سجلوا عندكم

هل ينجح اللبنانيون في تحويل المتغيرات الإقليمية من تهديد إلى فرصة لبناء دولة حديثة؟

Views: 76

د. رمزي صالحة

يبدو لبنان اليوم وكأنه يقف أمام سؤال وجودي يتجاوز بكثير مسألة تشكيل حكومة أو انتخاب رئيس أو الاتفاق على قانون انتخاب. السؤال الحقيقي هو: هل يستطيع اللبنانيون، في خضم التحولات الكبرى التي تضرب الشرق الأوسط والعالم، أن يعيدوا بناء دولة قادرة على حماية مصالحها وتحديد خياراتها، أم سيبقى لبنان ساحة تتصارع فيها مشاريع الآخرين؟ الجواب ليس سهلًا، لأن اللبنانيين لا يختلفون فقط على الوسيلة، بل يختلفون قبل ذلك على طبيعة الخطر الذي يهدد بلدهم. وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية.

انقسام لبنان ليس بين دولة ولا دولة

كثيرًا ما يُختصر النقاش اللبناني في عبارة “احتكار الدولة لقرار الحرب والسلم”. وهي عبارة صحيحة من حيث المبدأ الدستوري، لكنها أصبحت مبتذلة عندما تتحول إلى تفسير كامل للأزمة اللبنانية. فالسؤال الذي ينبغي أن يطرح هو: أي دولة؟ وبأي قدرات؟ وفي أي بيئة إقليمية؟ اللبنانيون منقسمون إلى رؤيتين استراتيجيتين متعارضتين. فريق يرى أن الخطر الأساسي على لبنان يأتي من إيران وحلفائها، وأن خلاص لبنان يمر عبر استعادة الدولة لقرارها العسكري والسياسي والاقتصادي، والانفتاح على الولايات المتحدة وأوروبا والدول العربية، والابتعاد عن المحور الإيراني.

أما الفريق الآخر فيرى الصورة من زاوية مختلفة تمامًا. بالنسبة إليه، المشكلة ليست إيران وحدها، بل نظام إقليمي تملك فيه الولايات المتحدة وإسرائيل قدرة استثنائية على تحديد موازين القوة والحدود ومصائر الدول. ومن هذا المنظور، فإن إخراج لبنان من المعادلة الإيرانية من دون بناء قوة وطنية مستقلة قد يعني ببساطة إدخاله في منظومة أمريكية ـ إسرائيلية تضمن بقاءه ضعيفًا ومحدود الخيارات. ولا يمكن فهم الخلاف اللبناني من دون الاعتراف بأن كلا الفريقين ينطلق من تجربة تاريخية مختلفة وذاكرة مختلفة ومخاوف مختلفة.

الفريق الأول يخشى أن يؤدي سلاح حزب الله إلى استمرار دولة داخل الدولة، وإلى جر لبنان إلى حروب لا يقررها اللبنانيون. والفريق الثاني يخشى أن يؤدي نزع هذا السلاح في ظل تفوق إسرائيل العسكري الهائل، ومن دون بناء بديل حقيقي، إلى تحويل لبنان إلى دولة عاجزة أمام إسرائيل. وبالتالي فإن الخلاف ليس ببساطة بين “من يريد الدولة” و”من لا يريد الدولة”. إنه خلاف حول كيف تكون الدولة قادرة على حماية نفسها، ومن هو العدو، ومن يملك القدرة على ردعه.

الدولة الشرعية لا تكفي إذا كانت عاجزة

من السهل القول إن الجيش اللبناني هو المؤسسة الشرعية الوحيدة التي يجب أن تحمي البلاد. لكن الشرعية لا تصنع وحدها القوة. السؤال الواقعي هو: هل يمتلك الجيش اللبناني القدرات التي تسمح له بالدفاع عن المجال الجوي والبحري والبري، وبناء قوة ردع، ومواجهة جيش مثل الجيش الإسرائيلي إذا اندلعت حرب شاملة؟ الجواب يعرفه اللبنانيون جميعًا. وهنا تظهر إحدى أكثر المفارقات إيلامًا في النقاش اللبناني: يُطلب من الدولة أن تكون الجهة الوحيدة القادرة على حماية البلاد، بينما قدرة الدولة العسكرية نفسها محكومة بدرجة كبيرة بالمساعدات الخارجية، وبمصادر التسليح، وبنوعية الأسلحة والتدريب، وبالقرار السياسي للدول التي تقدم الدعم. هذا لا يعني أبدًا أن الجيش اللبناني غير جدير بالثقة أو أن تطويره غير ممكن. بل يعني أن بناء دولة ذات سيادة يحتاج إلى أكثر من إعلان احتكار القوة. يحتاج إلى بناء القوة نفسها. ومن هنا يصبح السؤال أكثر حساسية: هل يريد المجتمع الدولي للبنان جيشًا قادرًا على الدفاع عن حدوده فعلًا، أم جيشًا قادرًا على حفظ الأمن الداخلي ومكافحة الإرهاب وضبط الحدود، ولكن ضمن سقف عسكري لا يحول لبنان إلى قوة إقليمية مستقلة؟ هذا السؤال لا يجوز تجاهله.

إسرائيل ليست مجرد “جار قوي”

هناك خطأ آخر في النقاش اللبناني يتمثل في التعامل مع إسرائيل وكأنها مجرد دولة مجاورة قوية عسكريًا، وأن المشكلة يمكن اختزالها في كيفية حماية الحدود اللبنانية منها. إسرائيل نفسها تشهد تحولًا فكريًا وسياسيًا مهمًا. ففي أجزاء من التيار السياسي والديني الإسرائيلي، لم تعد النظرة إلى الأرض مجرد مسألة حدود أمنية. هناك تيارات تتعامل مع مفهوم “أرض إسرائيل” من منطلقات دينية وتوراتية، وتربط السيطرة على الأراضي بفكرة تاريخية ودينية عن حدود إسرائيل. وقد أصبح خطاب “إسرائيل الكبرى” أكثر حضورًا في النقاش السياسي الإسرائيلي في السنوات الأخيرة.

ولا يعني ذلك أن كل الإسرائيليين يؤمنون بمشروع توسعي توراتي، ولا أن كل سياسات إسرائيل يمكن تفسيرها بالدين. لكن تجاهل هذا العامل سيكون خطًا استراتيجيًا.

فالسياسة لا تتحرك دائمًا وفق الحسابات المادية وحدها. الأفكار والأيديولوجيات تستطيع أن تحدد ما يعتبره مجتمع ما حقًا تاريخيًا أو أمنًا قوميًا أو أرضًا لا يجوز التخلي عنها. وهذا مهم بالنسبة للبنان، لأن الجنوب اللبناني ليس مجرد خط على الخريطة. إنه جزء من منطقة تتقاطع فيها اعتبارات الأمن الإسرائيلي مع الصراع الفلسطيني والسوري والإيراني، ومع التحولات الكبرى في النظام الإقليمي. ولذلك لا يستطيع لبنان أن يبني استراتيجيته الدفاعية على افتراض أن الخطر الإسرائيلي ثابت ومحدود إلى الأبد.

إيران أيضًا ليست مجرد “مدير وكلاء”

في المقابل، من الخطأ اختزال إيران في صورة قوة خارجية تستخدم لبنان عبر حزب الله فقط. إيران دولة إقليمية كبرى تمتلك مشروعًا استراتيجيًا، وقد بنت خلال عقود شبكة واسعة من العلاقات والقوى المسلحة في المنطقة. وحزب الله هو أحد أهم مكونات هذه الشبكة. لكن قراءة هذا الواقع يجب أن تكون أكثر عمقًا وتعقيدًا من شعار “الاحتلال الإيراني”. فوجود النفوذ الإيراني في لبنان يرتبط أيضًا بصراع أمريكي – صيني، وبفراغ عربي، وبضعف الدولة اللبنانية، وبالصراع العربي ـ الإسرائيلي، وبالعداء الإيراني ـ الأمريكي، وبحسابات أمنية إيرانية ترى أن المواجهة مع إسرائيل والولايات المتحدة تبدأ بعيدًا عن الحدود الإيرانية. وهكذا أصبح لبنان جزءًا من معادلة أكبر من حجمه.

وهنا تكمن المأساة: لبنان الصغير أصبح مهمًا للاستراتيجيات الإقليمية أكثر مما يستطيع اللبنانيون تحمله.

الشرق الأوسط يتغير

لكن الأخطر من كل ذلك أن لبنان يحاول معالجة أزمته متجاهلًا أن المنطقة نفسها تتغير بسرعة. الحرب الأمريكية ـ الإسرائيلية مع إيران، والتحولات في سوريا، وتصاعد التنافس التركي ـ الإسرائيلي، وإعادة رسم العلاقات بين القوى العربية والإقليمية، كلها تشير إلى أن النظام الذي عرفه الشرق الأوسط خلال العقود الماضية لم يعد مستقرًا.

والتوتر التركي ـ الإسرائيلي في سوريا خلال آب 2026 يقدم مثالًا واضحًا على ذلك. فقد قصفت إسرائيل قاعدة سورية وسط خلاف حول احتمال وجود عسكري تركي فيها، بينما تدخلت الولايات المتحدة لمحاولة إنشاء آلية لتجنب التصعيد بين تركيا وإسرائيل وسوريا. وهذا تطور مهم للبنان. فتركيا ليست إيران، وإسرائيل ليست اللاعب الوحيد، والولايات المتحدة ليست القوة الوحيدة التي تعيد ترتيب المنطقة. هناك الآن تعدد متزايد في مراكز القوة.

وهنا يدخل العامل الصيني.

فالصراع الأمريكي ـ الصيني لا يجري في شرق آسيا وحدها. إنه صراع على النظام الدولي، وسلاسل الإمداد والطاقة والممرات التجارية والتكنولوجيا والنفوذ السياسي. والشرق الأوسط، بموقعه وموارده وممراته، جزء من هذا الصراع الأوسع. وهذا يعني أن لبنان قد يجد نفسه، من حيث لا يريد، في منطقة تتنافس فيها قوى عالمية وإقليمية متعددة.

من التهديد إلى الفرصة

وهنا تبدأ النقطة الأكثر أهمية. قد يبدو كل ما سبق سببًا إضافيًا للتشاؤم. لكن التاريخ يقول شيئًا آخر. فالدول الصغيرة تستطيع أحيانًا أن تستفيد من التنافس بين القوى الكبرى إذا امتلكت مؤسسات قوية وسياسة خارجية ذكية ومصلحة وطنية واضحة. لبنان لا يستطيع منافسة الولايات المتحدة أو الصين أو تركيا أو إيران أو إسرائيل عسكريًا.

لكنه يستطيع أن يكون دولة ذات قيمة. موقعه الجغرافي، وموانئه، وطاقاته البشرية، وجامعاته، وقطاعه الخاص، وعلاقاته العربية والدولية، وثقافته، واغترابه، كلها أصول استراتيجية. المشكلة أن لبنان يتعامل مع هذه الأصول كأجزاء منفصلة، لا كاستراتيجية وطنية.

المطلوب دولة تدرك مصلحتها وتعمل لها

إذا كان لبنان يريد الخروج من أزمته، فإن المطلوب ليس الانتقال من محور إلى محور. ليس المطلوب دولة لبنانية تابعة لإيران. ولا دولة لبنانية تابعة للولايات المتحدة. ولا دولة لبنانية تنتظر من فرنسا أو السعودية أو أي قوة أخرى أن تحدد لها مصالحها. المطلوب هو دولة تعرف مصالحها وتستطيع التفاوض مع الجميع من موقع المصلحة الوطنية. وهذا لا يعني الحياد السلبي. فالحياد الحقيقي ليس أن نقول إن لبنان لا علاقة له بما يجري حوله. لبنان لا يستطيع ذلك أصلًا. الحياد يعني أن تكون علاقاته مع القوى المختلفة أداة لحماية مصالحه، لا أن يكون أرضًا تستخدمها هذه القوى في صراعاتها. 

الدولة التي نحتاجها

الدولة اللبنانية الحديثة التي نحتاجها ليست فقط دولة تملك الجيش والشرطة والقضاء. إنها دولة تمتلك:

جيشًا قويًا بما يكفي للدفاع عن البلاد، واقتصادًا منتجًا يقلل ارتهانها للخارج، ودبلوماسية قادرة على التفاوض مع المتناقضين، وحدودًا مضبوطة ضمن سياسة حدودية واقعية، ومؤسسات لا تخضع للطوائف والزعامات، وتعليمًا يصنع مواطنًا قادرًا على التفكير النقدي، واقتصادًا يستثمر في الإنسان اللبناني داخل لبنان وخارجه. والأهم من ذلك كله: دولة تمتلك رؤية استراتيجية. فالجيش وحده لا يصنع السيادة. والسلاح وحده لا يصنع السيادة. والعلاقة مع أمريكا لا تصنع السيادة. والعلاقة مع إيران لا تصنع السيادة. والعلاقة مع الصين أو تركيا أو أوروبا لا تصنع السيادة. السيادة هي قدرة الدولة على اتخاذ القرار الذي يخدم مصالحها، ثم امتلاك الوسائل اللازمة لتنفيذ هذا القرار.

الفرصة اللبنانية

قد تكون المفارقة أن اللحظة الأكثر خطورة في تاريخ المنطقة يمكن أن تكون أيضًا لحظة الفرصة الأكبر للبنان. فإذا كان النظام الإقليمي القديم يتغير، فإن لبنان يستطيع أن يعيد تعريف دوره. بدلًا من أن يكون ساحة صراع بين إيران وإسرائيل، يمكن أن يصبح دولة تفاوضية ذات علاقات متوازنة. بدلًا من أن يكون اقتصادًا ريعيًا يعتمد على التحويلات والمساعدات، يمكن أن يبني اقتصادًا معرفيًا وخدماتيًا وإنتاجيًا يستفيد من موقعه وطاقاته البشرية. بدلًا من أن يكون جيشه مؤسسة تنتظر ما يسمح به الآخرون، يمكن أن يضع خطة وطنية طويلة المدى لبناء قدراته الدفاعية، مع الاستفادة من علاقاته الدولية من دون تحويل المساعدة العسكرية إلى تبعية استراتيجية.

وبدلًا من أن ينقسم اللبنانيون بين “مع أمريكا” و”مع إيران”  يمكن أن يبدأوا بالسؤال الأكثر نضجًا: ما الذي يخدم لبنان؟ هذا السؤال البسيط هو في الحقيقة بداية الدولة.

الخطر الأكبر

الخطر الأكبر على لبنان ليس فقط إسرائيل. وليس فقط إيران. وليس فقط الولايات المتحدة. وليس فقط حزب الله. الخطر الأكبر هو أن يبقى اللبنانيون مختلفين حول تعريف الخطر، بينما يتغير العالم من حولهم بسرعة لا تسمح لهم بالبقاء في مكانهم. فإذا استمر كل فريق في اعتبار الفريق الآخر عدوًا داخليًا، فسوف تبقى الدولة عاجزة عن صياغة استراتيجية وطنية. أما إذا استطاع اللبنانيون الاعتراف بأن مخاوف الطرفين تحتوي على جزء من الحقيقة، فقد تبدأ مرحلة جديدة.

نعم، لبنان يحتاج إلى دولة تقرر الحرب والسلم. لكن قبل ذلك يحتاج إلى دولة تستطيع أن تدافع عن نفسها، وتعرف لماذا تدافع، ومن ماذا تدافع، وما الذي تريد أن تكونه بعد انتهاء الحرب. وهذه هي المسألة التي يجب أن يتجاوز إليها النقاش اللبناني. فالمطلوب ليس أن نختار بين أمريكا وإيران. ولا بين إسرائيل وإيران. ولا بين الجيش والمقاومة وكأنهما مفهومان متناقضان إلى الأبد. المطلوب أن نبني دولة تجعل لبنان نفسه هو الطرف الثالث. دولة لا تبحث عن حماية خارجية لأنها عاجزة، ولا عن قوة موازية لأنها عاجزة، بل تبني قوتها الخاصة، وتستخدم علاقاتها الدولية والإقليمية لتوسيع هامش استقلالها. وعندها فقط يمكن للبنانيين أن يحولوا التحولات الكبرى التي تهددهم اليوم إلى فرصة.

فالسيادة ليست شعارًا. والسيادة ليست مجرد احتكار للسلاح. السيادة هي أن تمتلك الدولة القدرة على تعريف مصلحتها، وحمايتها، والتفاوض باسمها، وتغيير موقعها في العالم عندما يتغير العالم من حولها. وقد تكون هذه هي الفرصة التاريخية التي لا تزال أمام لبنان: أن ينتقل أخيرًا من دولة تتلقى نتائج صراعات الآخرين إلى دولة تصنع، ولو بقدر محدود، شروط بقائها ومستقبلها.

 

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *