سجلوا عندكم

لبنان… من مؤتمر يالطا إلى تدمير الجنوب

Views: 72

د. رمزي صالحة

هناك لحظات في التاريخ تبدو فيها الأحداث متفرقة، لكن الزمن يكشف لاحقًا أنها كانت فصولًا من رواية واحدة. وما نراه اليوم في أوكرانيا، والشرق الأوسط، وبحر الصين الجنوبي، ليس ثلاثة صراعات مستقلة، بل ثلاثة وجوه لصراع يطرح سؤالًا واحدًا: من سيكتب قواعد النظام الدولي في القرن الحادي والعشرين؟

لا يكفي، لفهم هذه اللحظة، أن نبدأ من الحرب الدائرة اليوم، بل ينبغي أن نعود إلى شتاء عام 1945، عندما اجتمع قادة الولايات المتحدة وبريطانيا والاتحاد السوفييتي في مؤتمر يالطا. حينها لم تُرسم حدود أوروبا فحسب، بل وُضعت الأسس لنظام عالمي استمر لنصف قرن، قائمًا على توازن بين قوتين عظميين، لكل منهما مجاله الحيوي، بينما بقيت مناطق واسعة من العالم مسارح للصراع غير المباشر بينهما.

ثم جاءت أزمة السويس لتعلن بداية نهاية عصر الإمبراطوريات التقليدية. لم يكن انسحاب بريطانيا وفرنسا من مصر هزيمة عسكرية بقدر ما كان إعلانًا بأن مركز القرار الدولي انتقل نهائيًا إلى واشنطن وموسكو. أدرك العالم يومها أن من يملك القوة الاقتصادية والعسكرية يملك الكلمة الأخيرة، وأن الشرق الأوسط لم يعد مجرد منطقة نفوذ، بل أصبح ركنًا أساسيًا في معادلة الأمن العالمي.

وحين انهار الاتحاد السوفييتي، بدا وكأن التاريخ توقف. وللمرة الأولى منذ قرون، وجدت الولايات المتحدة نفسها القوة الوحيدة القادرة على إدارة العالم. لم يعد هناك منافس لها، ولا تحالف يحد من حركتها. وتحدث كثيرون عن “نهاية التاريخ”، وكأن الليبرالية الغربية أصبحت القدر النهائي للبشرية. لكن التاريخ، كعادته، كان أكثر صبرًا من منظّريه.

ففي الوقت الذي كانت فيه واشنطن تخوض حروبها في البلقان، ثم في أفغانستان والعراق، كانت الصين تبني مشروعًا مختلفًا؛ لا يقوم على احتلال الأراضي، بل على احتلال الأسواق، ولا على القواعد العسكرية وحدها، بل على المصانع والموانئ وسلاسل الإمداد والتكنولوجيا. وعندما خرجت بكين لتعلن مبادرة “الحزام والطريق”، لم تكن تطرح مشروعًا اقتصاديًا فحسب، بل كانت ترسم خطوط نظام دولي جديد.

وهنا عاد التاريخ ليستحضر ما وصفه المؤرخ الإغريقي ثيوسيديدس قبل أكثر من ألفي عام: عندما تصعد قوة جديدة، ويشعر صاحب الهيمنة بأن الزمن لم يعد يعمل لمصلحته، يصبح الخوف نفسه عاملًا يصنع الأزمات. ليست الحرب قدرًا محتومًا، لكنها تصبح أكثر احتمالًا لأن كل طرف يخشى أن يمنح الآخر فرصة إضافية لتغيير ميزان القوة.

من هذا المنظور، تبدو أوكرانيا أكثر من حرب أوروبية، وتايوان أكثر من جزيرة آسيوية، والشرق الأوسط أكثر من نزاع إقليمي. إنها جميعًا ساحات تتقاطع فيها إرادات القوى الكبرى وهي تختبر حدود بعضها البعض دون أن تدخل، حتى الآن، في مواجهة مباشرة.

وسط هذا المشهد، تبدو إيران رقمًا يتجاوز حدودها الجغرافية. فهي ليست مجرد دولة تواجه ضغوطًا أمريكية، بل حلقة في شبكة إقليمية ترى واشنطن أن تقليص نفوذها ضروري للحفاظ على توازنات ما بعد الحرب الباردة، بينما ترى قوى أخرى أن بقاءها جزء من إعادة تشكيل النظام الدولي. ومن هنا يكتسب لبنان أهمية استثنائية.

فالجنوب لم يعد مجرد خط تماس بين دولتين، بل أصبح عقدة تتقاطع عندها حسابات الردع الإقليمية مع حسابات التنافس العالمي. ولذلك، فإن كل محاولة لفصل لبنان عن محيطه تصطدم برؤية مقابلة تعتبر أن موقعه جزء لا يتجزأ من توازنات المنطقة.

وهكذا يتحول بلد صغير، اعتاد العالم أن يصفه بالهامش، إلى بوابة. ليست بوابة إلى الحرب وحدها، بل إلى فهم طبيعة الصراع نفسه.

فإذا كانت واشنطن تنظر إلى استقرار الشرق الأوسط باعتباره شرطًا للتفرغ للمنافسة الكبرى مع الصين، فإن القوى المناوئة لها ترى أن استنزاف الولايات المتحدة في أكثر من ساحة يقلص قدرتها على الحفاظ على موقعها العالمي. وبين هذين المنظورين، يصبح كل تطور في الجنوب اللبناني أكبر من حجمه العسكري المباشر. لكن التاريخ يقدم تحذيرًا آخر.

ففي عام 1914، لم يكن أحد يتوقع أن رصاصات سراييفو ستفتح أبواب حرب عالمية. وفي عام 1956، لم يدرك كثيرون أن أزمة السويس أعلنت أفول إمبراطوريتين. وفي عام 1991، ظن العالم أن سقوط الاتحاد السوفييتي سيمنح البشرية زمنًا طويلًا من الاستقرار، فإذا بالعقود التالية تكشف أن الفراغ الذي تتركه الإمبراطوريات لا يبقى فراغًا، بل تمتلئ مساحته بقوى جديدة. ولهذا، فإن السؤال الحقيقي ليس: هل ستندلع حرب أوسع في المنطقة؟ والسؤال الأعمق هو: هل نشهد مخاض الانتقال من نظام دولي وُلد في يالطا إلى نظام آخر لم تتضح ملامحه بعد؟

الترجيح الأقرب أن العالم سيدخل مرحلة طويلة من إعادة توزيع القوة، لا عبر معركة فاصلة، بل عبر سلسلة من الأزمات المتصلة: تفاوض يتخلله تصعيد، وردع يتخلله اختبار، وتسويات مؤقتة تؤجل الحسم ولا تلغيه. وفي هذه المرحلة، سيظل لبنان، بما يمثله جنوبه من وزن في معادلات الردع، أكثر من مجرد ساحة محلية. سيبقى مرآة تعكس تحولات أوسع، ونقطة التقاء بين التاريخ والجغرافيا، وبين إرادة القوى الكبرى وحقائق الميدان.

إن الأمم الصغيرة لا تختار دائمًا أن تكون في قلب التاريخ، لكن التاريخ كثيرًا ما يختارها. ويجد لبنان نفسه، مرة أخرى، في تلك البقعة الضيقة التي تتقاطع عندها خرائط الأمس مع خرائط الغد، حيث لا يُرسم مستقبل الجنوب وحده، بل تُختبر أيضًا ملامح العالم الذي يتشكل أمام أعيننا.

والمستقبل المنظور؟ إذا صحّ أن الأمم الصغيرة لا تختار دائمًا أن تكون في قلب التاريخ، فإن السؤال الذي يفرض نفسه ليس ما إذا كان لبنان سيخرج من هذا الصراع، بل أيُّ عالم سيخرج هو من رحم هذا الصراع. قد يبدو نصف قرن زمنًا طويلًا في حسابات السياسة اليومية، لكنه في حسابات التاريخ ليس سوى فصل واحد. وبين يالطا عام 1945 وسقوط الاتحاد السوفييتي عام 1991 لم تمضِ سوى ستة وأربعين سنة. وبين أزمة السويس عام 1956 وسقوط جدار برلين عام 1989 ثلاثة وثلاثون عامًا فقط. والتاريخ يعلمنا أن النظام الدولي لا يتغير دفعة واحدة، بل يتآكل ببطء، ثم ينهار فجأة. لذلك، فإن العقود الخمسة المقبلة لن تكون مجرد امتداد لما نعرفه اليوم، بل مرحلة انتقال من عالم إلى آخر.

لن يكون الصراع القادم صراع جيوش فحسب، بل صراع أنظمة اقتصادية، وعملات، وذكاء اصطناعي، وأشباه موصلات، وبيانات، وفضاء إلكتروني، وفضاء خارجي، وممرات بحرية، وسلاسل إمداد. وستصبح السيطرة على الخوارزميات لا تقل أهمية عن السيطرة على حقول النفط، وربما تتجاوزها.

ومع ذلك، سيبقى الشرق الأوسط حاضرًا في قلب المشهد، لأن الجغرافيا لا تتقاعد. فمضيق هرمز، وباب المندب، وقناة السويس، وشرق المتوسط، ليست مجرد أسماء على الخرائط، بل شرايين الاقتصاد العالمي. ومن يضمن أمن هذه الممرات، يمتلك ورقة تفاوض لا تمنحها التكنولوجيا وحدها.

أما الولايات المتحدة، فمن المرجح أن تبقى قوة عظمى لعقود مقبلة، لكن ليس بالهيمنة المطلقة التي عرفها العالم بعد عام 1991. وستواجه التحدي الذي واجه كل الإمبراطوريات قبلها: كيف تحافظ على نفوذ عالمي بينما تتراجع حصتها النسبية من القوة الاقتصادية والديموغرافية؟ وفي المقابل، ستواصل الصين الصعود، لكن صعودها لن يكون بلا أثمان. فالشيخوخة السكانية، وضغوط النمو، والمنافسة التكنولوجية، واحتمالات الاحتكاك في محيطها الإقليمي، ستجعل طريقها إلى القمة أكثر تعقيدًا مما يبدو اليوم. ولن تكون روسيا، ولا الهند، ولا أوروبا، ولا القوى الإقليمية، مجرد متفرجين. بل سيشهد العالم تعددًا متزايدًا لمراكز القوة، بحيث يصبح اتخاذ القرار الدولي أكثر تعقيدًا، وأكثر اعتمادًا على التوافقات المؤقتة من التحالفات الدائمة.

وفي هذا العالم، ستتغير طبيعة الحروب نفسها. لن تختفي الدبابات والصواريخ، لكنها ستصبح جزءًا من منظومة أوسع، يكون فيها الهجوم الإلكتروني، والتضليل الإعلامي، والعقوبات المالية، والحصار التكنولوجي، والهجرة، وحتى المناخ، أدواتٍ للصراع لا تقل أثرًا عن السلاح التقليدي. وقد يصبح تعطيل شبكة كهرباء مدينة كاملة أخطر من احتلالها، وإسقاط منظومة مالية أشد أثرًا من تدمير مصنع، والسيطرة على تدفق المعلومات أكثر حسمًا من السيطرة على المرتفعات العسكرية.

أما الشرق الأوسط، فمن المرجح أن يبقى مختبرًا لهذا التحول. فكلما تراجع الاعتماد العالمي على النفط، ازدادت أهمية الموقع الجغرافي الذي يربط آسيا بأوروبا وإفريقيا. وستتحول المنطقة تدريجيًا من خزان للطاقة إلى عقدة للنقل البحري والرقمي واللوجستي، وهو تحول قد يجعل التنافس عليها أكثر تعقيدًا، لا أقل. ويبقى السؤال الأصعب: ماذا عن لبنان؟

إذا بقي لبنان أسير الانقسامات الداخلية بعقلياتها المتخلفة، فسوف يظل ساحة تتقاطع فيها مصالح الآخرين. أما إذا استطاع بناء دولة قادرة ومؤسسات مستقرة واقتصاد منتج، فقد يتحول من ساحة للصراع إلى جسر بين المتنافسين، مستفيدًا من موقعه، وتعليمه، وطاقاته البشرية، كما فعلت دول صغيرة كثيرة حين أحسنت قراءة التحولات الكبرى. ولعل أخطر ما يمكن أن يحدث في العقود القادمة ليس اندلاع حرب عالمية ثالثة بالشكل الذي عرفه القرن العشرون، بل استمرار حالة “السلام المسلح”؛ عالم لا يعيش حربًا شاملة، ولا يعرف سلامًا دائمًا، بل يتحرك بين أزمات متلاحقة، وتسويات مؤقتة، وتوازنات قابلة للاهتزاز في أي لحظة.

والتاريخ يوحي بأن النظام الدولي الجديد لن يولد في مؤتمر واحد، كما وُلد نظام يالطا، بل سيتشكل تدريجيًا، عبر عشرات الأزمات التي ستعيد توزيع القوة قطعةً بعد أخرى، حتى يكتشف العالم، بعد سنوات طويلة، أنه أصبح يعيش في نظام مختلف من دون أن يحدد أحد يومًا رسميًا لميلاده. وهكذا، فإن السؤال الذي سيواجه المؤرخ بعد خمسين عامًا لن يكون: من ربح معركة هنا أو هناك؟ بل سيكون: في أي لحظة أدرك العالم أن القرن الأمريكي لم يعد وحده، وأن القرن الجديد لم يولد بانفجار واحد، بل وُلد من تراكم أزماتٍ امتدت من أوكرانيا إلى بحر الصين، ومن غزة إلى جنوب لبنان، حتى أعادت كتابة ميزان القوة العالمي من جديد.

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *