نصف قرن على رحيل أمين نخلة: أمير النثر وصائغ الصناعتين
سليمان بختي
نصف قرن مضى على رحيل الشاعر والناثر الكبير أمين نخلة (1901-1976) هو أحد أبرز أعمدة النهضة الأدبية اللبنانية والعربية في القرن العشرين. تميز شعره بالعذوبة والرقة مع التدقيق والتحقيق ومع نزعة برناسية واضحة. هو ابن رشيد نخلة، أمير الزجل اللبناني وناظم كلمات النشيد الوطني اللبناني. تحدَّر من مجدل المعوش – الباروك، وصنع أكبر أسطورة عن القرية الريفية في لبنان من خلال كتابه “المفكرة الريفية” (1942).

لبث أمين ينهل من الطبيعة ويبتعد عن الشكوى. لكن وراء الطابع الجمالي الظاهر في أدبه، معاني أعمق وطنية وقومية وإنسانية. وقد اعتبر أمين أن التراث الثقافي الإسلامي هو جزء من هويته الأدبية. عندما دخل المشهد النثري اللبناني، رآه منقسماً بين التيار الرومنطيقي الذي تزعمه جبران في روحه الثائرة المتمردة على البلاغة، وتيار الفن القصصي الذي مثله مارون عبود وتوفيق يوسف عواد. وثمة فن المقالة الذي راج مع عمر فاخوري وفؤاد سليمان وغيرهما. شكل أمين نخلة تيارًا مختلفًا، فبدل الثورة على البلاغة التقليدية، اختار تجديدها من الداخل حتى لُقّب بأمير النثر العربي وصائغ الصناعتين. فقد استطاع أن يعيد للجملة العربية أناقتها الكلاسيكية من دون الوقوع في الشرح والتطويل.
هكذا، لم يبق أدب أمين نخلة أسير زمانه فلا نزال حين نقرأه نؤخذ بالأجواء الصافية وأسباب التعلق بالحياة بجمال الخيال وبتحصين أنفسنا ضد البشاعة والحقد واليأس. نتأكد اليوم، وبعد نصف قرن على رحيله، أن قامة مثل قامته في الأدب العربي من الصعب أن تتكرر. وأنه كان وسيظل ضنيناً على اللغة العربية ومحباً لها ومتعمقاً في أسرارها. وأن موعدنا معه سيظل محفوفاً بالحضور الآسر المختلف. وأنه سيظل يكتب في ظل غصن أخضر خفيض ما طاب له المقام وطابت له الكتابة. وكلما قرأناه، بدا طازجاً شهياً كأشياء القرى.

في العام 2016 أقمنا في دار الندوة في رأس بيروت، ندوة في الذكرى الأربعين لوفاته وبمناسبة صدور كتاب “أمين نخلة مقالات له ومقابلات معه ومقالات عنه” للدكتور ميشال جحا (وكان معنا على المنبر وأخبرنا أن أمين نخلة كان يسميه سعيد الآخر تمييزاً له عن ابنه سعيد) ومحمود شريح والمحامي سعيد امين نخلة وبمشاركتي. وكانت أيضاً كلمة من الشاعر شوقي أبي شقرا.
وما زلت أذكر ما رواه لنا ابنه سعيد بأن والده كان يكتب بتأنٍّ. وأنه كان يقفل باب الغرفة على نفسه، يكتب ويتأمل ويسرح. وأنه لمح والده غير مرة يخرج من الغرفة دامع العينين. اشترى بيتاً في الباروك لا يستطيع ابنه أن يبيعه أبداً. وفي تلك الندوة أحضرنا من أرشيف الإذاعة اللبنانية، مقاطع بصوته وهو يلقي قصائده ليسمعها الجمهور. وما أدهشني أن جمهور القاعة كان يصفق في إيقاع واحد مع تصفيق الجمهور في الشريط المسجل في أرشيف الإذاعة.
ونسمع: “جاء الربيع، وحرك الغصنا/ اين الربيع، واين ما كنا/” أو”هذا يريد الهوى، وافى بلا ورق/ يروي ويسرد عن أيامنا العتق/”. أو:”يا ورد يا ابن الرقة/اختبأت في ظلك العشاق خبئنا”.

اما الإشكالية الثانية في حياته فأنه انتخب نائباً عن الشوف في المجلس النيابي وكان مع كتلة الرئيس رياض الصلح لا بل مرشحه لرئاسة الجمهورية، مع أن الزعيم الشوفي كمال جنبلاط لم يستسغ الفكرة من أساسها. وعندما اغتيل رياض الصلح، رثاه امين نخلة بقوله: “ما على الحب أن مضى الاحباب /تسلم الذكريات والأسباب/”.

وأمين كان محامياً لامعاً تخرج في جامعة دمشق ومكتبه كان في شارع بشارة الخوري وقد جمع أعماله القانونية مثلما جمع أعماله الأدبية. هذا الأديب الشاعر المحامي كان ينتظر شهوراً لتستقيم له كلمة ينتظرها. فقد أخّر إصدار كتابه “دفتر الغزل” لأنه أراد استبدال كلمة في بيت في قصيدة بعنوان “أنا وأنت” يقول فيه: “وإذا حل مكاناً نائياً/ دلني الشوق وقادتني الدروب/”. وانتظر حتى دانت له كلمة حافياً محل نائياً، وأصدر الديوان. وهذه الدقة لم يكن أمين نخلة ليستبقيها لنفسه، فقد كتب للشاعر مدحت عكاش عن طريق الروائي ياسين رفاعية أن يجعل كلمة روح مكان كلمة أنس.
كان يحلو له أحياناً الجلوس في مطعم فيصل الشهير مقابل الجامعة الأميركية في بيروت. ذات مرة كان يجلس وفي يده كتاب للشاعر توفيق صايغ. ولما سئل عن رأيه في شعر صايغ قال هذا النوع من الكتابة يدخل في نطاق “ثم ماذا”. ثم راح يردد من قصيدته: “يا وردة من ربيع الوصل نائبة/هل انت كل الذي بعد الربيع بقى/”.
كان أمين نخلة جونة العطار في الأدب العربي. يعرف القوارير ويعرف المعايير ويعرف المقادير.
كان نحاتاً مرهفاً للكلمة ومن طراز رفيع. وكلما قرأت هذا البيت دلني الأمين على ينابيع الشعر برقة الشعر وعذوبة القلب. أسمعه يقول: “يا درب نفح الطيب وجهتنا/ أرض الكناري الذي غنى/يا غصن، يا مضنى بلا سبب/ مل حولنا، يا غصن يا مضنى”.
أو حين يقول في مفكرته الريفية: “ألف رغيف يدخل فرن الضيعة، وألف رغيف يخرج منه فلا والله ما رأت عيني رغيفاً أحمر كخدك ولا رأت عيني رغيفاً قد احترق كقلبي”.
فلا عجب أن يصفه الشاعر شوقي أبي شقرا بالقول أن أمين نخلة كان ورقة الدلب في الأدب العربي. وأنه كان يغمز الكلمة وكانت الكلمة تغمزه أيضاً.
توفي أمين نخلة في أيار 1976 وكانت الدنيا حرباً، وغادر في صمت وبلا وداع ولا تأبين.



