سجلوا عندكم

قراءة في كتاب “سمطة” للكاتب كمال خيرالله

Views: 84

د. فادية كامل حسين

وأنت تقرأ كمال خيرالله في هذا العمل الأدبيّ الفريد “سمطة”، لا يسعك إلّا أن تقف مذهولًا أمام جرأة الكاتب، ووعيه الحادّ، مأخوذًا بعمق فكره، وحسّه الإنسانيّ، وتأمله الطّويل برحلة الإنسان والوجود… فلا تشعر إلّا وأنت تغوص معه في “المساحة الهشّة بين اليقينِ والشّكِّ”، تتبنّى أسئلته، يأخذُك التّأمّل… ما يفتح عليكَ بابًا جديدًا من الأسئلة المفتوحة على اللامنتهى… 

  • إشكاليّة العنوان وعبثيّته

إنّ أوّل ما يطالعكَ في هذا العمل هو إشكاليّة العنوان. “سمطة” و”استمليحا”؛ عنوانان يحملان إليك فرادة العمل وعبثيّته. اختارهما الكاتب بعناية بالغة، ما يحدثُ صدمة للقارئ منذ اللحظة الأولى. صدمة لا تقلّ أهميّة عن الصّدمات المتلاحقة الّتي يتلقاها خلال التعمّق بالقراءة بفعل المفردات والألفاظ والرّموز المناسبة لعمق المحتوى وأبعاده الفلسفيّة. ومن القراءة الأولى يفرض عليك الكاتب أن ترتقي إلى عالمه العبثيّ، العالم الأقرب إلى التأمّل الفلسفيّ منه إلى السّرد المسرحي المباشر. لكنّه لا يقدّم العبثيّة هنا من أجل العدميّة المجردة، بل إنّه يتعمّد أن يصدم المتلقي عبر تعريته لواقعنا المأزوم، وإظهار عجز الإنسان أمام عوالم بلا معنى، عوالم فقدت المنظومة الأخلاقية والروحية، ما يفتح باب التأمّل الوجوديّ على مصرعيه.

وعندما تذهب بالقراءة أكثر عمقًا، تكتشف أنّك أمام مجال واسعٍ من الأسئلة التي تشير إلى أكثر من معنى، وأكثر من تفسير. فلا تعود العبارات ذات معنى واحد، بل تفتح للقارئ مساحة واسعة من التأويل، فيغوصُ في التّأويلات أملًا برفع الغموض… إنها العبثيّة المنبثقة من عمق الوجود الإنسانيّ، الخارجة من القوالب التقليديّة لتدفعَ بالمتلقي إلى التفكير النقديّ والتأمل الذاتيّ.

في هذا العمل تصوير قريب من الفلسفة الوجودية، يعكس فكرة وعي الإنسان بذاته، وعجزه عن اليقين بمنشئه أو غايته.  عملٌ قائمٌ على طرحِ أسئلة كثيرة حول القوى المسيطرة وتأثيرها على تشكيل وعينا، حول منطق القوة والضعف، العدل والظلم. أسئلة لا تبتغي الوصول إلى أجوبة… فليس بالضّرورة أن يكون لكلّ سؤال جواب لأنّ “الحضارة والوعي تبنى بالجرأة على المساءلة”.

  • استمليحا؛ سؤالٌ مفتوحٌ في رحلة الوجود

يمكن اعتبار هذا النّصّ دعوة مفتوحة إلى التّفكير، إلى التّأمل الوجوديّ، التأمّل في المساحة الهشّة بين “اليقين والشكّ”، في رحلة الإنسان بكل تناقضاتها، في موروثاته، في بحثه عن هويته ووجوده، رحلة المعرفة الذاتية كما تختزنها الذاكرة. الذّاكرة التي تحتفظ بكل ما ينتمي إلى الإنسانيّة من صراعات، واكتشافات، وفضول، وخوف، وفرح، وقوة وسيطرة… المعرفة التي يفضي تراكمها إلى تشكيل الحضارة. والحضارة التي يقصدها الكاتب هي ” الحضارة التي لا تُبنى فقط بما تحافظ عليه، بل أيضًا بما تجرؤ على مساءلته وتطويره وتجاوزه”.

يقوم النّصّ على عدّة أفكار أساسيّة تتقاطع فيها المواقف والشّخصيّات وتلقي في الأبعاد الإنسانيّة…

  • عبثيّة الاكتمال: يبدأ النّصّ بسلسلة من المفارقات (تمّت ولم تكتمل، شُخّصت ولم تُمسرح)، وكأنّ الكاتب يريد أن يقول إنّ كل مشروع إنساني يحمل نقصه في داخله، فلا يوجد اكتمال حقيقيّ، بل محاولات متعاقبة لا تبلغ غايتها، ولا تدرك حقائقها. والمفارقة هنا تبدو متعمدة؛ فالكتابة انتهت شكلًا، لكنّها لم تبلغ اكتمالها معنىً “سطور تمّت… ولم تكتمل”، كأنّ التّجربة الإنسانيّة نفسها تظلّ ناقصة مهما بدت أنها اكتملت… و”المشاهد شُخّصت ولم تُمَسْرَحْ” لأنّ الشخصيات والأحداث موجودة في الحقيقة، لكنها لم تتحول إلى فعل حيّ على المسرح، ربّما لأنّ الإنسان يعيش أدوارًا كثيرة من دون أن يدرك حقائقها؟! وهذا يعني أنّ الواقع الذي نعيشه هو دائما مشروع مسرحية لم تُنجز…
  • مركزية الأنا وعزلتها: لا يقدّم النّصّ “الأنا” بوصفها مصدر قوة، بل بوصفها “متراسًا”. فالمتراس يحمي، لكنه يحجب أيضًا(مفارقة). الذات تحاصر الإنسان داخل تجربته الخاصّة، فلا يستطيع أن يدرك يقينًا لا البداية (“من”) ولا النّهاية (“إلى”)، وهذا ما يجعل الكاتب يعيش بين سؤالين كبيرين لا يملك لهما جوابًا، أو لا يهتمّ للبداية (“من”) ولا للنهاية (“إلى”)، لأنّ “الأنا” “المتراس” هي الحاجز بينهما؛ والذات هي كلّ ما يملكه الإنسان، لكنها في الوقت نفسه تمنعه من رؤية الأصل والمآل بوضوح. إنّها “ومضة الحياة محرّكها الدخان… ومصيرها التراب”… وتستمر مركزيّة الأنا حتى نهاية النّصّ. فهي الشّاهد على أزمة القيم الخانقة التي نعيشها، حيث نرى الكاتب يطرح نفسه بصورة مباشرة القاضي (قاضي الحلال والحرام)، وهو الّذي ينهي اللعبة بعبارة “استمليحا” فاتحًا المجال للمتلقّي كي يكمل إن أراد “استمليحا… قد تكون”… مشيرًا -بصورة غير مباشرة- إلى أنّ الخلاص لا يكون بالمال أو المصالح، وإنّما باستعادة الحكمة والضمير والقيم الإنسانية التي تعيد للإنسان إنسانيته.
  • منطق التسليع: يصل الكاتب إلى أعلى مستوى من الرؤية العبثية السوداء… فيكشف عن أزمة الإنسان المعاصر حين يفقد منظومته الأخلاقية والروحية، فيتحول كل شيء إلى سلعة قابلة للبيع والشراء، حتى ما يُفترض أنّه مقدس أو غير قابل للمساومة. 

وتنبع قوة النص منهجيًا من خلال أسلوب العرض باعتماد التدرج التّصاعدي في الأفعال والصور، مما يجعل القارئ ينتقل من مستوى الفساد الاقتصادي إلى مستوى الانهيار الوجودي…

فالقيم الإنسانيّة تُختزل في منطق السوق والمصلحة. والفعل المتكرر “نبيع” ليس تكرارًا لغويًا فحسب، إنّه رمز لاستباحة كل ما يملك الإنسان من ثروات مادية ومعنوية. يبدأ من بيع المواد الخام والزيت المقدس “نبيع المواد الخام… نبيع الزيت المقدّس…”  وينتهي بمفارقة صادمة وجريئة وحقيقية، وتبلغ العبثية ذروتها بتسليع المقدس نفسه، حين يطرح فكرة بيع الخالق إن وجد من يدفع الثمن “نبيع الخالق…، نبيع الكرامات”… ويختتم المقطع بصورة أشد قسوة حين تصبح الأرض والعرض موضوعاً لـ”التداول المستمر”، في إشارة إلى ضياع الهوية والكرامة والوطن تحت وطأة الجشع والانتهازية. 

  • الحكمة هي طريق الخلاص: النصّ يدعو إلى الإصلاح ونبذ الجشع والطّمع والشر، واتّباع طريق الخير والحقّ والجمال، فالخلاص الحقيقي يقوم على الحكمة والوعي الأخلاقي. والكاتب لا يقدّم الحكمة مباشرة، بل يعرض نقيضها. إنه يصور عبثية الحياة، ومن خلال هذا المشهد “خذ منّي هذه الكأس… واسرحْ في مماتكَ… فمنذ دَفناكَ… نحن الموتى والعراة”… يدعو المتلقي، ضمنًا، إلى البحث عن خلاص حقيقيّ يقوم على الحكمة والوعيّ الأخلاقيّ، لا على منطق البيع والربح، لأن الإنسان عندما يفرط في قيمه يفقد في النهاية ذاته قبل أن يفقد وطنه أو مقدساته. 

 

  • “سمطة”، قراءة في البعد الفكريّ والوجوديّ

يقدّم النّص الّذي يحمل عنوان “سمطة” لوحة لمسرحيّة عبثيّة تُبيّن تفكّكَ الإنسان العربيّ وأزمته في زمن الانكسار والتّخبط الحضاريّ. أحداث النّصّ وفضاءاته مواقف تائهة غير مترابطة إلا في ذهن الكاتب، وشخصيّاته تتنقل بين الماضي والحاضر، وبين الواقع المأساوي اليوميّ والرموز التاريخيّة والدينيّة. 

  • العبثية واللاجدوى: تتجلّى من خلال العنوان “سَمْطَة”، وهي كلمة عامية تعبّر عن الحرارة الحارقة والألم بعد الصدمة. وتبرز في خيبة الأمل من الوجود، وطرح الأسئلة وغياب الأجوبة حتّى من الخالق… إنّها حالة من الضياع الوجوديّ. 
  • تصفية الحساب مع التاريخ: يتتبّع الكاتب محطّات من التّاريخ لا بوصفها تسجيل للوقائع فحسب، بل بكونها تعكس السّقوط الحضاريّ (الأندلس، ابن رشد) الّذي يمتدّ إلى الواقع الراهن المشوّه، القائم على الصّراعات الطائفية، الحروب، والمعاهدات الخاسرة. والنّصّ يمارس جراحة نقديّة قاسية للوعيّ الجمعيّ؛ فهو يهاجم حالة “التخدير الديني” والتطرّف وطحن المذاهب والطوائف، معتبرًا أن “إله الفتنة” هو المحرك الفعليّ للصراعات. يوازن بين إحراق كتب ابن رشد قديمًا واستمرار إحراق العقل والوعي في عصرنا الحالي.
  • تناقض الهوية اللبنانيّة/الشرقية: يُبرز النّصّ مفارقة مؤلمة بين بساطة الإنسان اللبناني العادي (صوت الأم، أكل الكشك، الخوف المعتاد، التفاصيل اليومية) وبين سوداوية المحيط الذي تحكمه الطبول، الأزمات السياسية، والانهيار الاقتصادي والاجتماعي. ويتقاطع البعد التاريخيّ والوجوديّ مع تفاصيل الحياة اللبنانيّة المعاصرة: (ازدحام السير، انفجار المرفأ، ضياع الودائع، بائعو الوعود الدينيّة من كل الطوائف، وصورة الأم الحنون المحمّلة بالبساطة والخوف على ابنها)…
  • السّلطة المشوّهة: يُبرز النّصّ نموذج الحاكم “ملك الملوك في لعنة الشرق” الّذي يستغل خوف الشعوب وأدمغتها الجوفاء ليعتلي العروش ويبسط سلطة الفساد والعهر الفكريّ. وعندما يشير إلى السير نحو “مائدة الدّجال” مدفوعًا بالرهبة والفزع والهلع، وإلى (ملك الملوك) نموذج الحاكم العربيّ/ المشرقيّ، فهو لا يبتعد عن النموذج اللبنانيّ في الحكم والسياسة، أوَليس لبنان “درّة الشّرقين”؟ 
  • البحث عن مخرج: ينتهي النّصّ بالخروج من حلقة “الهلوسة” واستدعاء التاريخ، إلى الدعوة لترك “أثر طيب” عبر العلم والمعرفة الإنسانية الحقيقية. وما تكثيف استعمال فعل الأمر “اقرأْ، تعلّمْ، أتقنْ، حلّلْ…أغثْ المنكوبين… حاربْ بسيفِ الحقّ والمظلومين… لنتركْ… ليكنْ… استنسخْ… ” إلّا رسالة واضحة من الكاتب لمهمّة الإنسان على هذه الأرض “الأثر الطيّب”… ثمّ يصل إلى مشهد ختامي عبثي يتجلّى بعودة ال “أنا المسجّى” حيث يستسلم البطل للموت والطقس الجنائزيّ.
  • مستوى الأسلوب والبناء الدرامي
  • التساؤل والتّقابل: يكتسب النّصّ أهمية بالغة من الناحية الفنية. وما يلفت النظر هو الأسلوب القائم التّساؤل وعلى المفارقات اللغوية والتقابل بين الألفاظ، مع حذف الروابط المنطقية، وهو أسلوب ينسجم مع المسرح العبثي؛ إذ لا يسعى الكاتب إلى رواية قصة بقدر ما يسعى إلى نقل شعور بالاغتراب، والتشظي، وضياع المعنى. لهذا فالقيمة الحقيقية للنص ليست في وضوحه، بل في قدرته على إثارة الأسئلة أكثر من تقديم الإجابات.
  • المستوى اللّغوي: اعتمد الكاتب المزاوجة بين الفصحى والعاميّة، ونجح في التنقّل اللغويّ بينهما بشكلٍ مرن، بحيث لا يشعر القارئ كيف ومتى انتقل؛ فنراهُ يمزج بين الفصحى الشّاعريّة الصّارمة عند استحضار الرموز التاريخية والنصوص الدينية الوجودية، وبين اللّهجة اللبنانية المحكية (الدارجة) عند العودة إلى الواقع اليومي (أحرف، حوار المعلم والطالبة، وصايا الأم، حوار طبخ الكشك). ولا يتردد في الانتقال بالسلاسة نفسها إلى اللّغة الأجنبية غناءً وحوارًا، وقد ساهم هذا التباين اللّغوي في خلق شحنة من “السخرية السوداء” الّتي عزّزت الأسلوب العبثيّ.
  • التناص والاستدعاء (Intertextuality): النص غنيّ بالإحالات ومنها:

إحالات دينية وتاريخية: قصة لوط، ابن رشد، الأندلس، ملوك الطوائف، صلوات مسيحية وأذان إسلامي، أذكر يا إنسان”…

 إحالات ثقافية وفنية: شعر محمود درويش، نشيد “موطني”، أغاني أم كلثوم وأغنية (Pink Floyd) الشهيرة (Is there anybody in there). أناشيد وأغانٍ ثوريّة “طالعلك يا عدويّ طالع” “إذا الشعبُ يومًا” …

  • السخرية والتهكّم (Black Comedy): وتظهر بوضوح في مشهد “طبخ الكشك” حيث يتحول تحضير طبق شعبي بأسلوب وصفيّ دقيق إلى منشور سياسي ساخر، يعكس عجز الأمة على استعادة مجدها العلمي والفكري “بدك تعمل متلن… تطلع عالفضا وتلعب بالمكنة!”…
  • الإيقاع السينمائي: يتوزّع كلّ عمل إلى عدة مشاهد المكتملة العناصر الفنيّة، فتشعر وكأنك أمام مشاهد مسرحيّة ومقاطع خضعت للمونتاج (Montage)، فالكاتب يلعب دور المخرج المسرحيّ مقدمًا العمل بأدواته البصريّة والصوتيّة (الموسيقى، الأصوات المتداخلة، الإضاءة…).

“سمطة” عمل مسرحيّ عبثيّ عميق، يحتاج إلى أكثر من قراءة، ويحتمل أكثر من تأويل. وقد تنتهي من القراءة ولا تنتهي التأويلات!…

 

 

 

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *