كسفيرمعتمَد لدى السودان لدولة الإمارات العربية المتحدة، الفتيّة في حينه. فلقد شبّه الشرفا الحالة العربيّة المتردية، في حديثه مع الرئيس السوداني،بقطيع من الخرفان يسرح مطمئنّا في أرض خصبة غنيّة بالماء والكلاء. تتسابق الخرفان للتنعم بهذا العشب الوفيروتتنافس للحصول دائما على الأفضل.. لكن فجأة يظهر الذئب فتتناسى الخرفان  تنافسها وتلتف حول بعضها متراصّة درءًا للخطر المداهم. إنها غريزة البقاء التي تدفعها بالفطرة إلى نبذ الخلافات وإلى توحيد الكلمة والموقف. وهي، بهذا، تنجو بنفسها، أو هي، أقلّه، تحدّ من الخسائر.

  ويختم المفكر الشرفا كلامه مع الرئيس السوداني قائلا: كلّ ما نحن فيه يؤكد مع الأسف، أننا فقدنا غريزة البقاء فأصبحنا أقل حكمة من الخرفان!

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *