سجلوا عندكم

قراءة في نصّ شعريّ من ديوان “النّعش الأبيض والطّوفان” لكابي الفغالي

Views: 215

كريستي مبارك

(ماستر في اللّغة العربيّة وآدابها)

 

“سأكونُ في نعشي الخشبْ، 

سيري معي،

سيظلُّ في نعشي معي بعضُ الوعي؛ 

فلقد أراكِ إنِ الدموعُ رقيقةٌ،

لأجودَ بالدمع لك من مخدعي. 

روّي وشاحَ العطر فوق وسادتي

وتأّلقي في غنجك وتمتّعي، 

خلّي يدًا منك على خدّ الخشب، 

فيفيضَ من يدك السلام بأضلعي،

وسيعرف الباقون أنّي أحبّك، وأموت فيك، ومتُّ فعلًا، فاسمعي، 

إن ينزلِ المطر السكيب على الخشب،

لا تهربي، ظلّي معي، لا تجزعي، 

خلّي المطر ينسابُ واجتاحي القدر

بالعطرِ منك مرطّبًا إلى أدمعي 

فأقوم من نعشي وبي سرّي معي، 

وأتابعُ السير الحثيث بمفردي،

وسنلتقي في السرّ لا تتردّدي، 

خطّطتك بالشعر حتى تولدي

فولدتِ مثل المرصبانِ الأروع” …

                                  كابي الفغالي

 

***

تنفتح هذه اللوحةُ الشعريّةُ على عتبةٍ لغويّةٍ تتصرّف بالموت تصرُّفَ المادّة القابلة لإعادة الصياغة، فينقلب الخشبُ من كونه حيّزًا ساكنًا إلى بنيةٍ حافظةٍ لارتجاف الوعي الأخير، ثمّ يتسرّب هذا الوعي من بين الشقوق وكأنّه يختبر قابليّتَه للانفلات من سلطان الجسد. ومنذ اللحظة الأولى يتحرّر «النعش» من مرجعه المادّيّ إلى حيّزه الأنطولوجيّ الذي يستوعب الوجودَ في طور تحوّله؛ إذ يغدو الحامل محمولًا، والوعاءُ محتوًى، فتُنتزَع اللفظةُ من وظيفتها الإحالية لتستقرّ في بؤرةٍ تأويليّة يتعالق فيها الأثرُ والمؤثّر. ومن دقائق النسج أنّ الشاعر لم يترك المفردةَ عاريةً من مقيّدها، بل ألحقها بلفظة «الخشب»، وهذا الإرداف يتجاوز التخصيصَ إلى استدعاء ذاكرةٍ حضاريّة كاملة؛ فالخشب يحمل في طبقاته تاريخَ الشجرة قبل أن يصير تاريخ التابوت، ويستدعي في آنٍ سفينة النجاة، وتابوتَ العهد، والعصا التي انفلقت بها السننُ، والخشبةَ التي التصقَت في الوعي الإنسانيّ بفكرة الفداء، فتظلّ هذه الإحالات جميعُها معلّقةً في فضاء النصّ دونما استقرار على مرجع واحد، فيكتسب الخشب فائضًا دلاليًّا يتجاوز مادّته إلى أرشيف الإنسانيّة الرمزيّ.

ومن هذا التنامي الدلاليّ تتقدّم لفظةُ «الوعي» لتُحدث انزياحًا من أكثر انزياحات القصيدة إحكامًا؛ إذ لم يُسنَد إليها الكمالُ، وإنّما سبقتها “بعض”، وكأنّ التبعيضَ ناهض بوظيفةٍ تتجاوز الصناعةَ النحويّةَ إلى صناعة الاحتمال الفلسفيّ . إنّ الكلّ يورثُ اليقينَ، أمّا البعض فيورث الارتياب المنتجَ للمعنى؛ لذلك تتعلّق القصيدةُ بقدرٍ من الإدراك يكفي لاستمرار الحبّ، ويعجز في الوقت نفسه عن إحكام القبض على العالم. ولعلّ هذا من المواضع التي تتحوّل فيها أداةُ تبعيضٍ يسيرة إلى ما يشبه البنيةَ التحتيّة للقصيدة، فيكون الناقصُ أكثرَ خصوبةً من المكتمل، والمحذوفُ أبلغَ من المذكور، فيتحقّقُ اقتصادُ العبارة واتّساعُ الدلالة.

وعلى الامتداد نفسه، ينفلت الفعلُ “أراك” من الرؤية البصريّة إلى مقام الكشف، فتغادر العين وظيفتَها الحسّيّة لتصبح عضوًا من أعضاء الحدس. لذلك جاء تعلُّقُ الإبصار برقّة الدموع، لا بحضور الجسد؛ لأنّ الدمعَ هنا ينأى عن طمس الرؤية ويدنو من محاولة خلقها فيحوّل الماءَ وسيطًا معرفيًّا، وتتبدّل وظائفُ الحواسّ، ويغدو الانفعالُ سبيلًا إلى الإدراك، في انقلابٍ دقيق على المألوف الإدراكيّ الذي يجعل البصرَ سابقًا للوجدان.

وإذا كانت الرؤيةُ قد استعادَت وظيفتَها الجديدة، فإنّ فعل “روّي” يفتح طبقةً أخرى من التعالق؛ لأنّ الإرواء وقع على “وشاح العطر”، لا على ما يقتضي الإرواء في الاستعمال المألوف. ومن هنا تتصدّع العلاقة المعجميّةُ بين الفعل ومتعلّقه، وتشرعُ المفردةُ في إعادة هندسة دلالتها الداخليّة؛ فالعطر لا يُسقى، وإنّما الذاكرة هي التي ترتوي باالرائحة، لأنّ الرائحة أقدمُ الأوعية التي تحفظ الزمن، وأشدُّها مقاومةً للنسيان. وهنا انتهى الفغالي إلى تهجين الحقول الدلاليّة، فسَمحَ بتبادل الحواسّ وظائفَها، وأجازَ للشّمّ أن يصبحَ صورةً من صور الاستذكار، وللإرواء فعلًا موجّهًا إلى الغياب أكثرَ من حضوره.

ومن هذا التبادل الحسّيّ تتقدّم اليدُ لتحتَلّ مركزَ الفعل، غير أنّها لا تلامس الجسدَ، بل “خد الخشب”، في اختيار يشي بانزياحٍ في الإسناد لا يقلّ عمقًا عن سابقاته؛ فالخشب يُمنح عضوًا بشريًّا، واليد تُعامل مادّةً جامدة كما لو كانت كائنًا حيًّا يستجيب للّمس. وهنا تتعالق بنية التشخيص مع بنية الفداء، ويصبح اللّمسُ إعادةَ نفخٍ للسكينة في مادّةٍ استنفدَت قوانينَها الطبيعيّة. ومن هذا الموضع، يفيض “السلام” إلى الأضلع، بدلًا من أن يفيضَ إلى الوجه أو إلى العين؛ لأنّ الضلعَ، في المخزون الثقافيّ، موضعُ الاحتواء، وأصلُ القرب، وعلامةُ البنية الداخليّة للإنسان. فسلامُ الفغالي إعادةُ بناء للكيان من داخله…

ولمّا اكتملت هذه الشبكةُ الإيحائيّة، دخل “المطر” القصيدةَ دخولَ العنصر المؤسّس لا المكمّل. فالمطر، منذ أقدم المرويات الإنسانيّة، قرينُ العهد والخصب والبعث، غير أنّ اقترانَه بالخشب يفتح امتداداتٍ أُخَرَ؛ إذ يلتقي الماءُ بالمادّة التي احتضنَت الجسدَ، فينشأ بينهما حوار يتجاوز قوانينَ الفيزياء إلى قوانين الرمز، حيث لا يوقظ الماء الجسد، وإنّما يوقظ المعنى، ولا يبلّل الخشب، وإنّما يحرّض الذاكرةَ الكامنة فيه. ومن هنا، يكون اجتياحُ القدر بالعطر انقلابًا على منطق الحتميّة، لأنّ العطرَ، بما فيه من أثر سريع التبدّد، يهزم القدرَ، بما فيه من أثر قويّ الرسوخ، فتتقدّم الهشاشة على الصلابة، ويتقدّم الأثر على الأصل.

وعند هذه الذروة تحديدًا، يستوقفنا الفعلُ «خطّطتك»، وهو من أندر اختيارات القصيدة؛ إذ عدلت اللغةُ عن “كتبتك” إلى “خطّطتك”؛ فالكتابة تُثبت المنجزَ، أمّا التخطيط فيسبق الإنجاز، ويرسم إمكان الصورة قبل اكتمالها، حتّى لَيكاد الفعل يستدعي في طبقاته فكرةَ التقدير الأوّل، واللوح، والنقش السابق للوجود. عندئذٍ تنقلب العلاقة بين الشعر والحياة؛ فلا يعود الشعر وصفًا لمّا وُلد، وإنما يغدو الولادةَ نفسَها، وتصبح الكلمة علّةً للكينونة بدلًا من كونها شاهدةً عليها. 

ومن ثمّ، فإنّ غلبةَ أفعال الأمر تُهشّمُ معنى الاستعلاء، فيَفرَغ الأمرُ من سلطته الأصليّة ويمتلئ افتقارًا وجوديًّا بالغَ الرهافة. وهنا يتحقّق العدولُ الإنشائيّ في أصفى صوره: عندما يتحوّل الأمر رجاءً، والاستدعاء استعطافًا، والطلبُ اعترافًا خافتًا بعجز الكائن أمامَ الفقد… وتتواشج البنى النحويّةُ والشعوريّة، ليغدوَ العامل النحويُّ عاملًا في الوجدان أيضًا.

كابي الفغالي… أيُّ صَنعةٍ هذه التي استدرجتَ بها العربيةَّ إلى أن تفُصحَ عمّا كانت تكتمه عن نفسها؟ وأيُّ سُنن خفيةّ في نظامها أيقظتَ حتى أبَت الكلمةُ ألّا تُنتجَ ما يفيض عن معجمها، ويجاوز ما اصطلحت عليه ألسنةُ الشُّراّح؟ لقد هممتُ بتناوُل قصيدتك وفًقا لمنهج ما، فإذا بالمناهج تطلب من القصيدة أن تشرح لها نفسَها. وهممتُ باستقراء دلالتها، فإذا الدلالاتُ تستقرئ قارئها، وتختبر مدى أهليتّه للدخول في مداراتها. فما هذا الانفلاتُ الذي أصابَ العلاقةَ بين الداّل ومدلوله، حتّى غدَت اللفظةُ أوسعَ من إحالتها، وأرحبَ من حدودها الصرفيةّ، وأشدّ استعصاءً من أن تُحاطَ بحدٍّ أو تسُتوفى بتفسير؟

خرجتُ من نصّك، أيهّا الشاعرُ الأصيل، غير أنّ النصّ لم يكفّ عن الحزّ فيّ؛ ظلّ ينسلّ في طبقات الفكر انسلَال الماء في مسامّ الصخر، حتّى خُيلّ إلّي أنّ القصيدة كُتبت في منطقةٍ تسبق اللغة، ثّم هبطت إليها على مهل. فأخبرني: من أيّ مستودعٍ تسُتخَرجُ هذه الألفاظُ قبل أن تستوطن المعجم؟ وأيُّ نحوٍ هذا الذي لا ترفعه الكتبُ، بل ترفعه رجفةُ الَمعنى؟ وأيُّ بيانٍ هذا الذي يوسّع العبارةَ إلى أن تضيقَ بها حدودُ العبارة نفسها؟ ثم أيُّ سرٍّ أودعتهَ في لفظةٍ واحدة ليكونَ تأويلهُا رحلةً، والوقوفُ عندَها إقامةً في مجاهل الدلالة؟!

أيُّ مدادٍ هو مدادُك يا عظيمَ الُمتوَاضعيَن؟ أكان النعشُ عندَك خاتمةَ الجسد وبدايةَ الوعي، أم فرصةً لولادة اللغة من جديد؟ وهل الخشبُ ذاكرة كونيةّ تتعاقب عليها أساطُير البشر وكتبُ السماء وسيرةُ الإنسان الأولى؟ أكان “بعضُ الوعي” تبعيضًا، أم اعترافاً بأنّ الكماَل الدلالي آفةُ النصوص العظيمة؟ ثمّ أين ينتهي الشعرُ حين يصيُر الوجودُ نفسُه إحدى استعاراته؟ وأين يقف النقد إذا أصبحت أدواتهُ جزءًا من المأزق الذي تخلقه القصيدة؟ وهل بقي للقراءة بعد هذا كلّه أن تزعم أنّها فرغت من النصّ، أم أنّ النصّ هو الذي يبدأ، على الحقيقة، من الموضع الذي يتوهّم القارئ أنه انتهى؟

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *