يوم أصبحت الدولة وسيلة، والحزب غاية…..
د. زهير علامة
ليس أصعب على الإنسان من أن يرى وطنه يُذبح كل يوم، بينما يتنافس من يفترض أنهم حُماته على اقتسام ما تبقى من جسده.
لقد آن الأوان لأن تُقال الحقيقة كما هي، بلا تجميل، وبلا خوف، وبلا مجاملات. فلبنان لم يسقط لأن أرضه فقيرة، ولا لأن شعبه عاجز، ولا لأن الله تخلى عنه، بل لأن طبقته السياسية، ومعظم أحزابه، فشلت في أداء أقدس واجب وطني: حماية الدولة وصيانة استقلال قرارها وبناء مؤسساتها.
التاريخ لا يرحم، وسيكتب أن لبنان لم يُهزم أمام أعدائه بقدر ما أُنهك من الداخل. لقد كان يفترض بالأحزاب أن تكون حصن الوطن، فإذا بكثير منها يتحول إلى عبء عليه. كان يفترض بها أن تواجه المؤامرات، فإذا بلبنان يغرق في دوامة الصراعات والانقسامات والتجاذبات التي جعلت الدولة الحلقة الأضعف دائماً.
كل الدول تُستهدف، وكل الدول تتعرض لضغوط، لكن الدول الحقيقية تُقاتل من أجل سيادتها بوحدة مؤسساتها، لا بتفتيت مجتمعها، ولا بتحويل الانتماء السياسي والطائفي إلى ولاء يتقدم على الانتماء للوطن.
لقد ارتُكبت الخطيئة الكبرى يوم أصبحت الدولة وسيلة، والحزب غاية. يوم صار المواطن مجرد رقم في صندوق الاقتراع، ثم يُترك وحيداً يواجه الفقر، والمرض، والبطالة، والهجرة، وانهيار العملة، وانهيار القضاء، وانهيار الثقة بكل شيء.
ولا يمكن لأي حديث صادق عن بناء الدولة أن يتجاهل قضية السلاح الخارج عن سلطتها. فاحتكار الدولة وحدها لقرار الحرب والسلم ليس ترفاً دستورياً، بل هو جوهر وجودها. وعندما يمتلك أي حزب، مهما كانت مبرراته أو تاريخه، قوةً عسكرية مستقلة وقدرةً على فرض معادلاته السياسية والأمنية، تصبح مؤسسات الدولة عاجزة عن ممارسة كامل صلاحياتها، ويصبح القرار الوطني عرضة للازدواجية والتعطيل.
لقد شكّل سلاح حزب الله، بما يمثله من قوة مستقلة عن المؤسسة العسكرية الرسمية، أحد أبرز عناصر الانقسام الداخلي خلال العقود الماضية. فوجود قرار عسكري وأمني خارج الإطار الدستوري أثّر في قدرة الدولة على بسط سيادتها الكاملة، وألقى بظلاله على الحياة السياسية، وعلى عمل الحكومات، وعلى علاقة لبنان بمحيطه العربي والمجتمع الدولي. ومهما اختلفت المواقف من دور الحزب أو دوافعه، فإن الدولة الحديثة لا يمكن أن تستقيم بوجود مرجعيتين للسلاح أو قرارين في القضايا المصيرية.
إن الدفاع عن لبنان مسؤولية وطنية جامعة، لكن هذه المسؤولية لا تكتمل إلا من خلال جيش واحد، ومؤسسات واحدة، ودستور واحد، وقرار سيادي واحد. فلا دولة قوية بسلاحين، ولا سيادة مع تعدد مراكز القرار، ولا استقرار دائم إذا بقيت المصلحة الوطنية رهينة موازين القوى الحزبية أو الحسابات الإقليمية.
كم مرة طُلب من اللبناني أن يصبر؟ وكم مرة قيل له إن الخطر الخارجي يفرض السكوت عن الأخطاء الداخلية؟ لكن الحقيقة المؤلمة أن الوطن لا يسقط بالمؤامرات وحدها، بل يسقط عندما يعجز قادته عن الارتفاع إلى مستوى المسؤولية الوطنية.
لقد تحولت السياسة، في كثير من الأحيان، من رسالة لخدمة الإنسان إلى صناعة للأزمات. ومن مشروع لبناء الدولة إلى مشروع لإدامة النفوذ. ومن منافسة على تقديم الحلول إلى منافسة على احتكار الحقيقة واحتكار الوطنية.
لا أحد يحتكر الوطنية… ولا حزب يملك صكوك الانتماء إلى لبنان.
الوطنية تُقاس بما تُنجزه للدولة، لا بما ترفعه من شعارات. تُقاس بعدالة القضاء، وقوة المؤسسات، ونزاهة الإدارة، وكرامة المواطن، لا بعدد الرايات والخطب والمهرجانات.
لقد دفع اللبنانيون أثماناً لا تُحصى. خسروا أبناءهم في الحروب، ومدخراتهم في الانهيار المالي، وأحلام شبابهم في الهجرة، وثقتهم بكل المنظومة السياسية. ومع ذلك، ما زالت لغة المكابرة تطغى على لغة المراجعة، وكأن شيئاً لم يحدث.
أيها السادة…
ليس العيب أن تُخطئ الأحزاب، فالخطأ جزء من العمل السياسي. لكن العيب أن تُكرر الأخطاء نفسها لعقود، ثم تطلب من الشعب أن يصفق لها، وأن يصدق أن الخراب قدر، وأن المسؤول دائماً على حق، وفوق اي محاسبة.
إن أي حزب لا يراجع نفسه بعد كل هذه الكوارث، إنما يحكم على نفسه بالعجز قبل أن يحكم عليه الناس. وأي قيادة لا تمتلك شجاعة الاعتراف بالأخطاء وتصحيحها، لا تمتلك أيضاً القدرة على صناعة المستقبل.
لقد تعب اللبنانيون من قادة يطلبون الولاء أكثر مما يقدمون الإنجاز. وتعبوا من خطابات الانتصار فيما الوطن ينكسر. وتعبوا من شعارات الكرامة فيما المواطن يفقد كرامته على أبواب المستشفيات، وفي طوابير المصارف، وفي مطارات الهجرة.
إن لبنان لا يحتاج إلى مزيد من الأبطال الأسطوريين، بل إلى رجال ونساء دولة، يؤمنون بأن الوطن أكبر من الحزب، والدستور أكبر من القادة، والقانون أكبر من الجميع.
وإذا كانت الأحزاب تريد أن تستمر، فعليها أن تقوم بثورة على ذاتها، وأن تُسقط ثقافة العصمة، وأن تستبدل منطق الغلبة بمنطق الدولة، ومنطق المحاصصة بمنطق الكفاءة، ومنطق الولاءات بمنطق المواطنة.
أما إذا بقيت أسيرة الحسابات نفسها، والخطابات نفسها، والانقسامات نفسها، فإنها لن تخسر الانتخابات فقط، بل ستخسر مكانها في ذاكرة اللبنانيين، لأن الشعوب قد تصبر، لكنها لا تمنح البراءة الأبدية لمن يكرر الفشل.
لبنان ليس مزرعة لأحد، وليس جائزة تُمنح لمن يربح معركة سياسية، وليس صندوق بريد تتبادل عبره القوى الخارجية رسائلها. لبنان وطنٌ يستحق أن يُدار بعقل الدولة، لا بعقل المحاور، وأن يُبنى بالإنتاج، لا بالشعارات، وبالمؤسسات، لا بالأشخاص.
لقد تعب هذا الوطن…
وتعب شعبه…
وحان الوقت لأن تفهم جميع القوى السياسية أن التاريخ بدأ يكتب الصفحة الأخيرة من مرحلة كاملة، وأن الأجيال القادمة لن تسأل من ربح جولةً سياسية، بل ستسأل سؤالاً واحداً:
عندما كان لبنان ينهار… أين كنتم؟ وماذا فعلتم لإنقاذه؟
لقد آن الأوان لأن تدرك جميع القوى السياسية، وفي مقدمتها تلك التي تمتلك نفوذاً يتجاوز مؤسسات الدولة، أن مستقبل لبنان لا يُبنى بمنطق الغلبة، ولا بالوصايات، ولا بالسلاح، ولا بتعطيل المؤسسات، بل بدولة عادلة تحتكر وحدها القوة الشرعية، ويخضع فيها الجميع، دون استثناء، للدستور والقانون.
فلبنان لن ينهض ما دام الولاء للحزب يتقدم على الولاء للدولة، وما دام قرار اللبنانيين موزعاً بين الداخل والخارج. ولن تستعيد الجمهورية هيبتها إلا عندما يصبح الجيش وحده صاحب السلاح الشرعي، وتصبح المؤسسات وحدها صاحبة القرار، ويصبح المواطن وحده غاية الدولة، لا وقوداً لصراعاتها.
عندها فقط يمكن أن يبدأ لبنان رحلة الخلاص، لا بانتصار فريق على آخر، بل بانتصار الدولة على منطق الدويلات، وانتصار المواطنة على العصبية، وانتصار القانون على موازين القوة.



