زينة آغا في “بَوحُ القوارير: على شرفات الحياة”…نور نافذ من زجاج تكسّرَ
محمود شريح
زينة آغا، الروائيّة الفلسطينيّة، في جديدها بَوحُ القوارير: على شرفات الحياة (عمّان: دار كنوز المعرفة للنشر والتوزيع، 2026، في 140 صفحة من القطع الكبير وغلاف أنيق) تطلّ علينا من فضاء رمزي يربط الذات بالكون، أي إطلالة الروح على تأمّلها الآخرين، وهناك عند هذا المفصل تتقاطع الأزمنة: ماضٍ ماكثٌ وحاضرٌ متدفّق ومستقبلٌ وافدٌ، فالشرفات كشفٌ عن قصّة تتجلّى بوضوح لإمرأة فلسطينيّة هي “نور” المولودة زمن العتمة لكن بقيت شعلةً متّقدة، فكأنّها رمزٌ لهذه البلاد من غزّة إلى البصرة، كما تمّوز إله البعث فيها، ينهضُ من عثرته وينشر جناحيه نحو أُفق بِشْرٍ.
الشرفة الأُولى هي شرفة النور حيث تشكّلت نور ومنها ترتدّ إلى ذكريات أبيها عن الحلم العربي وزيارتها لضريح عبد الناصر في القاهرة. ومن الشرفة الثانية تطلّ على تفاصيل القاهرة اليوميّة ومن هناك تعود إليها وجوه أهلها في القدس وغزّة ومخيّمات النزوح، وتنصت إلى صوت أبيها يخبرها عن بيت في الجليل مُطل على شجرة لوز وارفة. فما ان غادرَ عبد الناصر هذه المعمورة حتى أدركتْ نور أنّ السماء انهارتْ فوق مخيم برج البراجنة مسقطها. ومن الشرفة الثالثة أدركت نور أنّ الغربة لم تكن جواز سفر بل فراغاً روحيّاً لا شفاء منه.
من الشرفة الرابعة تطلّ زينة آغا على ذكرى جدّتها زمن النزوح وقِسمة التفاحة والخبز بين أحفادها دون غياب فلسطين عن البال. إلى المطلّ على النوارس البيضاء حاملة سرّ العودة، فبحرُ بيروت على مطلٍّ من مخيم برج البراجنة مسقط الروائيّة هو هو بحر عكّا الذي يطلّ عليه من علٍ أهلُ ترشيحا مسقط أهل زينة آغا، وفي الشرفة السادسة تدوِّن مسرى طفولتها وصباها من 1951 إلى 1970 سنوات سماعها حكايات الزيتون والكروم ترويها لها جدّتها، فما أن أُبعِدَ أبوها حتى غاب الدفء والحنان، وبدتْ لها مدرستها سجناً فأظلمَ الكون في عينيها، وتفوّقتْ في تحصيل علومها ومن هناك انطلقت إلى رحابة الشرفة السابعة حيث فراشات في الأُفق لوّحت لها، فكان زواجها وسفرٌ إلى الإمارات ومن هناك إلى شرفة العمل والأمل بفجر جديد. وعن مفهوم الحبّ تطلّ زينة آغا من الشرفة التاسعة، فتدرك انّه قطعٌ نادر في غياب وطن ودفء البيت العتيق، ومن شرفتها العاشرة تطلبُ من ولدِها البكر أن يعيدَ تشكيلَ صمتها، فالنور لا يخفتُ وإنْ صَمَتْ.
من باقي الشرفات التسع في روايتها بوح القواير تطلّ زينة آغا على نواحي تجاربها الحياتيّة، نثراً وشعراً، فتسردُ قصصَ أولادها الخمسة، وقضائها فصل الصيف في لبنان، فهي أحبّت لبنان صادقة، إذ علا لديها صوت فيروز على أزيز الرصاص، فكانت جباله تصافح الغيمَ وتردّ إليها عافيتَها. وإثر فاجعة غزّة الأخيرة أدركتْ أن المجتمع الدولي لهو مقبرة الكلمات، فتعود بذاكرتها إلى المخيم زمن طفولتها الأُولى تُسطّرُ أفكارها في ضوء فانوس، ثمّ رسائل من مقهى في شارع الحمرا وقصصاً في دبي وخواطر في بريطانيه، وهذا سرُّها الدفين أنّها بقيتْ شامخةً بحلمها وصامدة كزيتونة، فبقيتْ نوراً نافذاً من زجاج تكسّرَ، إذ قاومتْ وأحبّتْ وصدقتْ وبقيت هنا روايةَ سيرةٍ ذاتيّةٍ تتوهّج بحرارة أسلوب رومنسي رمزي يضفي على محتواها المُلتزم قالب الحنين إلى زمن ولّى وإلى غدٍ واعد.



