“تعزيز ثقافة الوساطة والحوار لدى الشباب: الفُرص والتحدّيات”

Views: 91

إعداد د. مصطفى الحلوة

بدعوة مشتركة من “اللقاء للحوار الديني والاجتماعي” و ” المركز المهني للوساطة” في جامعة القديس يوسف  (بيروت)، عُقدت ندوة، بعنوان ” تعزيز ثقافة الوساطة والحوار لدى الشباب: الفُرَص والتحدّيات”، في مركز الصفدي الثقافي، طرابلس ( الجمعة 3 تموز 2026).

داخَلَ في الندوة سعادة النائب الياس الخوري، والمحامية يُمنى العلبي حلّاب، والمحامية زينا حسيني مجذوب، مسؤولة فرع الشمال لِ “المركز المهني للوساطة”.

حضر الندوة الأستاذ محمد كمال زيادة ممثّلًا اللواء أشرف ريفي، والدكتور أحمد الأحدب ممثّلًا سماحة مفتي طرابلس والشمال الشيخ محمد إمام، والخوري عزت الطحش، ممثّلًا سيادة المطران يوسف سويف، وفضيلة الشيخ محسن عبد الكريم، ممثّلًا سماحة رئيس المجلس الاسلامي العلوي الشيخ خالد القدّور، والسيد خالد كبّاره، ممثّلًا رئيس بلدية طرابلس الدكتور عبد الحميد كريمة، وسعادة السفير محمد عيسى، والدكتور محمود عثمان،  والدكتور فواز حلّاب،  والنقيب فهد المقدّم، والسيدة فاديا علم جميّل، والدكتور خلدون الشريف، والمحامية رنا دبليز، والسيّدة ياسمين غمراوي زيادة، والسيدة حسيبة علم الدين، والسيدة سمر خشمان، والدكتور دال الحتّي، والسيد وليد العلبي وعقيلته، والسيد محمد مجذوب، وإلى ممثّلي جمعيات إجتماعيّة وثقافيّة، وهيئات نسائيّة، وإلى عددٍ من أساتذة جامعيين، ومحامين، ومهتمين.

مَهّدَ للندوة أمين سرّ “اللقاء” د.مصطفى الحلوة، مُشدّدًا على أنّ عقد هذه الندوة يأتي في ظلّ الظروف الصعبة، التي يعيشها مجتمعنا اللبناني، وفي ظلّ تعقيدات الحياة المعاصرة، بحيث بتنا بحاجة ملحّة إلى بذل جهود حثيثة، لمواجهة النزاعات، التي تُفرزها هذه الظروف، والتي تُرخي باَثارها السلبية والخطيرة، سواء على المستوى الفردي والجمعي والمؤسّسي. وعن الدعوة المشتركة إلى الندوة، فمن منطلق المبادىء والثوابت،  التي تتقاطع مع بعضها البعض، لدى الهيئتين الداعيتين إليها، وأبرزها: نشر ثقافة الحوار وتأصيلها، وقبول الاَخر المختلف، وتعميم مُناخات الوعي المجتمعي، ولا سيما بين الشرائح الشبابيّة.

 

كلمة النائب الياس الخوري/ عضو مؤسّس في “اللقاء” ونائب رئيس الهيئة الاداريّة

إستهلّ النائب خوري متسائلًا: هل يمكن لكلمة واحدة أن  تمنع خصومة؟ وهل يستطيع حوار صادق أن يُجنّب مؤسّسة أو جامعة، أو حتى مجتمعًا بأكمله سنوات من النزاعات؟ وفي إجابة عن هذين السؤالين، رأى بأنّ التجارب الحديثة تُثبت بأن معظم الازمات الكبرى لم تبدأ بخلافات كبيرة، بل بسوء فهم صغير، لم يَجد من يحتويه، في الوقت المناسب.    مِن هنا لم تعُد ثقافة الحوار والوساطة ترفًا فكريًّا، بل أصبحت مهارة حياتيّة، لا تقلّ أهميّة عن المعرفة أو التخصّص.  وشدّد على أنّ ترسيخ ثقافة الحوار والوساطة، لدى الشباب والأكاديميّين، هو استثمار، في مستقبل أكثر استقرارًا. فالجامعات ليست مجرّد أماكن لتلقّي العلوم فحسب، بل هي أيضًا بيئات، ينبغي أن تُبنى فيها مهارات القيادة والتواصل وإدارة الاختلاف. وعلى الطالب أن يتعلّم فنّ الاصغاء، قبل أن يردّ ويُناقش ويُخاصم. ومستندًا إلى الخبرات الادارية، لفت إلى أنّ الكثير من النزاعات  في المؤسّسات، لا تنشأ بسبب تضارب المصالح، بل بسبب ضعف التواصل. وعليه، تبرز أهميّة تعليم الشباب وتدريبهم على أساليب الوساطة، لأنها تُحوّل الخلاف من معركة خاسرة إلى فرصة للفهم والتطوير. فالوسيط لا يصنع منتصرًا ومهزومًا، بل يساعد الجميع في الوصول إلى حلّ، فيشعر كل طرف بأنّه شارك في بنائه. 

في توصيفه الحوار، قال إنّ الحوار ليس مجرّد وسيلة لحلّ النزاعات، بل هو لغة الحضارة، والوساطة ليست إجراءً مؤقّتًا، بل هي ثقافة تصنع الثقة، وتمهّد الطريق نحو مستقبل، يقوم على التعاون والاحترام والتنمية المستدامة.

وفي إبرازٍ لدور القاضي، قال النائب خوري: عندما نتحدّث عن القاضي يتبادر إلى الذهن ذلك الذي يُصدر حكمًا ويفصل في النزاع. بَيدَ أنّ القانون اللبناني (المادتان 375 و 460، من قانون المحاكمات المدنية) أَولى القاضي مهمة السعي، متى أمكن،  تقريب وجهات النظر، ومساعدة الأطراف المتنازعة على الوصول إلى حلّ، يرضى به الجميع. من هنا تبرز أهميّة الوساطة وثقافة الحوار، لأنّ العدالة لا تتحقّق فقط، عندما يصدر حكم، بل قد تتحقّق عندما ينجح الأطراف المتخاصمون، بمساعدة القاضي، أو الوسيط، في بناء حلّ مشترك، يُنهي النزاع ويمنع استمرار الخلاف. وقد تمثّل النائب خوري ببعض الدول الاسكندينافيّة، إذْ يُلاحظ أنّ  نجاح الوساطة فيها لا يعود إلى النصوص القانونيّة وحدها، بل إلى ثقافة قانونيّة واجتماعيّة، ترى أن التسوية الرضائيّة هي وسيلة أكثر نضجّا وكفاءة، لاحقاق الحقّ. وأضاف أنّ أوروبا شهدت تطوّرًا مهمًّا في هذا المجال، إذْ أكّدت محكمة العدل الدوليّة على أنّ الوساطة الالزاميّة لا تتعارض مع الحقّ، في اللجوء إلى القضاء، شرط أن تحظى بضمانات، تكفل هذا الحقّ. وختم النائب خوري بأنّ بناء المجتمع المتماسك يبدأ من قدرة أفراده على إدارة الخلافات، بطريقة حضاريّة. علمًا أنّ النائب خوري عزّز أطروحته بأمثلة تطبيقيّة، حيث أفاد بأنّه قام بدور الوسيط بين شركات عالميّة، بحكم عمله في مجال الوساطة، ولا سيما في الولايات المتحدة الأمريكيّة.

كلمة المحامية يُمنى العلبي حلّاب، عضو الهيئة الادارية لِـ “اللقاء”

إستعرضت المحامية العلبي حلّاب تجربتها الشخصيّة، بدراسة الوساطة، فهي خرّيجة ” المركز المهني للوساطة”، في العام 2025. وقد توقّفت عند الاَليّة الودّية والانسانيّة لحلّ النزاعات، مما يفتح مجالًا جديدًا لفهم الخلافات والتعامل معها، بطريقة مختلفة. ولفتت إلى أنّ هذه الاَليّة لم تأخذ حقّها في لبنان. ولكن من جهتها،  وبحكم ممارسة مهنة المحاماة، تتوسّل أدوات الوساطة، بشكل تلقائي، بمعنى أنّ مفهوم الوساطة بات منطبعًا فيها.

ومما عزّز لديها الاهتمام بموضوع الوساطة، ما يشهده لبنان من أزمات إقتصادية وتضخّم مالي، وما خلّفته جائحة كوفيد _ 19_، وما أفرزته هذه الاوضاع جميعها من مشكلات، تقتضي حلولًا عمليّة وسريعة. وقالت بأنّها لمّا بدأت دراستها في ” المركز المهني للوساطة” فوجئت بالخطوات والمبادىء، التي تقوم عليها الوساطة، ووجدت نفسها أمام تحدّ، كون دور الوسيط يختلف كلّيًا عن دور المحامي، وكذلك خطاب (Discours) الوسيط يختلف عن خطاب المحامي، إذْ أنّ الوسيط ينبغي أن يكون محايدًا، ويساعد الأطراف المتنازعة، كي يجدوا بأنفسهم الحلّ المناسب والمُرضي. وأشارت بأنّها، مع مرور الوقت، أصبحت أكثر استيعابًا لدور الوسيط وأهميّته، وترسّخَ لديها اقتناع بأنّ الوساطة ليست تفاوضًا ولا تنازلًا، وليس فيها ربح وخسارة، وليست وسيلة لحلّ النزاع فحسب، بل هي مدرسة، تعلّمنا مهارات، نُفيدُ منها، في حياتنا اليوميّة ومسيرتنا المهنيّة، من مِثل تقنيّة الاصغاء، وإدارة الحوار، والتواصل الفعّال، وفهم مصالح الغير ومشاعرهم، بطريقة أكثر عمقًا. وأنهت   المحامية العلبي حلّاب، ومن وحي هذه الندوة، بتوجيه رسالة إلى الشباب، تدعوهم إلى أن يتعلموا ويُتقنوا مهارات الحوار، قبل أي شيء، بما يُمكّنهم من مواجهة المشكلات، التي تعترضهم، وإن لم يتابعوا دراسة في مجال الوساطة.

 

كلمة المحامية زينا حسيني مجذوب/ مسؤولة فرع الشمال لِ “المركز المهني للوساطة”

إستعرضت المحامية زينا حسيني مجذوب النقاط العائدة للندوة، مُستهلّةً بتعريف الحوار وما يهدف إليه، متمثّلًا في الفهم المتبادل، وليس تسجيل انتصار لأيّ من المتحاورين. ثم انتقلت إلى تعريف الوساطة، عبر الوعي لعمليّة التواصل. وكان لَعِبٌ لموقف خلافي، بمشاركة تفاعليّة  للحضور، وصولًا إلى استنتاج عملاني لروحيّة الوساطة، وهدف هذه الثقافة، ألا وهو نشر فكرة، ماَلها أنّ النزاع والاختلاف أمران طبيعيّان، يمكن أن تتمّ إدارتهما بأساليب بنّاءة، تحافظ على العلاقات السليمة، وتحقّق الاحترام المتبادل، عبر ركائز الوساطة وأخلاقيّاتها، القائمة على الحوار والحياد والتعاون، من أجل تحويل النزاعات، من مصدر صراع إلى فرصة للتفاهم والوصول إلى حلول تُرضي الجميع.

ونوّهت الاستاذة زينا حسيني مجذوب بأن لا بدّ من ملاحظة التحدّيات أمام هذه الثقافة، وبخاصة لدى الشباب، وأبرزها: قلّة التدريب على مهارات التواصل، وقلّة البرامج التعليميّة، التي تُعزّز الحوار والوساطة، ونقص الوعي بهذه الثقافة وتميّزها. ناهيك عن الضغوط الاجتماعيّة، التي تعتبر أنّ التمسّك بالموقف هو دليل قوّة، إضافة إلى العوامل الاقتصادية والتوتّر النفسي والاستقطاب الفكري.

أمام هذه التحدّيات جميعها، كان للاستاذة  زينا حسيني مجذوب أن تُضيء على نشاط ” المركز المهني للوساطة” في جامعة القديس يوسف في بيروت، منذ تأسيسه في العام 2006، بهمّة مديرة المركز السيدة جوانا هوّاري بو رجيلي، كما الفرع في طرابلس الذي أنشئ منذ سنة 2011 ، حيث يتم العمل على ثلاثة مستويات:

1- التدريب على تقنيّات الوساطة، عبر برنامج التدريب الجامعي المتخصّص، وبرامج تدريب الطلاب الجامعيين، و برامج تدريب التلامذة بالمدارس .

2- تقديم خدمة، الوساطة  في المركز، لأنواع الخلاقات كافة، وذلك في مجالات العمل، والعائلة، والتجارة والتي وصلت نسبة الاتفاقات الرضائيّة فيها إلى نسبة 70%. 

3- مركز حاضن للمشاريع ، عبر اتفاقيّات مع شركاء محلّيين وأجانب، ومع القطاع العام والخاص، لنشر الوعي بثقافة الوساطة وأهميّة التفكير بابتكار حلول، تُفضي إلى التعاون مع الاَخر، وليس لوم الاَخر، في أي خلاف.

وبعد الانتهاء من إلقاء المداخلين كلماتهم، كان حوار تفاعلي مع الحضور، إلى نقاشات وتعقيبات، أسهمت في توضيح الكثير من الأمور، حول مسألة الوساطة وفضّ النزاعات.

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *