سجلوا عندكم

في دواة الوادي: كتاب خالد

Views: 113

مكرم غصوب

تحت السنديانة التي لم يبق إلّا ظلّها من ذاكرة طفولتي، هناك حيث أراد أن تتفيّأ عظامه في ظلّها أبد الدهر، وقفت في منتصف الليل وطرقت باب المقبرة. سمعت صوتاً آتياً من الأعماق يسأل : ” من الطارق؟” أجبت: “أنا الطارق” وأكملت: “أبحث عن خالد”، “خالد في الوادي” قال وتابع بصوت خافت ” هنا مثوى الرماد…رماد الراحلين” قبل أن يختفي الصوت في أعماقي…

قصدت الوادي عند الفجر، وفي منتصف النهار، وفي الغروب كما كان يفعل الرسّام مصطفى فروّخ ملوّنا ريشته بجماله العميق، ووقفت على الصخرة، في ظلّ صنوبرة سامقة، فوق الهاوية السحيقة، التي تنتهي إلى ضفّة نهر مزدانة بالحور والدفلى، تظلّل مياهاً تفيض وتثور وتتجدّد، ثم تجري هادئة، لتسقي في الساحل البساتين. وتطلّعت إلى الشمس ولعبنا مع الضباب لعبة الاختفاء/الظهور، فشعرت أنّ المدى كتاب والعين ريشة حبرها النور.

هناك، على كتف وادي الفريكة، حيث وقف ذلك الشابّ في العام 1907، عائداً من نيويورك، يحمل الكتب الأدبيّة، لا السندات الماليّة واتّخذ الوادي منسكاً له، فبنى معبداً فيه، أو حسب معبداً كلّ مشهد من مشاهده، بل كلّ مكان يقف فيه القلب مبتهجاً، والفكر مستوحياً والروح خاشعة مطمئنة.

 

هناك، حيث أحبّت مي زياده أن تستشف مواطن الوحي، بعد ان طالعت “الريحانيات” وأعجبت بمقال “وادي الفريكة”، لاسيّما قوله :” روح الوادي تجسّدت فيّ وروحي تجسّدت في الوادي فأنا إذن والوادي سواء.” فرافقت أمين في وعر من الطريق إلى تلك الصخرة التي أوى إلى غار فيها ساعة داهمته العاصفة، وكانت يومها فتاة دون العشرين من سنّها. قبل أن تعود لتسكن على تخوم الوادي الشافي، في صيف 1938، منزلاً استأجره لها، يفصله عن منزله ممرّ من الياسمين. منزل، أمضت فيه أجمل أيّامها بعد محنة سجنها في “العصفوريّة” زوراً، وكان للريحانيّ دور أساسيّ في إخراجها من مستشفى المجانين وإعادتها إلى الحياة.

هناك، حيث حلّقت روحه مع روح جبران خليل جبران وطارتا مسرعتين كما يطير السنونو والحسّون في الأيّام التي تقف حائرة بين الخريف والشتاء من العام 1912، بعد أن طلب منه جبران أن يذكره في وادي الفريكة كي يهوّن عليه عذاب المنفى ويخفّف عنه ألم المهجر والبعاد. الريحاني وواديه، الحاضرين في كتاب “النبي” لجبران، يوم تكلّم هذا الأخير على العطاء قائلاً: “وهنالك الذين يعطون ولا يعرفون معنى للألم في عطائهم، ولا يتطلبون فرحًا، ولا يرغبون في إذاعة فضائلهم، هؤلاء يعطون مما عندهم كما يعطي الريحان عبير العطر في ذلك الوادي! بمثل أيدي هؤلاء يتكلم الله، ومن خلال عيونهم يبتسم على الأرض!”

هناك، حيث بدأ ذلك الشاب “الختيار”، في العام 1937، رحلته في “قلب لبنان”، كتابه الأخير غير المنتهي، الممتلئ بالماء والنور، المفتوح أبداً على البحر، الذي أراده أن يبدأ في رحلته الأولى من وادي الفريكة ويتجدّد في رحلته الأخيرة، الرحلة رقم 17، بـ “وادي الفريكة”. ذلك الوادي المهيب الجميل العميق، كثير الزوايا والأسرار كما الفلسفة، كم يشبه “خالد” بنهره المتدّفق الثائر الحيّ وجسوره العتيقة التاريخيّة المتجّذرة في الوجدان. كم يشبه “خالد” بكلمته الموقف، الثابتة كالجسر والمتجدّدة كالنهر.

 

ولد أمين الريحانيّ ثائراً، فالابن البكر “للكرنجي الخواجة فارس الريحّاني” صاحب معمل الحرير في الفريكة والمنزل الكبير والخدم والحشم، لم تبهجه الأبهة ولم يغمّه ضياعها، ولا حتّى اللعب السائد مع أولاد القرية الذي كان ينتهي بالتلاسن والتقاتل. كان هذا الطفل الشقي، رغم توسّلات والدته كي يعود، يمضي أوقاته في الوادي، في الصيف وفي الشتاء تحت الامطار، في الفلاة، في الحقول، يتسلّق الصخور، يقفز فوق الدكّات، في ظلال الصنوبر والزيتون، يتأمل الزهور والطيور ويباري الرعاة والفلّاحين والحطّابين.

رغم شقاوته، أبى هذا الطفل إلّا أن يتعلّم بجدّ وجديّة، فبدأ دروسه الابتدائيّة على يد معلّم القرية أمام كنيسة مار مارون المجاورة لمنزله شتاء، وتحت زيتونة هرمة قرب العين في الوادي خريفاً وربيعاً قبل أن ينتقل إلى مدرسة نعوم مكرزل إبن ضيعته، الذي أسس، في ما بعد مع شقيقه سلّوم، في الولايات المتّحدة، جريدة “الهدى”، وتزوّج “سعدا” شقيقة أمين في العام 1904.

أنشأ نعوم مكرزل مدرسته في قرية عين عار المجاورة ثم نقلها إلى دير مار جرجس بحردق، على التلّة المشرفة _كما يعني اسمها باللغة السريانيّة_ الواقعة بين قريتي الفريكة والشاوية. وكان أمين الأول في الصف، حتّى ذلك اليوم الذي صودف فيه مرور أحد القناصل بعين عار، فنظم نعوم قصيدة في مدحه واختار الطالب المميّز لإلقائها، فأعجب القنصل بأمين ووعده بأن يصطحبه إلى بلاده ليتعلّم في مدارسها. بعد الفوز المبين، اعترى الطفل العاقل البار شيء من الزهو، فصار “كبير الرأس” قليل الدرس، وقاصصه استاذه على تراجعه بضربه بالمسطرة على رؤوس أنامله.

 

ولم يكتف نعوم بذلك القصاص، فدعاه مرّة إلى اللوح الأسود طالباً منه أن يكتب بالطبشورة وقال “اكتب الحمار” فكتب كما أراد، ثم أكمل: “اكتب أمين” فكتب “نعوم” فضحك التلاميذ واستشاط نعوم غيظاً. لم يكن ثأر أمين من نعوم إلا بداية موقف ثائر على التلقين والانصياع الأعمى والخضوع للإملاء دون تفكير ونقد وتحليل، موقف قال فيه كلمته ومشى.

استمرّت ثورة أمين هذه، بعد الهجرة إلى نيويورك نتيجة تراجع صناعة الحرير في جبل لبنان، فأراد نفسه للعلم والمعرفة. وبعد أن عرف لأوّل مرّة معنى الدروس النظاميّة في مدرسة الراهبات في نيوبورغ، اضطر في العام 1890 أن يغادر المدرسة ويلتحق بعمل والده في بيع الأقمشة كمحاسب ومراسل تجاريّ. لكنّه أصرّ على التعلّم والتثقّف الذاتي وقرّر أن يتابع دروسه على نفسه، عبر المطالعات المكثّفة الليليّة في الكتب المستعملة التي كان يشتريها من المكتبات ويحرقها خالد بعد قراءتها، شفقة عليها وحفاظاً على كبريائها متسائلاً كيف يعامل صديق بهذه الطريقة؟ يهدى، يرمى أو يباع؟

كان عقب قراءة كتاب ودراسته، يطعمه للنار ويدفئ يديه فوق لهيبه أو يجعله وقيداً لطبخ طنجرة من المجدّرة، أكلته المفضّلة…حتى قرّر في يوم من الأيام أن يقنع “جيري العتقي” صاحب مكتبة بيع الكتب المستعملة، بأن يشعل الكراريس أمام الكنيسة أو بورصة الأسهم المجاورتين كتضحية إلى ربّ التجارة. ففي رأيه حرام أن يرقد مدفوناً ملوك الأدب وأمراؤه العباقرة مع العبيد والصعاليك، فالكتاب الذي يتوقّف عن تسليتنا أو إرشادنا أو إلهامنا ميت والحكمة والرأفة واللطف في حرق جثّته. ولم يكن حرق الكتب هذا إلّا ثورة من اجل كرامة الكلمة التي قالها ومشى.

 

لم تتوقف ثورة الأمين على مشيئة والده في تكريس كامل وقته للتجارة على التعلّم الذاتي، فقرّر أن يترك العمل معه نهائيّاً ويلتحق بفرقة هنري جويت للتمثيل في العام 1896 ويسافر معها إلى مدينة كانساس ويلعب أدواراً شكسبيريّة رئيسيّة كمكبث وهملت وعطيل ويرسم تلك الشخصيّات بعد تعلّمه الرسم على أستاذ خاص، محاولاً تثقيف أبناء أمّته في المهجرمن خلال المسرح لكن “الابن الضال” عاد إلى والده منكسراً بعد إعلان الفرقة إفلاسها ودخل معهد الحقوق في نيويورك ومكث فيه عاماً واحداً قبل أن يعود إلى لبنان في صيف 1898 للاستشفاء من داء العصبي الذي ألمّ به.

تعلّم العربيّة في مدرسة مار يوسف التابعة لأبرشية قبرص، في قرنة شهوان وعلّم فيها الإنكليزيّة وتعرّف، في تلك السنة التي أمضاها في لبنان، على أبي العلاء المعرّي وعقلانيّته ونزعته التحرّريّة، ليعود إلى الولايات المتّحدة فيّاضاً كذلك النهر النابع من صنين، منتفضاً على الأفكار الجامدة في الدين ومظاهره الكاذبة، متمسكاً بجوهره العميق واتجاهه الارتقائيّ فيصدر كتابه الأول في العام 1902 “نبذة في الثورة الفرنسية”، وينشر “المحالفة الثلاثيّة في المملكة الحيوانيّة” في العام 1903 المسرحية التي وضع رسوم شخصياتها المتمثّلة بالحمير والبغال والأحصنة وصوّر نفسه على هيئة ثعلب يعارض هذه المحالفة العقائديّة بين الطوائف ويدعو إلى مناقشة المعتقدات والخرافات ونقدها فيتّهم بالإلحاد ويحكم عليه بالإعدام…تعدّدت الإشاعات حول هذا الكتاب في لبنان، وانتشرت بين الناس الذين لا يقرأون، فراح ذوو الغيرة على الدين يهيجون الناس على الكاتب الذي اتّهم بالكفر فاستجاب الأسقف لمطالبهم وأصدر “حرماً كبيراً رهيباً” يمنع فيه أمين فارس الريحاني القاطن في الفريكة بأبرشيّة قبرص من قبول الأسرار الكنسيّة ومن شركة المؤمنين ومخالطتهم أو بالحريّ يمنع المؤمنين من مخالطته. بالنسبة لأمين جاء هذا الحرم في وقته ومحلّه فكتب إلى الأسقف يشكره وإلى أهل الفريكة يحضّهم على إطاعة أسقفهم، فهو، وبعد عودته إلى الفريكة في العام 1904 كان شديد التمسّك بقواعد التنسّك في “أبرشيّة الفريكة”، أبرشيته الحقيقيّة في الوادي التي كتب عنها في “الريحانيّات”.

 

ولكنّه قبل عودته في ذلك العام أكمل ثورته بإصدار كتابه القصصي “المكاري والكاهن”، الذي حمّله آراءه المتحرّرة في الطقوس والتقاليد الدينيّة وانتقاده لرجال الدين، بعد ما ترجّم إلى الإنكليزيّة مختارات رباعيّة من أبي العلاء شعراً.

تجلّت ثورته هذه في “كتاب خالد”، الرواية العربيّة الأولى باللغة الإنكليزية، عندما قرّر خالد، ابن الأرض المقدّسة الأصيل، أن يحرق كشّته والصلبان التذكارات المزيّفة التي كان يبيعها للسيدات العجائز التقيّات في ضواحي نيويورك. ثار خالد على نفسه أولاً حين أدرك أنّ أصعب التحدّيات هو الصدق مع الذات ، وعلى تسليع المعنى والتجارة به ثانياً، فقال كلمته ومشى.

ملأ دواته بثورته التجديديّة، كما يملأ النهر ضفتّيه بالمياه فينبت بها جنّات. فنقد الشعر الباكي داعياً إلى الشعر الملتزم في كتابه “أنتم الشعراء” بعد ما كان أوّل من خطّت ريشته شعراً فلسفيّاً منثوراً باللغة العربيّة نشر في مجموعة “هتاف الاودية”، لكن نقلت ماري خوري إليه قولاً منسوباً إلى جبران في سهرة أدبيّة في منزلها، اعتبر فيه أنّ شعر الريحاني المنثور ممسوخ عن وولت ويتمن وأفكاره مسروقة عن مفكري القرن الثامن عشر في فرنسة، فأجابه ومكرميّه قبيل سفره إلى أوروبة أثناء الحرب العالمية الأولى قائلاً: “كنت أودّ أن لا أخاطر بالسفر إلى أوروبة، فإنّ المسافر إلى تلك البلاد في هذا الزمان العصيب يهزأ بالموت ويداعب الأخطار. فعليه أن يسدّد حسابه ويكتب وصيّته ويوّدع أصحابه غافراً مستغفراً. وقد فعلت وسأسلّم حياتي وشهرتي وكفري وأدبي “المسروق”_ وأنتم الليلة تكرّموني من أجله سامحكم اللهّ!_ سأسلّم ذلك كلّه إلى ربّان سفينة قد تذهب فريسة غواصات الألمان”. قال يومها كلمته ومشى.

 

ثار الريحانيّ، في الحرب العالميّة الأولى، على القتل والظلم والقوّة المفرغة من الحبّ والعدالة، وسافر إلى المكسيك يوم بلغه أن الجالية السوريّة فيه تميل إلى الألمان وتنوي التطوّع في الجيش التركي. ووضع هناك كتاباً بالانكليزيّة عنونه “رسائل موجّهة إلى العام سام” طالب فيه برفع تهمة الهويّة التركية عن السوريين مؤكّداً أنّهم شعب متحضّر يتوق إلى الحريّة والاستقلال. وعقد في مكسيكو اجتماعات عدّة وحاضر محارباً نيّة الانضمام إلى الجيش التركي ومظهّراً عواقبها على بلاده المستعبدة، فأفلح وجعل غالبيّة المغتربين ينضمّون إلى جمعية “سوريا وجبل لبنان” التي أنشأها لهذه الغاية ما دفع الحكومة المكسيكيّة إلى سجنه لمدّة أسبوعين ومن ثم اعتباره شخصاً “غير مرغوب فيه” في أراضيها وإبعاده.

لم تكن ثورة الريحاني على المحور إلّا امتداداً لثورته على العثمانيين محتلّي بلاده، التي بدأها بخطبة بعنوان “المدينة العظمى” ألقاها في حفل نظمّته جمعية طلبة العلم العثماني في العام 1909، في قاعة المسرح الجديد في بيروت، وحدّد فيها الإطار العام الذي يشكّل الحلم السياسي والاجتماعي برأيه، لأبناء الشرق والغرب على حدّ سواء، ثم أتبعها بمسرحية سياسيّة تحمل عنوان “عيد الحميد في سجن الأستانة” قدّمت في العام عينه على مسرح التياترو الكبير في بيروت، فقررت السلطنة على إثرها اعتقاله ومحاكمته بتهمة الإساءة إلى الباب العالي، فسافر إلى باريس حيث التقى بجبران “الروح القدس” المرفرف بجناحيه محاولاً الطيران و”بالابن” يوسف الحويك كما وصفهما الريحانيّ أثناء رحلة في عربة يجرّها حصان تاركاً لنفسه لقب “الآب” ويخبر الحويك أنّ الآب والروح القدس أرادا إشعال ثورة لإصلاح ما فسد في الكون. ثم سافرمع جبران إلى لندن مستكملين نضالهما لتحرير بلادهما، وكان يحمل في حقيبته مخطوط “كتاب خالد”، مسرحية “وجده wajdah” حول الإمام علي وحنينه إلى وادي الفريكة ما جعله يكتب في رسالة إلى صديقه سليم: “ساعود إلى وطني لأموت فيه، سأدفن في تربة زرعت فيها بذوري، فأحييها وازيدها صحّة ونموّاً”.

بعدها غادر الريحاني إلى نيويورك، حيث وافاه جبران في العام 1911 ليسكن معه في شقّته الواقعة في الشارع التاسع غرباً، فأشركه في نشاطه السياسي من أجل استقلال بلادهما، والذي بلغ ذروته في العام 1916، فأسّسا “لجنة إعانة المنكوبين في سوريا وجبل لبنان” وبعدها “رابطة تحرير سوريا وجبل لبنان” مع أيوب تابت وميخائيل نعيمه وإيليا أبو ماضي وغيرهم.

 

لم يبك الريحاني على ضحايا المجاعة في بلاده أثناء الحرب ولا على الأطلال، بل حاول مع صحبه أن يخفف عمليّاً من ضراوة المأساة، فوجّه نداءً إلى المغتربين يستحثّهم على التبرّع لإنقاذ إخوانهم في الوطن، ويدعوهم لأن يصوموا ولو يوماً واحداً تضامناً معهم فيدفعوا ما يوفرونه فيه إعانة للمنكوبين من خلال اللجنة التي أسّسها مع جبران. أمّا هو فقد صام عن الأكل والشرب والتدخين يومين كاملين رغم اعتلال صحّته. أثناء مروره في الشارع، في اليوم الثاني، ناداه مطعم عرضت في واجهته أنواع من الخبز والكعك والحلوى، فوقف “أمام الزجاج الحائل دونه وتلك الجنّة” ناسياً حاله يتحلّب اللعاب في فمه فيغصّ بمرارة مذاقه وهو يتصوّر الأطفال في بلاده يُحتضرون جوعاً.

تابع الريحاني ثورته من أجل تحرير بلاده، منجزاً كتاب سياسي لم ينشر بعنوان “تركيا والإسلام في الحرب”. ولكن دعمه للحلفاء لم يحل دون ثورته على فرنسا المنتصرة التي احتلّت بلاده، ملقياً الخطب محرّضاً على الفرنسيين وعلى نظام الانتداب، فأصدر في العام 1928 كتابين الأول بعنوان “النكبات” عرض من خلاله الوجه المظلم من تاريخنا، والثاني بعنوان ” التطرّف والإصلاح” ضمّنه تأملاته الفكريّة وآراءه الثوريّة المتعلّقة بأوضاع الامّة وصراعها مع الاستعمار من جهة، ومع الجهل والفقر والعبوديّة من جهة أخرى. أمّا حفيظة الفرنسيين فلم تثر إلى بعد خطابه الذي ألقاه في العام 1933 في صالة الـ Grand Theatre في بيروت، بعنوان ” بين عهدين” ، وقارن فيه بين مظالم العهد العثماني واستبداد العهد الفرنسي، فأصدر على أثره المفوّض السامي الكونت ده مارتيل، قراراً اعتبر بموجبه الريحاني ” شخصاً غير مرغوب فيه”.
هذا الشخص “غير المرغوب فيه”، عرضت عليه فرنسا، تعيينه رئيساً للبنان فرفض ومن ثم لسوريا فرفض، وبعد إصرارها، أبدى الموافقة المشروطة، فسألته الدولة الفرنسية عن شرطه، فأجاب: “رحيلكم عن بلادنا”…قال يومها كلمته ومشى.

حين كان الريحاني يتمشّى في الفريكة، قال له والدي وكان طفلاً آنذاك:”بونجور عمّو أمين.” فسأله الريحاني: “ابن من أنت؟” ولمّا أجابه والدي أكمل فيلسوف الفريكة: “هذا يعني أنّك ابن هذه الأرض، لذلك يجب أن تتكلّم لغة وطنك الجميلة، قلّ صباح الخير أو حتّى مرحبا واترك للمحتلّ” بونجوره” علماً أنّ الريحاني كان يتقن اللغتين الفرنسية والانكليزية… ولكنّه كان يتقن الوطنية أيضاً. قبل أن يرحل دون أن يرحل من هذه الأرض، حضن والدي حفيدته الصغيرة، بعد أولاده، وكانت يومها بالكاد تتهجأ الكلمات وعلّمها بعد أن قالت له “بونجور جدو” أننا في وطننا نقول صباح الخير.

لم يكن الريحاني ضدّ تعلم لغات الآخرين وإتقانها، ولكنّه كان ضدّ التسليع والاستهلاك والتقليد والشعور بالدونيّة تجاه الغرب، كانت ثورته لبناء الجسور، بين الشرق والغرب، وكان يعلم تماماً أنّ هذه الجسور بحاجة إلى قواعد متينة متجذرة في الوجدان الوطني المصفّى من جهة وفي معرفة الآخر معرفة عميقة من جهة أخرى . كما كان يعلم أنّ الذين يريدون التجاوز والارتقاء، الذين يريدون السماء، يجب أن يبنوا الجسور وأن يكونوا الجسور، والذين يريدون العبور، عليهم اوّلاً تحطيم التماثيل، فمن حطامها تبنى الجسور.
فثورة خالد لم تكن إلّا حبّاً يتجسّد بالنقد حيناً وبالهدم أحياناً. الهدم من أجل الإصلاح والارتقاء وبناء جسور متينة بين الشرق والغرب ، بين العقل والوجدان، بين المادّة والروح، بين الإنسان والإنسان، أكان متحرّراً أم محافظاً.

وفي هذا السياق تتجلّى نظرته إلى المرأة كإنسان وليس كحاجة، محاولاً ربط الجسور بين قناعات أمّه المحافظة والنساء المتحرّرات اللواتي عرفهن. فاحترام الثائر على تسطيح الدين ومسخ مفاهيمه الارتقائيّة لإيمان أمّه النيئ كان احتراماً ناضجاً، شكّل قاعدة صلبة لجسر ربطه صداقة وعشقاً وزواجاً بنساء متحرّرات.

أمّ أمين التي كانت تصلّي وتنتظره في طفولته كي يعود سالماً من الوادي، صلّت وانتظرته في كبره كي يعود إلى إيمانه و”رشده”، وصلّت كي يعود سالماً من جولاته العالميّة إلى وادي الفريكة.

صلاة ارتبطت بحنين ، كان يشدّه، أينما حلّ، إلى حضنين، حضن أمّه ووادي الفريكة. يعود وينصب صيوانه على سطح بيته، يستقبل فيه “بطريركاً” أهل الفكر والأدب والفنّ، ويتنسّك فيه “راهباً” يكتب ويكتب ولا يملّ. هو الذي أراد مرّة أن يحقّق أمنية أمّه، فيدخل إلى الدير ترويضاً للروح، ويكون ولو لأسبوع واحد، مسيحيّاً تقيّاً، فيحبّ أعداءه، ويأكل معهم، وينام تحت سقفهم ويصلّي صلاته في الكنيسة، ولكنّه عاد وفضّل أن يتلو “صلاة النجوى” من على شرفته المطلّة على الوادي.

 

ولكن رئيسة “جمعية مريم العذراء” أي أخويّة المتعبّدات في الفريكة، أمّ امين، لم تفقد الامل، وفرضت عليه يوم أراد أن يقيم في المنزل حفلة رقص فولكلوري تشارك فيها بنات القرية، أن يدفع عشرة قروش لكلّ صبيّة مساعدة للجمعيّة، فوافق، حينها سألته أمّه كيف يخرج عن مبدئه هو الذي كان يأخذ عليهم جمع المال لمساعدة الكنيسة، فضحك وقال: لقد ربحت هذه المرة. هو الذي لم يأل جهداً كي يجعلها تربح وتفرح، فيلعب معها “الباصرة” و”يزعبر” و”يزرّك” ويلهو كالأطفال.

ونزل مرّة من أجلها إلى الوادي وقطف “أزهار المسيح” وحضر رتبة آلام “الجمعة العظيمة” في الكنيسة. وكتب رسالة عتاب إلى البطريرك أنطون عريضة، لمّا أراد هذا الأخير أن يجول في قضاء المتن مستثنياً الفريكة، فعدّل البطريرك برنامجه كي يبارك أم امين وبيتها ويأكل من طبخها المبارك. وكانت أمّه حاضرة في وجدانه أينما حلّ، فأحضر لها سبحة ورديّة هدّية من بابا روما بنديكتس الخامس عشر، يوم زاره في العام 1917 مع زوجته برثا كايس في رومة منددين بالحرب وعواقبها. وعندما شاخت وثقل سمعها، كان يوقظها إلى الصلاة، إذا سمع جرس الكنيسة يدعو المؤمنين. هو الذي كان يكره التخابث في تقاليد التهنئة والعزاء لأنّها ميكانيكيّة قلّما يرافقها القلب وتمتزج فيها الروح، كان يحترم النبل في الإنسان وقناعاته البريئة غير المؤذية لو لم تتماش مع فكره الارتقائي ولم يكن احترامه هذا إلّا كلمة جسر قالها ومشى…

دخلت مي زياده الأديبة المشرقيّة المتحرّرة والمحافظة في الوقت عينه على درة الإيمان، في عشرينياتها، البيت الذي أضرم فيه الريحاني ناراً تدفئ وتنير، وتزعج كذلك الأبصار بشررها ودخانها. ورافقت ناسك الوادي المتّهم بالكفر والإلحاد، ومشت معه وتأملا معاً وادي الفريكة المهيب العميق الجميل، كثير الزوايا والأسرار، بنهره المُتجدّد، وأشجاره العميقة الجّذور في الصّخر والتراب، وأزهاره الهاربة من خيال إلهٍ أشكالاً وألواناً وعطوراً، وطيوره الحاملة في خفق أجنحتها كلّ الأسئلة الوجوديّة.

 

تأمّلا معاً “أبرشية الفريكة” في واد بقممه الباذخة تجسّد في الريحاني كما وصفته مي في رسالتها إلى الريحاني المؤرّخة في 20 حزيران 1921. هي التي رغم ما قاسته في سنيّها الاخيرة من العذاب الروحي والألم الروحي والجسدي ومن الحزن الذي يولّده الاضطهاد والجور، في الناس، لم تفقد إيمانها بالله ولم تفقد إيمانها بالحياة، وبالمبدأ الإلهي الذي يثير الحياة في أجمل مظاهرها، ويجعلها في أحطّها واظلمها شيئاً يرثى له ولا ينبذ، على حدّ قول الريحاني حين روى الريحاني قصته مع مي. ويكمل في سرده القصة مضيئاً على فكر مي قائلاً ” ولقد جاءتنا بالبرهان على ذلك والدليل في محاضرتها الأخيرة في الجامعة الأميركيّة – رسالة الأديب إلى العالم العربي، بل إلى العالم على الإطلاق. فإنّك لتراها في هذه المحاضرة حريصة على مشعال العبقريّة، كما هي حريصة على قدسيّة التبعة التي تصحب العبقريّة.”

محاضرة مي في الجامعة الأميركيّة كانت فكرة أمين الريحاني لتثبت للعالم أجمع أن كلّ ما نسب إليها من اتهامات بالجنون محض افتراء، الأمر الذي استشفه الأخير حين زارها في العصفورية فوجد مي في زيارته الثانية، لأنّها عاتبته بصمتها على تأخره في زيارته الاولى، تسرد ما حصل معها بلغة صحيحة فصيحة بليغة منتخبة ألفاظها الأدبيّة معتذرة عن الألفاظ الغليظة. فبعد حديثها الفصيح البليغ المتزن المتصل المتماسك الذي لا شذوذ فيه ولا تشويش ولا إبهام سألها، “لم أنت هنا؟

لم لا تنهضين فترتدين ثيابك وتخرجين من المستشفى؟” وعمل جاهداً لإخراجها من العصفوريّة، مستأجراً لها بيتاً مقابل بيته في الفريكة، أمضت فيه أجمل أيّامها بعد المحنة وكتبت في رسالتها إلى الأمين في 11 تموز من العام 1939، ” وهل في وسعي، وانا في مصر، أن لا أتجرّد الساعة_مرغمة_ من الشعور بوجودي هنا لأحسّ أنّي في قريتكم الخالدة مقيمة، اجلس على سطيحة عمو أبي سلمون وظهري إلى صنين والبحر وجهتي أشهد عنده وداع الشمس لهذه الناحية من الأرض على وقع رنين الاجراس.

 

وإنّي الآن فعلاً هناك، أعيش تلك الثواني على مهل، وفي كلّ ثانية من المتعة الفنيّة وحريّة الحركة ما يملأ عاماً بطوله. كان الريحاني يعرف كيف تبنى جسور الصادقة الحقيقيّة، وأنصف مي زياده في حياتها وخاصة في محنتها وبعد رحيلها، هي التي طلبت منه ممازحة في إحدى رسائلها في العام 1920 أن بتحضّر الشاعر فيه لرثاء الفتاة السمراء وحيدة أبويها، التي سعدت منذ ثمانية أعوام بزيارة الوادي الجليل المهيب منبت الريحاني وجلست على صخرة من صخوره لتصغي إلى وصف “وادي الفريكة” في حضرة الواصف الذي كان هو كذلك يصغي مفكّراً كئيباً.

قال الريحاني كلمته ومشى قبل أن تسلك مي دربه بعد عام ونيف، لم يرثها في كلمته كما طلبت ولكنه أنصفها بعد مماتها، في كتابه “قصّتي مع مي” الذي سرد فيه الحقائق مرفقة بالمستندات والذي، لصدقه مع ذاته، استهل الكتاب معترفاً بذنبه وتقصيره عن واجب الصداقة المقدّس لمدة سنة وبضعة أشهر، معترفاً بتصديقه الإشاعات المحزنة ما دفعه للإمساك عن زيارتها في المستشفى واستطلاع حقيقة حالها.

وكتب مستغفراً ” أمسكت عن الزيارة وأنا أبرر عملي بما تطوّر من مزاجي. فإنّي في مواصلة العاقلين قليل الرغبة. فكيف بي في مواصلة غير العاقلين؟ إنّ الروح مصدر الصداقة، وإنّ العقل مختلط اختلاطاً قاهراً بالروح، فمتى ذهب العقل ذهب خير ما في الروح كذلك. قلت هذا في نفسي ورضيت بتفلسفي، وانا مع ذلك أحمل وزر الصداقة وذكراها، وأقف في بعض الأحايين مفكراً عن تقاعدي عن الواجب المألوف، فيزعجني الفكر ويؤلمني”.

Charlotte Teller, Kahlil Gibran, 1908

 

عشق الريحاني في نيويورك امرأة متحرّرة اسمها شارلوت تلر، وبالحري هي التي عشقته، بعد ما قرأت “كتاب خالد”، وشارلوت شقراء، رشيقة، ناضجة الأنوثة، قويّة الشخصيّة، حادّة الذكاء، وغريبة الاطوار. درست الفنّ المسرحي ثم الفلسفة على جون ديوي في جامعة كولومبيا ثم درّست في جامعة شيكاغو فكانت تسحر طلّابها أكثر مما تعلّمهم.

خبرت مغامرات عاطفيّة مع استاذها في نظريّة الأحلام كارل يونغ، ولم ينج جبران من تأثير سحرها، ولكن حلمها وجدته في الريحاني، الذي عرّفها إليه جبران نفسه. ظنّت تلر في البداية، انّ الريحانيّ بوهيمي طائش، خاصة بعد أن حضر إلى عشاء لبناني دعاهما إليه جبران برفقة ماري هاسكل، مرتدياً عباءة توافق الجو الشرقي، ولكنّها بعد قراءة “كتاب خالد” الذي وضع رسومه جبران، وجدت دستورها ودليلها، وبات خالد بالنسبة إليها شخصاً من لحم ودم، تحلم في تحقيق أحلامه، أن تلد ذلك الطفل الذي يوحّد بعبقريته بين الشرق والغرب.

ورأت في أسلوب الريحاني الثائر اللاذع قدرّة على التأثير تفوق قدرة جبران، لكن هاسكل لم توافقها الرأي فاعتبرت تلر أنّ ولاءها لجبران عكس ظلاله على بصيرتها، غير أنّهما لم تستطيعا التخلّص من ذلك الشعور الغربي بالفوقية تجاه المبدعين المشرقيين، ولم تستطع شارلوت أن تجاري ندّها العقلي وتتفاعل معه ارتقائياً، فتخلّت عن أحلام خالد، واستسلمت لرغباتها الدونيّة، وتزوجت الشاب الأشقر العملاق جليبرت هرش في العام 1912 وكتبت لماري هاسكل مبررة: “إن انجذاب المرأة نحو الرجل مسألة كيميائيّة. الرجل الذي تجذبني كيمياؤه هو الأشقر الطويل الغبي الذي لا يعرف أن يقدّر مواهبي ولا أفكاري”. لم تكن تلر، على قدر أحلام خالد، فاستخلصت أنّ الشرق شرق والغرب غرب، ولكن الريحاني أصرّ على مدّ الجسور بينهما وقال كلمته ومشى.

كان الريحاني ناقداً للفنّ الغربي بمنظار شرقي، يكتب المقالات النقديّة عن الانطباعيين في أوروبا وما بعد الانطباعيين في الولايات المتّحدة، فزار ماتيس واجتمع بفان دوغن وشاقه التعرّف إلى رسّامة أميركيّة اسكتلنديّة الأصل، نالت الجائزة الأولى في معرض سان فرنسيسكو الإقليمي في العام 1915.

 

رسّامة درست في باريس وعرضت مع ماتيس وبيكاسو وسيزان في “صالون ده مي” في العام 1905 ورافقت بيكاسو بعيد مرحلته الزرقاء وبداية المرحلة التكعيبيّة. جمعته المصادفة ببرثا كايس التي كانت تزور نيويورك، لتعرض نتاجها في كتابة السيناريو التي تخصصت به إلى جانب ممارستها الرسم، على شركات الإخراج السينمائي. وأزهر الحب بينهما في الوقت عينه التي نبتت فيه “زنبقة الغور”، التي تعتبر من بواكير الروايات العربيّة ممهدة الطريق للأدب الروائي العربي. دافع الريحاني فيها عن كرامة المرأة وحقّها في حياة عادلة منتقداً التقاليد المجتمعيّة التي تظلم الإنسان باسم الشرف أو العرف، داعيّاً إلى التسامح والإصلاح الاجتماعي.

وكتب فيها كأنّه يقارن بين علاقته بشارلوت وعلاقته ببرثا : “في الحياة قوّة خفيّة تجمع الناس وتفرّقهم لغرض غامض قلّما يدرك سرّه، بل في الحياة سحر قد يكون سماويّاً وقد يكون جهنميّاً يجذب الأضداد ويوقد في قلوبهم شعلة الحبّ”.

 

لكن برثا التي أغرمت به، بعد ما اطلعت على “كتاب خالد” وأدركت حسّه الإنساني العميق ورحابة آفاقه الفكريّة، وبعد ما تزوّجته في العام 1917 وشاركته هموم بلاده وشجونها، وجالت معه في أوروبة من اجل إنقاذ بلاده من ويلات الحرب، ودعمته أثناء محنته في المكسيك وألحت أن توافيه إليها، وكتبت له من إسبانيا في رسالة أولى: “سأبقى دائماً إلى جانبك حتّى لو اضطررنا أن ننام على مقعد خشبي أو تحت أرصفة بروكلين، أريد أن أذهب إليك فأنا وحيدة هنا”، في رسالة ثانية بعد ان أقنعها بالمضي إلى باريس: “يمكنك أن تكتب اليوم كتاباً خالداً تتحدث عن شعبك في الحرب. لديك مادّة غنيّة. عليك أن تكتب ببساطة كليّة هذه المرّة ليتسنى لعامة الناس فهمك…كتابك “خالد” كان فوق مستوى القارئ الأميركي العادي.” وفي رسالة ثالثة: “أنا واثقة يا أمين بأنّك ستكون رجل الساعة”…بعد كلّ هذا عارضت بعنف رحلته العربية، معتبرة حلمه في مدّ الجسور لنهضة أمّته أسطورة من “ألف ليلة وليلة” ورفضت مرافقته واعتصمت بصمت يردّد ما قاله ريديارد كبلنغ: “الشرق شرق والغرب غرب”…ولكن الأمين قال كلمته ومشى وراء حلمه الذي عادت وأدركت عظمته برثا كايس يوم زارت وادي الفريكة بعد رحيل طليقها وأوصت أن يحفظ رمادها بعد وفاتها مع رماده، وهذا ما حصل في العام 1970.

ركب الأمين، في العام 1922، الباخرة المبحرة إلى وادي النيل، يحمل في حقيبته حلم خالد بالمدينة العظمى، وفي جيبه 20 ألف مكسيكيّة، طلب من شقيقه يوسف أن يرسلها له شهرياً، كمبلغ مقتطع من مستحقاته في شركة العائلة في المكسيك. في الباخرة تعرّف بالصدفة الى السيّد أوكس مالك وناشر صحيفة The New York times الذي عرف من هو الريحاني بعد حضوره حفلات التكريم التي أقيمت له في القاهرة واستمرّت لمدّة شهر، وأهمّها الحفل الرسمي والشعبي في سفح الأهرام بدعوة من احمد زكي باشا، والذي وصفته صحيفته بأنّه من أضخم الاحتفالات الأدبيّة التي عرفها المشرق العربي في ذلك الحين.

عرض أوكس على الريحاني أن يزوّده بمقالات مدفوعة يكتبها خلال رحلته في البلدان العربية أدّت فيما بعد إلى انتشار شهرته عالميّاً. رحلته التي استهلّها الريحاني من جدّة بعد أن ألقى قصيدته “أنا الشرق” في الجامعة الاميركيّة في القاهرة ونشرتها جردية الأهرام في اليوم التالي. تنقّل الريحاني لمدّة سنة ونصف بين حكّام العرب محاولاً مدّ الجسور بينهم ونشر الوعي والحريّة لإصلاح الأمّة وتحرير الإنسان والمجتمع والارتقاء بهما مقترحاً أنموذجاً متكاملاً بدءاً من تشخيص الداء وصولاً إلى التعافي من المرض فالنهضة على المستويات كافة.

 

من أجل نهضة مبنيّة على وحدة روح ووحدة اتّجاه، ناداهم باسم الحريّة: “هي الحريّة جاءت تزور البلاد العربيّة وتزرع بذورها الطيّبة الصفيّة…الحريّة تخاطبكم أيّها الأسياد…إنّ في كلمة واحدة اليوم حياة هذه الأمّة والكلمة لكم فهل أنتم بها ناطقون، الكلمة (الاتّحاد) فهل أنتم في امر واحد متّحدون؟…إنّ حرمة الأمّة لا تعزّز بغير العلم الصحيح، فهل من معاهد للعلم تشيدون؟ إذا كنتم تفعلون فإنّي الحريّة أقيم بينكم وأبشّركم بمستقبل مجيد وإلّا فسأعود إلى أقصى البلاد وألبس على بلادكم العزيزة الحداد”، فأجيب بطعنات ممن عرّض حياته للموت في سبيلهم، واتّهم بالجاسوسيّة والتزلّف والسمسرة.
لم يعر أهل السوء اهتماماً وقال كلمته ومشى عائداً إلى وادي الفريكة، يرافقه خالد ليكتبا معاً قصّتهما مع “ملوك العرب”.

لم يتوان الريحاني عن الدفاع عن حقوق أبناء وطنه، وعن مدّ الجسور بينهم لتمتين الموقف بالاتّحاد، فلبّى من اجل ذلك طلب الحكومة الوطنيّة في فلسطين لحسم الخلاف بين الحاج أمين الحسيني ومعارضيه، فإذا هو في القدس في 12 نيسان من العام 1927 يدعو إلى وحدة الصفّ، ثم يتنقّل بين المدن الفلسطينيّة، يحاضر ويخطب ويكتب مقالات في الصحف ويطلب منهم الاتّحاد قائلاً: “الاتّحاد، إخواني الاتّحاد، وإلّا ذهبتم فريسة الصهيونيّة…وإذا نجوتم من الصهيونيّة تكونون بيد صاحب الأمر الأعلى آلات للاستعباد…” وراح بعدها يجول في العالم يحاضر عن فلسطين مدافعاً عن حقوق أبنائها، مهاجماً الصهيونيّة ووعد بلفور حتّى عرف بمحامي القضيّة الفلسطينيّة الذي قال كلمته ومشى…

كان شارل قرم، صديق الريحّاني، كلما أوغل هذا الأخير في حديثه عن رحلاته العربيّة والعالميّة يسأله عن لبنان ومكانه في قلبه، فيضحك الأمين لانّ لبنان لم يفارقه أينما حلّ. فأراد أن يحوّل هذا الحنين إلى جسور تربط أواصار الوطن الممزقة، الوطن الذي حدّد مرضه قائلاً: “إنّ طائفة الوطن الكبرى أو بالحريّ الوطنيّة اللاطائفيّة لا تقوم إلا بالتفكّك الطائفيّ .. لا أقول بالتفكّك الطائفيّ الكليّ، أيّ الاضمحلال الطائفيّ، فهو غير منتظر، ولكن التفكّك في الطائفة – بتفرّق أعضائها ليتّحدوا مع أعضاءٍ متفرّقين من طوائف أخرى – لأغراضٍ سياسيّةٍ وطنيّةٍ عالية .. هذا هو المطلوب آنياً .. إن ابن الطائفة البارّ لا يستطيع أن ينضمّ إلى الطائفة الكبرى انضماماً صادقاً ثابتاً وثيقاً، سياسيّاً وثقافيّاً، قبل أن يتّجه بقلبه إلى الوحدة الوطنيّة، وقبل أن ينبذ، من ذهنه ومن إرثه، التقاليد الطائفيّة التي تحول دون ذلك الاتّجاه.

 

كما أراد أن يكون كتاب “قلب لبنان” خاتمة المطاف، تسديداً لجزء من الدين المترتّب عليه نحو وطنه الجبليّ ونحو أسلافه. كتاب أراد أن يضع فيه كلّ قلبه وكلّ فكره، أن يكتب فيه سيرته الذاتيّة بأسلوب أدب الرحلة في جمال بلاده، كتاب دائري يبدأ من وادي الفريكه ويتجدّد في نهايته بوادي الفريكة، هنالك حيث تجلّت نزعته المثاليّة، في المزج بين الروحيّة والماديّة مستشرفاً فيزيا الكم معتبراً انّ الروحي ينبع من ماديّة مكثّفة، متساميّة. تلك الروح المتأصّله في المادّة ، تشكّلها وتنيرها وتجمّلها، أرادها أن تحلّق في وادي الفريكة في رحلته الاخيرة، لكّن القدر شاء أن يسقط عن دراجته ليترك “قلب لبنان” غير مكتمل ويرحل إثر هذا السقوط… ليرتقي بالكلمة التي صارها، الكلمة المتجدّدة كالنهر، الثابتة كالجسر، التي قالها ومشى ليبقى.

وأذكر تلك القصّة التي رواها لي معمّر في الفريكة عايش الريحاني وكتبتها في كتابي “الطارق”، قصة الريحاني الذي كان يتمشّى في الفريكة حين دعته مجموعة من الأهالي لاحتساء فنجان قهوة فاعتذز وقال لهم: أعرف أحاديثكم وأخباركم…إنّي أبحث عن طفل لأجالسه ويخبرني عمّا لا أعرفه!

ربما كان يبحث عن ذلك الطفل الشقي الذي تركه أمين في الوادي، والذي علّمه خالد الخطوة الأولى والمقطع الأول من الحروف في ختام “كتاب خالد”…ذلك الطفل الذي سمعته يغنّي أثناء بحثي عن خالد في وادي الفريكة:
“أحببت الجسور حتّى التويت
عبرني الكلّ
فعبرت كلّي
وعليّ مشيت…”

***

المصادر:

* كتاب خالد، امين الريحاني

* قلب لبنان، أمين الريحاني

* قصتي مع مي، امين الريحاني

* الريحاني ومعاصروه: رسائل الادباء إليه، ألبرت الريحاني

* أمين الريحاني: الإنسان والكاتب، جميل جبر

* صفوة الفلسفة الريحانيّة، أمين ألبرت الريحاني

* أمين الريحاني: سيرة موجزة ومحطّات فكريّة، مكتب الأبحاث والدراسات في متحف الريحاني

* الطارق: دوائر وجوديّة، مكرم غصوب

***

*جريدة الأخبار 11 آب 2026

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *